Top
Image Alt

طبقات المدلسين ومباحث الإرسال ومسائل أخرى

  /  طبقات المدلسين ومباحث الإرسال ومسائل أخرى

طبقات المدلسين ومباحث الإرسال ومسائل أخرى

صور تدليس الإسناد:

الصورة الأولى:

أن يروي الحديث عمن ثبت لقاؤه له بصيغة توهم الاتصال، ويسقط من أخذ عنه الحديث واحدًا أو أكثر ممن روى عمن روى عنه.

مثال ذلك -والساقط واحد: ما رواه أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: “فلان في النار ينادي: يا حنان. يا منان” قال أبو عوانة: قلت للأعمش: سمعت هذا من إبراهيم؟ قال: لا. حدثني به حكيم بن جبير عنه.

ومثاله -أي تدليس الإسناد والساقط أكثر من واحد- ما ذكره الحاكم بسنده عن ابن المديني قال: حدثني حسين الأشقر قال: حدثنا شعيب بن عبد الله النَّهمي عن أبي عبد الله عن نوْف قال: بت عند علي فذكر كلامًا، قال ابن المديني: فحدثني حسين، فقلت لحسين: ممن سمعته؟ فقال: حدثنيه شعيب عن أبي عبد الله عن نوف. فقلت لشعيب: من حدثك بهذا؟ قال: أبو عبد الله الجصاص، قلت: عمن؟ قال: عن حماد القصار، فلقيت حمادًا، فقلت: من حدثك بهذا؟ قال: بلغني عن فَرقَد السبخي عن نوفٍ، فإذا هو قد دلس عن ثلاثة، والحديث بعدُ منقطع، وأبو عبد الله الجصاص مجهول، وحماد القصار لا يُدرى من هو؟ وبلغه عن فرقد، وفرقد لم يدرك نوفًا، ولا رآه، فقد دلس أبو عبد الله الجصاص، وعن حماد القصار، وفرقد ومن سمع فرقد منه عن نوفٍ؛ لأنه لم يدرك نوفًا، ولا رآه.

الصورة الثانية:

أن يروي الحديث بصيغة تقتضي الاتصال، ثم يسكت وينوي القطع، ثم يروي عمن لم يتلقَّ منه, أو يسقط أداة الرواية ويروي عمن لم يأخذ عنه الحديث من شيوخه.

مثال الأول: ما نُقل عن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم البصري المقدمي أنه كان يدلس تدليسًا شديدًا يقول: سمعت، وحدثنَا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة الأعمش، وحكاه السخاوي عن عمر بن عبيد الطنافسي، وقال: ثم يسكت، وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قال ابن حجر: وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع.

ومثال الثاني ما نُقل عن علي بن خشرم قال: كنا عند ابن عيينة فقال الزهري: فقيل له: حدثكم الزهري فسكت. ثم قال: الزهري فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري.

ومثاله أيضًا: أن رجلًا قال لعبد الله بن عطاء حدثنا بحديث فقال: عقبة عامر، فقيل له: أسمعته من عقبة؟ فقال: لا حدثنيه سعد بن إبراهيم، قال الرجل: فلقيت سعدًا فقال: حدثنيه زياد بن مخراق، فلقيت زيادًا فقال: حدثني رجل عن شهر بن حوشب يعني: عن عقبة.

وهذا أيضًا يسمى تدليس القطع, فتدليس القطع كما قال السخاوي نوعان: أن يقول حدثنا، ويسكت ثم يذكر الراوي, أو يبدأ بذكر الراوي من غير ذكر أداة التحمل.

الصورة الثالثة:

تدليس العطف، وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له، ويعطف عليه شيخًا آخر، ولا يكون سمع ذلك المروي من الثاني، سواء اشتركا في التحديث عن شيخ واحد أو لا.

ومثاله: ما رواه الحاكم أن جماعة من أصحاب هُشَيم اجتمعوا يومًا على ألا يأخذوا عنه التدليس، ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا. فقال: لم أسمع من مغيرة حرفًا مما ذكرته، إنما قلت: حدثني حصين ومغيرة غير مسموع لي، قال السخاوي: وهو محمول على أنه نوى القطع، ثم قال: وفلان، أي: وحدث فلان.

الصورة الرابعة:

تدليس الاستدراك، ومثاله ما حكي عن أبي إسحاق السبيعي كان يقول: ليس أبو عبيدة حدثنا، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن النبي صلى الله عليه  وسلم في الاستنجاء بالأحجار الثلاثة، قال السيوطي: فقوله عبد الرحمن تدليس يوهم أنه سمعه منه.

الصورة الخامسة:

استعمال صيغة التحديث أو الإخبار في رواية ما تحمله الراوي بالإجازة لإيهام السماع ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئًا ولا يكون قرأ على الشيخ مما روى، وقد ذكر ابن حجر ممن فعل ذلك الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني كانت له إجازة من أناس أدركهم، ولم يلقهم، فكان يروي عنهم بصيغة أخبرنا، ولا يبين كون الرواية إجازة.

قال الخطيب: رأيت لأبي نُعيم أشياء يتساهل فيها منها: أنه يطلق في الإجازة أخبرنا ولا يبين؛ لكنه كما قال ابن حجر: كان إذا حدّث عمن سمع منه يقول: حدثنا، سواء كان ذلك قراءة أو سماعًا ورأي السخاوي أنه كان له في تأدية ما تحمله بالإجازة بلفظ أخبرنا اصطلاح خاص؛ حيث قال: إذا قلت: أخبرنا على الإطلاق من غير أن أذكر فيه إجازة أو كتابة أو كتب إليّ أو أذن لي فهو إجازة، وإذا قلت: حدثنا فهو سماع، فإذا أطلق الإخبار على اصطلاحه عُرِف أنه أراد الإجازة.

وما ذكرناه عن أبي نعيم يدل على أنه كان له منهج في استعمال هذه الصيغ، وأنه لم يكن مدلسًا بذلك.

الصورة السادسة:

أن يصرح بالتحديث فيما تحمله بالوجادة، ويصرح بالتحديث فيما لم يسمعه، متجوزًا في صيغة الجمع؛ يوهم دخوله في السامعين، وليس كذلك.

وممن نقل عنه ذلك فطر بن خليفة، قال يحيى بن سعيد: حدث عن عطاء ولم يسمع منه، وقال ابن عمار عن القطان: كان فطر صاحب ذي سمعت يعني أنه يدلس فيما عداها، وكان إسحاق بن راشد الجزري يطلق: حدثنا في الوجادة، فإنه حدث عن الزهري فقيل له: أين لقيته؟ قال مررت ببيت المقدس فوجدت كتابًا له، وقيل: إنه لقي الزهري، وهذا الوجه تدليس صعب لا يخرج عن الكذب أو سرقة الحديث إلا بوجه من التجوز، فقد قيل لابن أبي شيبة: إن أبا هشام الرفاعي يسرق حديث غيره ويرويه، قال ابن أبي شيبة: على وجه التدليس أو الكذب؟ فقال له عثمان بن خرزاد: كيف يكون تدليسًا وهو يقول: حدثنا؟ ووجه التجوز في ذلك أنه يوهم دخوله في صيغة الجمع لقول الحسن البصري: خطبنا ابن عباس وخطبنا عتبة بن غزوان، وأراد أهلَ البصرة بلدهما، ولم يكن بها حين خطبتهما، وكقوله: حدثنا أبو هريرة يريد ذلك أيضًا، أي: حدث أهل بلده.

من تدليس الإسناد: أن يروي ما تحمله بالوِجادة بلفظ عن ونحوها كقال، يوهم السماع.

قال السخاوي: وقد تساهل جماعة من المحدثين كبهز بن حكيم، والحسن البصري، والحكم بن مقسم وأبي سفيان طلحة بن نافع، وعمرو بن شعيب، ومخرمة بن بكير ووائل بن داود تساهلوا في إيراد ما يجدونه بخط الشخص، فأتوا بلفظ عن فلان أو نحوها.

أسباب تدليس الإسناد:

لتدليس الإسناد أسباب؛ منها: توهيم علو الإسناد، إخفاء من أخذ عنه الحديث لكونه صغير السن، إخفاؤه للحذر من ذكر اسمه لما يترتب على ذلك من مشاكل سياسية، إخفاؤه لتجريح الناس له بما يعلم هو أنه بريء منه، إخفاؤه؛ لأنه شاركه في الأخذ عمن هو دونه في السن أو المكانة، توهيم أخذه من الشيخ الأعلى لشهرته أو كبر سنه أو كثرة حديثه، اختبار وعي الحفاظ وتدريب الطلاب على دقة البحث والفحص، التلذذ بذلك لما فيه من الإثارة والغرابة.

روى الخطيب بسنده عن الفضل بن موسى قال: قيل لهشيم: ما يحملك على التدليس؟ قال: إنه أشهى شيء تقليد الكبار حتى فيما ندر منهم أو انتقد عليهم، قال ابن المبارك لهشيم: لما تدلس وأنت كثير الحديث؟ فقال: إن كبيريك قد دلسا: الأعمش وسفيان، أي: الثوري.

حكم تدليس الإسناد:

للعلماء في حكم تدليس الإسناد أقوال:

القول الأول: أنه يرَدُّ به الحديث، ويجرح به المدلس مطلقًا سواء روى بعن أو بغيرها فجعلوه كذبًا أو في حكم الكذب.

القول الثاني: وقال خلق كثير من أهل العلم: إن خبر المدلس مقبول؛ لأنهم لم يجعلوه بمثابة الكذب، ولم يروا التدليس ناقضًا للعدالة، وذهب إلى ذلك جمهور من قبل المراسيل من الأحاديث وزعموا أن نهاية أمره أن يكون التدليس في معنى الإرسال، ولا يخفى الفرق بين المرسل، وبين المدلس، من حيث الإيهام وعدمه، فلا يلزم من قبول المرسَل قبول المدلَّس.

القول الثالث: أنه يقبل خبر المدلس إذا أورده بلفظ لا يحتمل الإيهام، بل هو صريح في السماع أو التحمل كسمعت فلانًا يقول أو قال لي أو ذكر لي أو حدثني وأخبرني من لفظه أو حدث وأنا أسمع أو قرئ عليه وأنا حاضر وما يجري مجرى هذه الألفاظ مما لا يحتمل غير الاتصال، وقد نفى الخلاف في قبول ذلك ابن عبد البر وابن القطان والنووي.

القول الرابع في حكم التدليس فهو: التفرقة بين المدلسين بحسب من يدلسون عنه، فمن كان لا يدلس إلّا عن الثقات قبل تدليسه، ولو كانت الرواية بالصيغة المحتملة، ومن كان يدلس عن غير الثقات لم يُقبل ما دلسه، وقد عبر عن ذلك قول أبي الفتح الأزدي الحافظ: قد كره أهل العلم بالحديث مثل شعبة وغيره التدليس في الحديث، وهو قبيح ومهانة والتدليس على ضربين: فإن كان تدليسًا عن ثقة لم يحتج أن يوقف على شيء، فقبل منه، ومن كان يدلس على غير ثقة لم يقبل منه الحديث إذا أرسله حتى يقول: حدثني فلان أو سمعت، قال: فنحن نقبل تدليس ابن عيينة، ونظرائه؛ لأنه يحيل على مليء ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه؛ لأنه يحيل على غير مليء.

القول الخامس: تُقبل عنعنة من كان الغالب عليه ترك التدليس، ولا تقبل ممن غلب عليه التدليس، فقد سأل يعقوب بن شيبة ابنَ المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل فيه حدثنا؟ فقال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا.

والذي نختاره من ذلك كله قبول رواية من لا يدلس إلا عن ثقة، قال ابن حبان: وهذا ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة، فإنه كان يدلس، ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه.

تدليس التسوية

تدليس التسوية هو: ما لم يسقط فيه الراوي شيخه الذي أخذ منه الحديث، ولا يروي عنه بلفظ محتمل، بل يروي عنه بلفظ صريح في التحمل، ويذكره بما يعرف به من اسم أو كنية أو لقب، لكنه يسقط ممن بعده من رجال السند راويًا بين راويين ثقتين ثبت بينهما اللقاء في الجملة لا في هذا الحديث، أي: بين الراوي وبين الشيخ الذي بعد شيخه الذي أسقطه، ويصل الرواية بينهما بلفظ محتمل يوهم الاتصال، ولا يقتضيه، وقد يكون الساقط ضعيفًا، وقد يكون غير ضعيف، ويسقطه لسبب من الأسباب التي ذكرت في إسقاط الراوي لشيخه كصغر سنه أو عدم شهرته أو نزول درجته عمن يروي عنه.

مثاله -والساقط واحد غير ضعيف- ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبد الله ابن الحنفية عن أبيه -وهو محمد ابن الحنفية- عن علي في تحريم الحمر الأهلية؛ حيث قيل: إن يحيى لم يسمعه من الزهري، وإنما سمع منه غيره، إنما أخذه من مالك عنه، ولكن هشيم سوى الإسناد.

ومن أمثلته -والساقط واحد ضعيف: ما نقل عن الهيثم بن خارجة أنه قال للوليد بن مسلم: قد أفسدت حديث الأوزاعي. قال: كيف؟ قال: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد, وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، ويدخل بينه وبين الزهري أبا الهيثم بن مرة، فقال الوليد: أُنبّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، فقال له: فإذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعف الأوزاعي, فلم يلتفت إلى قولي.

قال الخطيب: وكان سليمان الأعمش وسفيان الثوري وبقية بن الوليد يفعلون مثل هذا، ولم يذكر أمثلة لذلك عن الأعمش وسفيان؛ لكن ابن حجر اعتذر عن الثوري والأعمش فإنهما لا يفعلانه إلا في حق من يكون ثقة عندهما ضعيفًا عند غيرهما، ويمكن أن يقال: إلا في الحديث الثابت بسند آخر غير السند الذي سُوي.

وحكم هذا النوع من التدليس، قال العراقي: هو شر أنواع التدليس، وعلل لذلك بأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم باتصال السند وصحته، قال: وفي هذا غرر شديد، ومن أسباب الشر في هذا التدليس أن الإسناد يصير عاليًا وهو في الحقيقة نازل، وأن الثقة الذي دون الضعيف قد يلحقه الضرر بعد تبين الساقط بإلصاق ذلك به مع براءته منه، ويضاف إلى ذلك صعوبة اكتشافه إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل.

وبيّن ابن حزم أن من فعله مجروح وفسقه ظاهر وخبره مردود؛ لأنه ساقط العدالة، وهذا لا يمشي إلا إذا كان هذا السند وحده للحديث.

الفرق بين التسوية والتجويد:

قال ابن حجر: إن ابن القطان سماه تسوية بدون لفظ التدليس، فيقول: سواه فلان، وهذه تسوية.

تسمية القدماء له بالتجويد:

والقدماء يسمونه تجويدًا فيقولون: جوده فلان أي: ذكر من فيه من الأجواد، وحذف غيره، قال: والتحقيق أن يقال: متى قيل تدليس التسوية فلا بد أن يكون كل من الثقات الذين حُذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث، وإن قيل تسوية بدون لفظ التدليس لم يُحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه، كما فعل مالك، فإنه لم يقع في التدليس أصلًا ووقع في هذا؛ فإنه يروي عن ثور عن ابن عباس وثور لم يلقه، وإنما روى عن عكرمة عنه فأسقط عكرمة؛ لأنه غير حجة عنده.

وعبد الله بن عباس توفي سنة ثمان وستين من الهجرة، وثور بن زيد توفي سنة مائة وخمس وثلاثين من الهجرة، ولم يرد أنه لقي ابن عباس، ويبعد ذلك، ومن هنا فروايته عن ابن عباس منقطعة، وقد أرسل كما قال ابن حجر في (تهذيبه) عن ابن عباس: وإرساله ظاهر لا خفي، فليس فيما حذف إيهام، ولا يدخل ذلك باب التدليس، وإنما هو إرسال أو انقطاع، ولا يُقبل تدليس التسوية إذا قال من اشتُهر به: “حدثنا” عن شيخه إلا إذا كان ذلك في كل طبقات السند، ولذلك عقب صاحب (تنقيح الأنظار) على قول الذهبي، وإذا قال يعني: الوليد بن مسلم: حدثنا فهو حجة لقوله: ما تغني عنك “حدثنا الأوزاعي” إذا جاء بلفظ محتمل بعد الأوزاعي؛ من أجل ذلك اشترطنا لقبوله زيادة على ما قيل في تدليس الإسناد أن تكون الرواية بأداة صريحة لا موهمة تدل على الاتصال بين كل رجال السند فوق من اتهم به، حتى لا يبقى احتمال تدليس التسوية عند قبول الحديث، ولا يلزم من التشنيع على فاعله تجريحه به، بل المدار على المقصد والبيان، فالوليد بن مسلم لما نوقش اعترف به، وبين السبب في فعله له, ويغلب على الظن أن أحاديث الأوزاعي التي دلسها عليه بإسقاط شيوخه الضعفاء قد ثبتت عنده عن شيخ الأوزاعي من رواية الأوزاعي، فاستجاز هذا التدليس، أي: ثبت عنده رواية الأوزاعي عن شيخ شيخه في السند الذي سقط منه شيخه، وبهذا أيضًا يمكن أن يعتذر عن الثوري والأعمش فوق ما اعتذر به عنهما ابن حجر.

ويضاف إلى ذلك اختبار أذهان الطلاب، والتباري بين العلماء في وضع علل للحديث لا يكتشفها إلا العالم النحرير الذي يعتمد على نقده وعلى دقته.

تدليس الشيوخ:

النوع الثالث من التدليس بعد تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، تدليس الشيوخ:

وهو أن يذكر الراوي شيخه بما لا يعرف به؛ بأن يغير اسمه أو كنيته أو نسبه، أو حاله المشهور به، ويذكره بغير ما عرف به. وقد أفاض الخطيب في (كفايته) في التمثيل له.

فمثال تغيير اسم الشيخ أن إبراهيم الحربي حدث عن علي بن داود القنطري, فغيّر إبراهيم الحربي اسم علي بن داود القنطري، فقال: حدثنا علي بن أبي سليمان، وحدث أبو معاوية الضرير عن الحسن بن عمارة، فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن شيخ كان في بجيلة، وحدث بكار بن بشر الفزاري عن علي بن غراب، فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، وحدث مروان بن معاوية عن علي بن غراب، فقال: حدثنا علي بن أبي الوليد، وحدث أبو بكر بن مجاهد عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني، فقال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، وحدث أيضًا عن محمد بن الحسن بن زياد النقاش، فقال: حدثنا محمد بن سند.

وممن دلس الرواة اسمه وكنيته إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى سمعان الأسلمي، روى عنه ابن جريج فنسبه إلى جده من قبل أمه، فقال: إبراهيم بن أبي عطاء، ويقال: إنه روى عنه أيضًا فقال: حدثنا أبو الذئب وروى عنه محمد بن عمر الواقدي أحاديث كثيرة قال في بعضها: حدثنا أبو إسحاق بن محمد، وقال في موضع آخر: حدثنا أبو إسحاق الأسلمي، وفي آخر: أبو إسحاق بن أبي عبد الله، وروى عنه عبد الرزاق بن همام، فقال: حدثنا الأسلمي بن محمد روى عنه سعيد بن سليمان بن سعيد الأسلمي شيخ ليعقوب بن محمد الزهري، قال: حدثني أبو إسحاق بن سمعان، وروى عنه مروان بن معاوية فسماه عبد الوهاب المغربي.

ومثال تغيير الكنية فوق ما تقدم ما رواه الخطيب بسنده عن أحمد بن حنبل قال: بلغني أن عطية أي ابن سعد العوفي كان يأتي الكلبي -أي: محمد بن السائب- فيأخذ عنه التفسير، فكان يكنيه بأبي سعيد فيقول: قال: أبو سعيد، وكان هشيم يضعف حديث عطية، قال الخطيب: الكلبي يكنى أبو النضر؛ وإنما غير عطية كنيته ليوهم الناس أنه يروي عن أبي سعيد الخدري التفسير الذي كان يأخذه عنه.

تدليس الشيوخ وعدم التعيين بين المتشابهين في طبقة واحدة:

وقد ذكر الخطيب من ذلك بابًا خاصًّا في الرجلين يشتركان في الاسم والنسب فتجيء الرواية عن أحدهما من غير بيان، ومثل له بأن إسماعيل بن أبان الغنوي شيخ كان بالكوفة غير ثقة، وإسماعيل بن أبان الوراق كان بالكوفة أيضًا وكان ثابت العدالة، وعصرهما متقارب، قال ابن معين: إسماعيل بن أبان الغنوي كذاب لا يكتب حديثه, وإسماعيل بن أبان الوراق كان بالكوفة أيضًا وكان ثابت العدالة وعصرهما متقارب، قال: فلو ورد حديث ليعقوب عن إسماعيل بن أبان لم يبيَّن في الرواية أي رجل هو، ولا عرف السامع ما تمييز ذلك من جهة العلم بشيوخهما والاستدلال بروايتهما، وجب التوقف فيه وترك العمل به؛ لأنه لا يُؤمن أن يكون من رواية الغنوي الذي ثبت جرحه, وهذا يدخل في جهالة التعيين، لكن سببه الإيهام بعدم تمييز أحدهما من الآخر.

ومما يضاهي ذلك أن في رواة الحديث اثنين يقال لكل واحد منهما: إسماعيل بن مسلم، وهو بصريان في طبقة واحدة، وحدثَّا جميعًا عن الحسن البصري نزل أحدهما مكة، فنسب إليها، وكنيته أبو ربيعة، وكان متروك الحديث، والآخر يكنى أبا محمد وهو ثقة، ويميز بينهما بأن المتروك يعرف بالمكي، وأن الآخر يعرف بالبصري والعبدي، وبأن الضعيف يروي عنه سفيان الثوري، ويزيد بن هارون, وأبو عاصم النبيل, والثقة يروي عنه يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع وأبو نعيم، فمن أُشكل عليه أمرهما في حديث روي له عن أحدهما فليميزه ببعض ما ذكرنا, وإلا وجب عليه التوقف عن العمل بذلك الخبر حتى يتضح له.

فإذا تشابه الراويان في الاسم، واسم الأب، أو في الكنية أو في اللقب أو في النسب وكانا من طبقة واحدة واشتركا في الرواية عن شيخ أو شيوخ أو اشترك في الرواية عنهما راوٍ أو رواة، ولم يذكر المروي عنهما بما يميزه. فإن ما سبق يمكن أن يكون نوعًا من تدليس الشيوخ أي عدم تمييز من يشتبه من غيره.

ومن تدليس الشيوخ إعطاء شخص اسم آخر مشهور تشبيهًا, كقول ابن السبكي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -يعني الذهبي- تشبيهًا بالبيهقي؛ حيث يقول ذلك يعني به الحاكم، وكذلك إيهام اللقي والرحلة كحدثنا من وراء النهر، يوهم أنه جيحون، ويريد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر.

أسباب تدليس الشيوخ:

أولًا: إخفاء الضعيف، وستر أمره للتعمية على الغير, أو لأن هذه الأحاديث المروية عنه ثابتة من غير طريقه، ويخشى ردها لو عرف أن شيخه هو الذي رواها.

ثانيًا: كون شيخه متأخر الوفاة وشاركه في الرواية عنه جماعة دونه في السماع فيدلسه لذلك.

ثالثًا: كون شيخه أصغر سنًّا منه.

رابعًا: روايته عن شيخه أحاديث كثيرة، فلا يحب تكرار الرواية عنه على وجه واحد, ثم حذره من ذكر شيخه بما يعرف به؛ لخوفه من أن يعرف بالرواية عنه لظروف تمنع من ذلك كمخالفة في الرأي أو خلاف في السياسة أو نحو ذلك، وبعد ذلك إيهام كثرة الشيوخ فيُظن الشيخ الواحد عدة شيوخ، ثم إبعاد غير المتخصصين في الحديث عن الكلام على الأسانيد وكشف عجزهم حيث يخلطون في الحكم ولا يميزون بين الرواة، ويمكن اختبار الطلاب بنحو ذلك، ثم إظهار المعرفة التامة بنسب الشيخ، ونسبته وكناه وأوصافه وجميع ما يتعلق بذلك، والتباري بين العلماء في احتواء ذلك كله، ثم كون شيخه حيًّا، والحي يعرض له النسيان وقد ينفي تحديثه بما يحدث به، وآخر ذلك الخوف من التصريح بالرواية عنه لما يلزم ذلك من توثيقه؛ حيث إنه طُعن فيمن يروي عنه كما حدث من البخاري مع شيخه الذهلي.

حكمه:

إن كان لإخفاء الضعيف أو الكذاب فالأمر فيه شديد؛ قال ابن الصباغ: من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة عند الناس، وإنما أراد أن يغير اسمه ليقبلوا خبره يجب ألا يقبل خبره، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة فقد غلط في ذلك لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو، وإن كان لصغر سنه فيكون ذلك رواية عن مجهول لا يجب قبول خبره حتى يعرف من روى عنه.

وفسر السخاوي ذلك بما حاصله: إن كان الشيخ ضعيفًا عنده، وعند غيره من الناس، أي: وليس لما رواه أصل ثابت يعتمد عليه فهو حرام لما فيه من الغش والخيانة وعدم البيان، وإن كان ثقة عند فاعله ولو خالفه الناس في ذلك، فهو أخف، وإن اختلف في توثيقه، وتجريحه وكان ثقة عنده، فهو أخف, فإن كان لصغر من حدثه أو لتأخر وفاته أو ما إلى ذلك من الأسباب فهو أهون وأيسر.

وقد قال ابن دقيق العيد: إن في تدليس الشيخ الثقة مصلحة وهي امتحان الأذهان واستخراج ذلك وإلقاؤه إلى من يراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال، وقد يضطر إليه الراوي كما حدث من البخاري مع شيخه محمد بن يحيى الذهلي.

ومع أن تدليس الشيوخ قد يؤدي إلى مفسدة، وهي: تضييع الراوي وإفساد المروي إذا لم يعرف الشيخ بالتحديد إلا أن ذلك كما قال السخاوي نادر؛ فالحذاق لا يخفى ذلك عنهم غالبًا، وتشتد المفسدة به إذا وافق ما دلسه به ما اشتهر به راوٍ ضعيف من طبقته مما يؤدي إلى رد حديثه، وهو ثقة، أو ما اشتهر به راو موثق مما يؤدي إلى قبول حديثه وهو ضعيف، ولكن هذا لندوره، ولما بذله العلماء في تمييز الرواة جعل مجرد ذكر الشيخ، ولو بالتدليس خيرًا من حذفه وعدم ذكره، كما في تدليس الإسناد.

والمنصفون من الأئمة والحفاظ يستعملونه ثم يبينون المراد به، فيروون عن الشيخ الواحد بألفاظ مختلفة من أسمائه أو نسبه أو كنيته أو حالته عن شيخ واحد روى عنه في روايات متتابعة تُبين أنه شيخ واحد وإن تعدد التعبير عنه، ويفعل ذلك الطبراني كثيرًا في (معجمه الكبير).

أنواع التدليس الأخرى:

رابعًا: تدليس الشيوخ والتسوية معًا, وممن نُقل عنه فعله بقية بن الوليد، ففي (العلل) لابن حاتم قال: سمعت أبي, وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية قال: حدثنى أبو وهب الأسدي قال: حدثنا نافع عن ابن عمر قال: “لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه” قال أبو حاتم: هذا الحديث له علة قل من يفهمها.

روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه  وسلم وعبيد الله بن عمر كنيته أبو وهب، وهو أسَدي، فكأن بقية بن الوليد كنى عبيد الله بن عمرو ونسبه إلى بني أسد، لكي لا يفطن به, حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يُهتدى له، وكان بقية من أفعل الناس لهذا, وأما ما قال إسحاق في روايته عن بقية عن أبي وهب: حدثنا نافع، فهو وهم غير أن وجهه عندي -أي: عند أبي حاتم- أن إسحاق لعله حفظه عن بقية حفظ عنه هذا الحديث، ولما يفطن لما عمل بقية من تركه إسحاق من الوسط وتكنيته عبيد الله بن عمرو، فلم ينتقض لفظة بقية في قوله: حدثنا نافع أو عن نافع.

وقد ذكر ذلك الخطيب في (الكفاية)، ثم قال: وقول أبي حاتم كله في هذا الحديث صحيح، وقد رُوي الحديث عن بقية كما شرح قبل أن يغيره ويدلسه لإسحاق، ثم رواه على وجهه الأصلي بسنده عن بقية قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر، فذكر الخطيب أصل ما بنى عليه أبو حاتم تعليله.

ويمكن أن يذكر هنا أيضًا رواية علي بن المديني قال: حدثني حسين الأشقر قال: حدثنا شعيب بن عبد الله النهمي عن أبي عبد الله عن نوف قال: بتُّ عند علي فذكر كلامًا حيث رواه شعيب عن مجهول وحذف ثلاثة بعده كما سبق في تدليس الإسناد.

خامسًا: من صور التدليس: تدليس المتن: فكما يكون التدليس في السند بحذف راو ونسبة الرواية إلى من فوقه بلفظ موهم، كذلك يكون تدليس المتن لكن بوضع كلام مع كلام الرسول صلى الله عليه  وسلم بحيث بتوهم أنه منه، ويمكن أن يكون منه الاختصار المخل بالمتن أو الرواية بالمعنى التي ليس فيها استيفاء الشروط وتؤدي إلى تغيير في الحكم أو خلل في مضمون الحديث.

حكم تدليس المتن: أنه حرام ممن تعمده، وإن كان الحكم لا يتأثر بذلك؛ لأنه يؤخذ من مجموع الروايات ومجموع الأحاديث؛ لأن من شرط الرواية أن يكون الأداء على وجه التحمل بغير تغيير مخل أو تبديل معيب.

ومن صور التدليس في القسم السادس: تدليس البلاد, ومثل له السخاوي بأن يقول المصري: وحدثنا فلان بالعراق يريد موضعًا بأخميم أو بزبيد يريد موضعًا بقوص, أو بالأندلس يريد موضعًا بالقرافة، لكن الأولى في تحديد هذا النوع هو بيان البلاد التي اشتهرت بالتدليس، والبلاد التي لم تشتهر به؛ ليكون ذلك تعريفًا مجملًا بمناطق التدليس وإرشادًا إلى الذين دلسوا، والذين تورعوا عن التدليس.

قال الحاكم: أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم، وكذلك أهل خراسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوجستان ومن وراء النهر، لا يعلم أحد من أئمتهم دلس, وأكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة.

فأما بغداد فقد خرج منها جماعة من أئمة الحديث لا يذكر عنهم وعن أقرانهم التدليس.

مراتب المدلسين:

تقسيم الحافظ العلائي للمدلسين إلى خمس مراتب مع بيان حكم كل مرتبة:

المرتبة الأولى: من لم يوصف بذلك -أي: بالتدليس- إلا نادرًا جدًّا، بحيث إنه لا ينبغي أن يعد فيهم، كيحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، وعد فيهم ابن حجر: أيوب السختياني، وحفص بن إياس، وعبد الله بن عطاء الطائفي، وعمرو بن دينار المكي، ومخرمة بن بكير.

المرتبة الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع، وهي قريبة من الأولى، قال: وذلك لإمامته ولقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة: كالزهري، والأعمش، وإبراهيم النخعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، والحكم بن عتيبة، ويحيى بن أبي كثير، وابن جريج، والثوري، وابن عيينة، وشريك، وهشيم.

ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه تصريح بالسماع، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ “عن” ونحوها. وهذا قد ظهر بالدليل العملي عند المتابعة، قال العلائي: والظاهر أن ذلك لبعض ما تقدم من الأسباب.

الثالثة: من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا بهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، وقبلهم آخرون مطلقًا لأحد الأسباب التي ذكرت في الطبقة الثانية؛ كالحسن البصري، وقتادة، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي، وأبي سفيان طلحة بن نافع، وعبد الملك بن عمير، قال شعبة: كفيتكم تدليس ثلاثة، فذكر الأعمش، وأبا إسحاق، وقتادة، وزاد ابن حجر منهم إسماعيل بن عياش، وحميد الطويل، وابن جريج، وعكرمة بن عمار اليمامي، ومبارك بن فضالة، والمغيرة بن مقسم الضبي، وهشيم بن بشير الواسطي.

الرابعة: من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لغلبة تدليسهم، وكثرته عن الضعفاء والمجهولين. ومثل لذلك بابن إسحاق، وبقية بن الوليد، وحجاج بن أرطأة، وجابر الجعفي، والوليد بن مسلم، وسويد بن سعيد، وأضرابهم، فهؤلاء هم الذين يحكم على ما رووه بلفظ “عن” ونحوها بحكم المرسل، وذكر ابن حجر منهم: عباد بن منصور الناجي، وعطية بن سعد العوفي، وعمر بن علي المقدمي.

الخامسة، وهي آخر المراتب: من ضعف بأمر آخر غير التدليس؛ فرد حديثهم به لا وجه له؛ إذ لو صرح بالتحديث لم يكن محتجًّا به كأبي جناب الكلبي، وأبي سعد البقال، ونحوهما. قال ابن حجر: إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيرًا كابن لهيعة، وعد منهم إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، والحسن بن عمارة الكوفي، والحسين بن عطاء بن يسار المدني، وابن لهيعة، وقد سبق ذكره، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، والهيثم بن عدي الطائي.

وأما الحاكم فقال: التدليس عندنا على ستة أجناس، ثم فصل ذلك بما يبين أحوال المدلسين:

قال: فمن المدلسين: من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث أو فوقه أو دونه، إلا أنهم لم يخرجوا من أعداد الذين تقبل أخبارهم، وعد منهم: طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة.

قال: والجنس الثاني من المدلسين: قوم يدلسون الحديث فيقولون: قال فلان، فإذا وقع إليهم من ينقر عن سماعاتهم ويلح ويراجعهم ذكروا فيه سماعاتهم، وذكر روايات تفيد ذلك من فعل رباح بن زيد، وسفيان الثوري، وهشام بن عروة، وابن عيينة، والأعمش.

ثم قال: وصح ذلك عن محمد بن إسحاق، ويزيد بن أبي زياد، وشباك، وأبي إسحاق، ومغيرة، وهشيم بن بشير، وعد ابن حجر من هؤلاء حماد بن أسامة أبو أسامة بالكوفة، والمغيرة بن مقسم الضبي.

والجنس الثالث قوم دلسوا على أقوام مجهولين لا يدرى من هم ومن أين هم؟ وذكر من ذلك تدليس شعيب بن عبد الله النهمي على أبي عبد الله الجصاص، وهو مجهول عن نوف؛ حيث أسقط بين أبي عبد الله ونوف حمادًا القصار، وفرقدًا السبخي، وثالثًا لم يذكر، ثم ذكر جماعة من الأئمة عن قوم مجهولين مثل سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وبقية بن الوليد، وعيسى بن موسى التيمي البخاري الملقب بغنجار، وليس ذلك بجرح.

قال: والجنس الرابع قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا، مثل رواية ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وإسقاطه إبراهيم بن أبي يحيى، ومثل قول الثوري: حدثنا أبو إسحاق الشيباني يريد إبراهيم بن هراسة، وكما كان يفعل الأعمش، ومحمد بن إسحاق، وكان الحسن البصري كثيرًا ما يدخل بينه وبين الصحابة أقوامًا مجهولين وربما دلس عنهم، وكان إبراهيم النخعي يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هنيّ بن نويرة، وسهم بن منجاب، وخزامة الطائي، وربما دلس عنهم، وهذا يدخل في تدليس الشيوخ.

والجنس الخامس عنده: قوم دلسوا عن أقوام سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء فيدلسونه، ومثّل له بقول صالح بن أبي الأخضر: حدثنا الزهري، مع أنه قال حديثي منه ما قرأت على الزهري، ومنه ما سمعت، ومنه ما وجدت في كتاب، ولست أفصل ذا من ذاك.

ومثل له أيضًا بتدليس الحسن بن ذكوان حديثًا رواه عن حبيب بن أبي ثابت لم يسمعه منه، بل رواه عن عمرو بن خالد، عن حبيب، وعمرو منكر الحديث، فدلسه الحسن عنه، فدخل في هذا القسم من دلس في أداة التحديث، ومن دلس عن رجل من الرواة.

والجنس السادس عنده: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك منهم على السماع، وليس عندهم سماع عالٍ ولا نازل، ومثل له برواية إسحاق بن راشد قال: حدثنا الزهري، مع أنه لم يلقه، ورواية عمرو بن حكام عن شعبة، وعبد الوهاب بن مخلد عن أبيه، ورواية الحسن وقتادة عن جابر، ولا يخفى -كما قال العلائي- تداخل هذه الأقسام التي ذكرها الحاكم.

أشهر المؤلفات لجمع أسماء المدلسين:

وأفرد أسماء المدلسين من القدماء بالتصنيف: الحسين بن علي الكرابيسي، ثم النسائي، ثم الدارقطني، وترجم لهم العلائي في (جمع التحصيل) فوصل بهم إلى ثمان وستين ترجمة، ثم قال: هذه أسماء من ظفرت به أنه ذكر بالتدليس، ثم ليعلم بعد ذلك أن كل هؤلاء ليسوا على حد واحد بحيث إنه يتوقف في كل ما قال فيهم واحد منهم عنه، ولم يصرح بالسماع، بل هم على طبقات، وقد ذكرنا هذه الطبقات وحكم كل طبقة.

ثم ذيل العراقي في هوامش كتاب العلائي أسماء وقعت له زائدة، ثم ضمها ولده أبو زرعة إلى من ذكر العلائي وزاد من تتبعه شيئًا يسيرًا في مصنف، وأفرد المدلسين بالتصنيف برهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي في كتاب: (التبيين في أسماء المدلسين) قال ابن حجر: فجميع ما في كتاب العلائي ثمانية وستون نفسًا، وزاد عليهم ابن العراقي ثلاثة عشر نفسًا، وزاد عليه الحلبي اثنين وثلاثين نفسًا، وألف ابن حجر كتابه: (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) وهو مطبوع، وقال: جملة ما في كتابي هذا مائة واثنان وخمسون نفسًا، ومن عليه رمز أحد الستة فحديثه مخرج في كتابه من الستة، وقد رتبهم في مراتب قبل أن يترجم لهم وقال: هذه معرفة مراتب الموصوفين بالتدليس في أسانيد الحديث النبوي لخصتها في هذه الأوراق لتحفظ، وهي مستمدة من جامع التحصيل للعلائي مع زيادات كثيرة في الأسماء تعرف بالتأمل وقد سبق ذكرنا لذلك.

هذا؛ وقد قال الخطيب البغدادي: وأخبار المدلسين تتسع، وقد ذكرت أسماءهم وسقت كثيرًا من رواياتهم المدلسة في كتاب: (التبيين لأسماء المدلسين) الذي ألفه، والأمل معقود في دراسة أحاديث كل مدلس، وتحديد أثر التدليس في الحديث الذي رواه بلفظ محتمل.

متى يحكم لرواية المدلس بالاتصال مع ورودها معنعنة؟

يحكم لرواية المدلس بالاتصال مع ورودها معنعنة إذا كان الراوي له أو عنه ممن يشترط ثبوت التحمل من الراوي لما رواه، وكذلك الراوي له كالبخاري ومسلم في صحيحيهما، وابن حبان، وغيرهم، ذلك أن ما رواه المدلس بالعنعنة محمول على ثبوت الاتصال بينه وبين من روى عنه الحديث في رواية أخرى للحديث الذي رواه هؤلاء في صحاحهم له، أو محمول على ثبوت الحديث عن الشيخ الذي روي عنه بالتدليس من طريق آخر سالم من التدليس.

وقد يكتفى بثبوت المتن عن الصحابي الذي روي عنه الحديث، قال القطب الحلبي في (القدح المعلى): أكثر العلماء على أن المعنعنات التي في الصحيحين مُنزلة مَنزلة السماع؛ إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح -أي: اللفظ الصريح الدال على الاتصال- أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه المعروفين، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين لسماع المعنعن لها، ولهذا استثني من الخلاف الأعمش، وأبو إسحاق، وقتادة، بالنسبة لحديث شعبة خاصة عنه، فإنه قال: كفيتكم تدليسهم، فإذا جاء حديثهم من طريقه بالعنعنة حمل على السماع جزمًا أي: بناءً على قوله.

وكذلك أبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث يحيى القطان، عن زهير، عنه، وكذلك أبو الزبير عن جابر بالنسبة لحديث الليث، عنه خاصة، وكذلك حديث الثوري بالنسبة لحديث القطان عنه، بل قال البخاري: لا يعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه!

ولابن حجر بحث جيد مفيد حول حديثٍ مدلس انتقده الدارقطني على البخاري في (صحيحه)، فذكر رأي العلماء في الحديث، وبين دقة البخاري ومكانته بين أئمة الجرح والتعديل في روايته لهذا الحديث، وانتهى إلى ترجيح عدم التدليس في هذا الحديث مع أنه مر بنا كمثال استدل به المؤلفون في علوم الحديث على تدليس القطع.

كثرة الإرسال:

ونتكلم على الوجه الثاني مما ينتقد على الراوي مما لا يتعلق بالعدالة والضبط وهو: كثرة الإرسال:

والإرسال نوعان:

الأول: الإرسال الظاهر: وأصله في اللغة من أرسل يرسل فهو مرسل، والحديث مرسَل بفتح السين، وهو من قولهم أرسلوا إبلهم أرسالًا أي: جماعة جماعة، وإذا أورد الرجل إبله متقطعة قيل أوردها أرسالًا لما بين الجماعات من الانقطاع، والانقطاع في تعريف المرسل في المصطلح ظاهر، أو مأخوذ في اللغة من قولهم أرسل الشيء، أي: أطلقه وأهمله، ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83] أي: أطلقنا الشياطين تؤثر فيهم تأثيرًا قويًّا، والمرسل للحديث أطلقه ولم يقيده بمن رواه عنه.

ويمكن أيضًا من ناحية اللغة أن يكون من أرسلنا فلانًا برسالة لما في ذلك من الانفصال وعدم الاتصال بين المرسل والمرسل إليه، ويمكن أن يكون أيضًا من قولهم ناقة مرسال، أي: سريعة السير؛ لأن المرسل أسرع في رواية الحديث فحذف من حدثه به، وروى عن من فوقه، ويمكن أن يكون أيضًا من الاسترسال وهو الطمأنينة إلى الإنسان والثقة به، فكأن المرسل في الاصطلاح اطمأنّ إلى من أرسل عنه فحذفه، هذا كله من ناحية المعنى اللغوي وصلته بالمعنى الاصطلاحي.

أما في الاصطلاح: فقال الحاكم: إن مشايخ الحديث لم يختلفوا في أن الحديث المرسل هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم فاشترط أن يكون المرسل تابعيًّا، وأن يكون الإسناد إليه متصلًا، وقال ابن عبد البر: اسم المرسل واقع بالإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي صلى الله عليه  وسلم مثل أن يقول عبيد الله بن عدي بن خيار، أو أبو أمامة بن سهل بن حنيف، أو عبيد الله بن عامر بن ربيعة، ومن كان مثلهم: عن النبي صلى الله عليه  وسلم وكذلك من دون هؤلاء كسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، ومن كان مثلهم.

وكذلك علقمة ومسروق بن الأجدع، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومن كان مثلهم، الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم، ونحوه مرسل من دونهم كحديث الزهري، وقتادة، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد -أي: الأنصاري- عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم فيسمى مرسلًا كمرسل كبار التابعين.

ونلاحظ من التعريفين اتفاقهما على اعتبار رواية التابعي كبيرًا كان أو صغيرًا عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم من المرسل، لكن الحاكم يشترط اتصال السند إلى التابعي، وابن عبد البر لم يشترط ذلك، وقيده الحاكم في كتاب: (المدخل) بما لم يأت اتصاله من وجه آخر، أي: لئلا يحمل أحد الإسنادين على الآخر إذا كان الاتصال في السند الآخر عن نفس التابعي الذي أرسل، أو يتصل السند إلى الرسول صلى الله عليه  وسلم بمجموع الإسنادين إذا كان السند المتصل عن تابعي غير التابعي الذي أرسل الحديث، وهذا هو الاتجاه الأول في تعريف المرسل، فالمرسل أخص من غيره من ألوان المنقطع.

أما الاتجاه الثاني في تعريف المرسل فيظهر في قول الخطيب: المرسل ما انقطع إسناده بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه، قال: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه، ومثل لذلك برواية التابعي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم كرواية ابن المسيب، وأبي سلمة، وعروة بن الزبير، وابن المنكدر، والحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، وغيرهم من التابعين عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ومثل كذلك برواية غير التابعين عمن لم يعاصروه نحو رواية ابن جريج، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ورواية مالك بن أنس، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله  عنه ورواية حماد بن أبي سليمان، عن علقمة.

قال ابن الصلاح: وهو المعروف في الفقه وأصوله، فهو على هذا مساو للمنقطع، وإن أطلق غالبًا على رواية التابعي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأيضًا يشمل المعضل، بل وقد يشمل المعلق أيضًا.

أما الاتجاه الثالث في تعريفه فهو: رواية الراوي عمن لم يسمع منه، فيدخل فيه رواية الراوي عن من عاصره ولم يسمع منه ما روى عنه وهو المرسل الخفيف.

والاتجاه الرابع في تعريفه هو: ما رواه التابعي الكبير، وهذه هي الصورة التي لا خلاف في تسميتها بالمرسل -كما قال ابن الصلاح- وكبار التابعين مثل سعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وعبيد الله بن عدي بن خيار، أما ما رواه صغار التابعين عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم فيسمى منقطعًا على هذا الرأي الذي حكاه ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث؛ لأن رواية هؤلاء أكثرها عن التابعين، ولم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين، وصغار التابعين مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حازم سلمة بن دينار، وأبي الزناد عبد الله بن ذكوان، وموسى بن عقبة، وبعضهم ممن عد في أتباع التابعين وهو من التابعين على التحقيق.

وأخص التعاريف الرابع، وأوسعها الثالث، ومما ينبه عليه أن الحاكم، والبغوي في (شرح السنة) عدّا من المرسل قول تابع التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم ولم يذكر سماعه من الذي سمعه في رواية أخرى، وكذلك عد أبو نعيم في (المستخرج) المعلق مرسلًا، وممن أطلق المرسل على المنقطع أبو زرعة وأبو حاتم، ثم الدارقطني والبيهقي، بل صرح البخاري في حديث لإبراهيم بن يزيد النخعي، عن أبي سعيد الخدري بأنه مرسل؛ لكون إبراهيم لم يسمع من أبي سعيد، وكذلك صرّح البخاري، وأبو داود في حديث لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود بأنه مرسل؛ لكونه لم يدرك ابن مسعود.

وصرح الترمذي في حديث لابن سيرين عن حكيم بن حزام بأنه مرسل، وإنما رواه ابن سيرين، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم، وهو الذي مشى عليه أبو داود في (مراسيله) في آخرين، وقال الحاكم في (معرفة علوم الحديث): فأما مشايخ أهل الكوفة فكل من أرسل الحديث عن التابعين وأتباع التابعين، ومن بعدهم من العلماء فإنه عندهم مرسل محتج به، قال العلائي: والظاهر عند التأمل أن مرادهم ما سقط منه التابعي مع الصحابي، أو ما سقط منه اثنان بعد الصحابة، ونحو ذلك، وإلا لزم من إطلاق المرسل على قول غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم بطلان اعتبار الأسانيد، وترك النظر في أحوال الرواة.

وقد نبه السيوطي على أنه يرد على تخصيص المرسل بالتابعي من سمع من النبي صلى الله عليه  وسلم وهو كافر، ثم أسلم بعد موته، فهو تابعي اتفاقًا، وحديثه ليس بمرسل، بل موصول لا خلاف في الاحتجاج به كالتنوخي رسول هرقل أو قيصر، فهذا تابعي؛ لأنه لم يسلم في عهد النبي صلى الله عليه  وسلم روايته غير مرسلة؛ لأنه شافه الرسول صلى الله عليه  وسلم وهذا نادر.

ويرد عليه أيضًا من رأى النبي صلى الله عليه  وسلم غير مميز كمحمد بن أبي بكر الصديق، فإنه صحابي وروايته عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم في حكم المرسل لا الموصول أي؛ لأنه لم يشافه الرسول صلى الله عليه  وسلم فيمكن استثناء هاتين الصورتين من تعريف المرسل لمنع هذا الإيراد.

ويلتحق بالمرسل أن يرد في الإسناد رواية راوٍ عن رجل أو شيخ أو نحو ذلك بحيث لا يذكر بما يدل عليه، بل يذكره كذلك مبهمًا، فبعض العلماء سمى مثل ذلك منقطعًا، ولم يسمِّه مرسلًا، وقال: المنقطع من الحديث وهو غير المرسل، فذكر مثالًا فيه عن أبي العلاء، وهو ابن الشخِّير، عن رجلين من بني حنظلة، عن شداد بن أوس، وقال: هذا الإسناد مثل لنوع من المنقطع بجهالة الرجلين بين أبي العلاء بن الشخِّير وشداد بن أوس.

واشترط الحاكم لانقطاعه أن لا يعرف المبهم من طريق آخر، وأكد ذلك بمثال ذكره، قال السخاوي: وممن صرح بذلك ابن القطان في الوهم والإيهام، ونقله العراقي عن جمهور أهل الحديث، قال السخاوي: وممن أخرج المبهمات في المراسيل أبو داود، وكذلك أطلق النووي في غير موضع على رواية المبهم مرسلًا.

وبين ابن حجر أن صنيع أبي داود في المراسيل موافق لمنهج الحاكم في تخصيص المنقطع برواية المبهم الذي لم يعرف اسمه بعد جمع الروايات وتمام المقارنات، وكذلك صنيع غيره لكنه لا يسميه مرسلًا، وعد ابن الصلاح من المنقطع الإسناد الذي ذكر فيه راوٍ بلفظ مبهم كرجل أو شيخ، وسماه أصحاب الأصول مرسلًا، وبين ابن حجر أن أبا داود كان لا يعتبر الإرسال إلا إذا لم يعرف اسم الرجل في رواية أخرى.

قال العراقي: وكل من القولين خلاف ما عليه الأكثرون، فإن الأكثرين ذهبوا إلى أن هذا متصل في سنده مجهول، وقد حكاه عن الأكثرين الحافظ رشيد الدين العطار في (الغرر المجموعة)، واختاره الشيخ صلاح الدين العلائي في كتابه (جامع التحصيل)، لكن ذلك ليس على إطلاقه بل هو مقيد بأن يكون المبهم صرح بالتحديث ونحوه باحتمال أن يكون مدلسًا.

قال ابن حجر: لا يخفى أن صورة المسألة أن يقع ذلك من غير التابعي، أما لو قال التابعي عن رجل فلا يخلو إما أن يصفه بالصحبة أو لا، فإن لم يصفه بها فلا يكون ذلك متصلًا لاحتمال أن يكون تابعيًّا آخر بل هو مرسل على بابه.

حكم المرسل إذا كان بالمعنى العام:

قال ابن حجر: إن كان شيخه الذي حدثه به -أي: بالحديث- عدلًا عنده وعند غيره فهو جائز بلا خلاف، أو لا -أي: لم يكن شيخه الذي حدثه به عدلًا عنده وعند غيره- فممنوع بلا خلاف، وإذا كان عدلًا عنده فقط أو عند غيره فقط، فالجواز محتمل بحسب الأسباب الحاملة عليه، ومما يدل لذلك ما ذكره الغزالي فيما أرسله عروة، عن بُسرة أن عروة قال عنه: حدثني به بعض الحرس، وقال الزهري بعد الإرسال: حدثني به رجل على باب عبد الملك.

وروى البيهقي في (السنن الكبرى) بسنده عن هاشم عن حفصة عن أبي العالية: “أن رجلًا أعمى جاء والنبي صلى الله عليه  وسلم في الصلاة، فتردى في بئر، فضحك طوائف من أصحاب النبي صلى الله عليه  وسلم فأمر النبي من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة” قال: فهذا حديث مرسل، ومراسيل أبي العالية ليست بشيء، كان لا يبالي عمن أخذ حديثه، كذا قال محمد بن سيرين، وقد روي -أي: الحديث- عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري مرسلًا، قال: وهذه الروايات كلها راجعة إلى أبي العالية الرياحي.

ثم روى بسنده عن علي بن المديني قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: حديث الضحك في الصلاة: “أن النبي صلى الله عليه  وسلم أمره أن يعيد الوضوء والصلاة” كله يدور على أبي العالية، قال علي: فقلت: قد رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه  وسلم مرسلًا، فقال عبد الرحمن أخبرنا حماد بن زيد عن حفص بن سليمان قال: أنا حدثت به الحسن عن أبي العالية، قلت له: قد رواه إبراهيم عن النبي صلى الله عليه  وسلم فقال عبد الرحمن: حدثنا شريك عن أبي هاشم قال: أنا حدثت به إبراهيم عن أبي العالية، فقال علي: فقد رواه الزهري عن النبي صلى الله عليه  وسلم مرسلًا، قال عبد الرحمن: قرأت هذا الحديث في كتاب ابن أخي الزهري، عن سليمان بن أرقم عن الحسن.

ثم نقل البيهقي عن أبي أحمد بن عدي قال: وأكثر ما نقم على أبي العالية هذا الحديث، وكل من رواه غيره فإنما مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له، وبه يعرف، ومن أجل هذا الحديث تكلموا في أبي العالية، وسائر أحاديثه مستقيمة صالحة، وقد نقل صاحب (الجوهر النقي) أن الحسن له في هذا الحديث رواية أخرى من طريق إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس، عن الحسن، عن عمران مرفوعًا بمعناه، ورواية أخرى عن عطاء، عن ابن عمر، وهو ما يدفع الكلام في أبي العالية لو ثبت، لكن يبدو أن الروايتين لم تثبتا.

ففي الأولى إسماعيل بن عياش، وروايته عن العراقيين فيها تخليط، وفي الثانية عطية بن بقية بن الوليد، عن أبيه، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه ومحله الصدق وكانت فيه غفلة، ورواه بقية بالتحديث عن عطاء بن السائب, وقد اختلط ولم يعد بقية ممن أخذ عنه قبل الاختلاط، وعلى ذلك فكلام عبد الرحمن بن مهدي هو المعتمد، وقد استقصى العلماء ممن ألف في الرجال وفي المراسيل على وجه الخصوص مظاهر الانقطاع أو الإرسال بين الراوي ومن روى عنه، ونقلوا من روي عنه ذلك، وما عرف عن السقط في الإسناد، ونجد ذلك واضحًا في (المراسيل) لابن أبي حاتم، و(جامع التحصيل) للعلائي وتراجم الرجال، هذا عن حكم الإرسال بالمعنى العام.

حكم المرسل بالمعنى الخاص:

أما عن حكم الإرسال بالمعنى الخاص -أي: رواية التابعي عن الرسول صلى الله عليه  وسلم فلعلماء الحديث فيه اتجاهات:

الأول: عدم قبوله، وجرى على ذلك الإمام الشافعي وأكثر الأئمة من حفاظ الحديث، ونقاد الأثر، وجرى على ذلك الإمام مسلم في مقدمة (صحيحه).

قال السخاوي: وأقره -أي: أقر هذا الكلام- ومشى عليه في كتابه -أي: الصحيح- ومشى عليه في العلل حيث يعل الطريق المسندة بالطريق المرسلة، ولو كان المرسل عنده حجة لازمة لما أعلّ به، وحكى الحاكم أبو عبد الله رده عن سعيد بن المسيب ومالك وجماعة من أهل الحديث والفقهاء، وحكاه النووي في (شرح المهذب) عن جمهور المحدثين، وجماعة من الفقهاء، وجماهير أصحاب الأصول والنظر، قال السخاوي: وهو قول ابن مهدي، ويحيى القطان، وجمهور الشافعية، واختيار إسماعيل القاضي، وابن عبد البر، وغيرهما من المالكية، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وجماعة كثيرين من أهل الأصول.

الثاني: وقالت جماعة من العلماء: إن المرسل مقبول ويجب العمل به إذا كان المرسل ثقة عدلًا، وهذا قول مالك، وأهل المدينة، وأبي حنيفة، وأهل العراق، وغيرهم، وقال به جماعة من المحدثين والإمام أحمد في رواية حكاها النووي، وابن القيم، وابن كثير, وغيرهم.

وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل: سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، وذكر محمد بن جرير الطبري أن التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، واستدلوا لذلك بأن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيًّا لا سيما بالكذب بعيد جدًّا؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم شهد لعصرهم بالخيرية حيث قال: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)).

وإذا أردنا الترجيح بين الرأيين وجدنا أن بعض العلماء -وهم أصحاب الرأي الأول الذين لا يحتجون بالمرسل- ضعفوا أدلة الرأي الثاني ولم يسلموا بها وقالوا: إن الشهادة بالخيرية للقرون الثلاثة بالنسبة للمجموع لا للجميع، فقد كان من التابعين من لا يقبل عنه الحديث.

وقد أفاض الخطيب البغدادي في (الكفاية) ومن تابعه في نصرة القول برد الاحتجاج بالمرسل، لكن ما ذكره لا يدل إلا على الاحتياط فيمن يؤخذ منه الحديث، وعدم الأخذ من كل أحد، ونقد الرجال في عصر التابعين، ومحاولة التعرف على الرواة في بعض الأحاديث أو الالتزام بعدم اعتماد حديث إلا بعد معرفة رواته، لكنه لم يورد دليلًا واحدًا يدل على إرسال بعض التابعين الحديث عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ثم تبين أن الساقط من الإسناد تابعي مجرّح.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن أكثر القائلين برد المرسل إن لم يكن كلهم لم يأتوا بدليل يدل على أن أحد التابعين ممن لم يجرح بما يرد روايته أرسل حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ثم تبين أن الساقط راوٍ ضعيف أو أن ممن سقط من رواته راوٍ ضعيف، وكل ما ذكروه إنما هو فيما إذا أرسل واحد منهم عن الآخر، أي: في المنقطع أو المرسل بالمعنى العام، لا في المرسل بالمعنى الخاص وهو رواية التابعي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

وفرق بين المرسل والمنقطع على التعريف الذي يفصل بينهما أو الذي يجعل المرسل أخص من المنقطع، وهذا الفرق في التعريف يمكن أن يؤدي إلى الفرق في الحكم، فلا يلزم من قبول المرسل قبول المنقطع على ذلك، وعلى من يرد إرسال التابعي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن يأتي بشاهد واحد يؤيد به مدعاه، ويقوي به ما ذكره من الاحتمالات؛ إذ لم نطلع على شيء من ذلك.

وعلى ذلك فالراجح في نظرنا قبول المرسل بالمعنى الخاص أي: إرسال التابعي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم إذا كان التابعي المرسل ثقة وسلم السند إليه، ويتقوى القبول إذا وجد ما يعضده أو يشهد له كما نقل عن الشافعي -رحمه الله -تعالى.

وقد اختلف القائلون بقبول المرسل في تحديدهم لهذا القبول.

المرسل الخفي:

أما النوع الثاني من الإرسال فهو: المرسل الخفي:

قال العلائي: وهو نوع بديع من أهم أنواع علوم الحديث وأكثرها فائدة، ولمعرفته طرق:

إحداها: عدم اللقاء بين الراوي والمروي عنه، أو عدم السماع منه، وهذا هو أكثر ما يكون سببًا للحكم.

والطريق الثاني: أن يذكر الراوي الحديث عن رجل ثم يقول في رواية أخرى نبئت عنه أو أخبرت عنه، مما يدل على أنه لم يلتق به مباشرة.

والطريق الثالث: أن يرويه عنه ثم يجيء عنه بزيادة شخص فأكثر بينهما، فيحكم على الأول بالإرسال إذا لو كان سمعه منه لما قال: أخبرت عنه، ولا رواه بواسطة بينهما. وفائدة جعله مرسلًا في هذه الطريق الثالثة أنه متى كان الواسطة الذي زيد في الرواية الأخرى ضعيفًا لم يحتج بالحديث, بخلاف ما إذا كان ثقة. أما الطريقان الأولان ففيهما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل.

ثم لا بد في كل ذلك أن يكون موضع الإرسال قد جاء فيه الراوي بلفظ “عن” ونحوه، فأما إذا كان بلفظ “حدثنا” ونحوه، ثم جاء الحديث في رواية أخرى بزيادة رجل بينهما فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد.

قالوا: وحاصل الأمر أن ذلك على أقسام:

الأول: ما يترجح فيه الحكم بكونه مزيدًا فيه, وأن الحديث متصل بدون ذلك الزائد.

الثاني: ما يترجح فيه الحكم عليه بالإرسال إذا روي بدون الراوي المزيد.

الثالث: ما يظهر فيه كونه بالوجهين أي: أنه سمعه من شيخه الأدنى وسمعه من شيخ شيخه أيضًا، وكيفما رواه كان متصلًا.

ورابعها: ما يتوقف فيه لكونه محتملًا لكل واحد من الأمرين، وذكر أمثلة تحليلية جيدة لذلك، ثم قال: وحاصل الأمر أن الراوي متى قال: عن فلان، ثم أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة فالظاهر أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يدخل الواسطة؛ إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس وإلا فمدلسة، وحكم المدلس حكم المرسل، وخصوصًا إذا كان الراوي مكثرًا عن الشيخ الذي روى عنه بالواسطة كهشام بن عروة عن أبيه ومجاهد عن ابن عباس وغير ذلك، فلو أن هذا الحديث عنده عنه لكان يساير ما روى عنه، فلما رواه بواسطة بينه وبين شيخه المكثر عنه علم أن هذا الحديث لم يسمعه منه، ولا سيما إذا كان ذلك الواسطة رجلًا مبهمًا أو متكلمًا فيه.

قال: ومثاله حديث أخرجه مسلم من طريق سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله  عنه حديث: ((وافقت ربي في ثلاث)) وقد رواه محمد بن عمر المقدمي عن سعيد بن عامر، عن جويرية، عن رجل، عن نافع، وجويرية مكثر عن نافع جدَّا، فلو كان هذا الحديث عنده عنه لما رواه عن رجل مبهم عنه، قال: وأما ما يسلكه جماعة من الفقهاء من احتمال أن يكون رواه عن الواسطة ثم تذكر أنه سمعه من الأعلى فهو مقابل بمثله، بل هذا أولى، وهو أن يكون رواه عن الأعلى؛ جريًا على عادته، ثم يذكر أن بينه وبينه فيه آخر فيرويه كذلك، والمتبع في التعليل إنما هو غلبة الظن.

قال: وأما القسم الثالث فتارة يظهر كونه عند الراوي بالوجهين ظهورًا بينًا بتصريحه بذلك ونحوه، وتارة يكون ذلك بحسب الظن القوي.

قال: وأما القسم الرابع المحتمل فأمثلته قريبة من هذا، لكن احتمال كونه على الوجهين ليس قويًّا، بل هو متردد بين الإرسال بإسقاط الزائد، وبين الاتصال والحكم بكونه مزيدًا فيه، وذكر أيضًا أمثلة لذلك، قال: والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدَّا ولا يخفى على الممارس الفطن إلحاق كل واحد بما يقتضيه نوعه، ويستفاد مما ذكره أن المرسل الخفي غير المرسل الظاهر، فالمرسل الخفي فيه احتمال السماع، وعدم السماع، والراوي معاصر، لكننا لا نستطيع الجزم بالسماع وعدم السماع، فإن جزمنا بعدم السماع لقرائن كالتي ذكرها من أحكام العلماء ونحوها وترجح ذلك كان الإرسال ظاهرًا وليس خفيًّا.

وإن لم يترجح الجزم بعد السماع كان مرسلًا, لكنه خفي لوجود المعاصرة وإمكان سماعه ممن أرسل عنه، ولذلك كان المرسل الخفي أدق من المرسل الظاهر، ويختلف عن التدليس -كما سبق أن ذكرنا في التدليس- لأن التدليس رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، والثاني رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه ما لم يسمع منه، ويقيد في ذلك المرسل الخفي بعدم وجود دليل على عدم السماع، وإلا كان مرسلًا ظاهرًا، وحكمه يظهر من حكم التدليس، ومن حكم المرسل الظاهر، فهو واسطة بينهما يسري عليه حكمهما.

أشهر المؤلفات في حصر ذوي الإرسال ومواضع إرسالهم:

من الكتب المشهورة في ذلك: (المراسيل) لأبي داود، وقد اشتمل على الأحاديث المرسلة، التي لم ترد متصلة من وجه آخر، ويدل على من أرسل الحديث بالمعنى الخاص -أي: رواية التابعي عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم ويذكر حديثه المرسل، فهو جامع لتحديد المرسل، ولذكر الأحاديث التي أرسلها، وهو أصيل في بابه لا يغني عنه غيره.

ثم كتاب (المراسيل) لابن أبي حاتم، وهو يذكر اسم الراوي ويذكر من أرسل عنه. و(جامع التحصيل) للعلائي ذكر فيه من أرسلوا وذكر أيضًا ما قيل في من أرسلوا عنه. وكتب التراجم أيضًا وبخاصة (تهذيب التهذيب) لابن حجر يعتني بذلك عناية كبيرة. والله أعلم.

مراتب المرسل ودرجاته:

للمرسل مراتب ودرجات: أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه، ثم ما أرسله صحابي له رواية فقط, ولم يثبت سماعه -أي: من النبي صلى الله عليه  وسلم ثم ما أرسله المخضرم من التابعين، ثم ما أرسله التابعي المتقن كسعيد بن المسيب، ثم مرسل من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد، ويليه مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن البصري، وأما مراسيل صغار التابعين كقتادة، والزهري، وحميد الطويل فإن غالب روايتهم عن التابعين فتكون من أنزل مراتب المرسل.

وعلى ضوء ما ذكرناه حكم العلماء على مراسيل بعض التابعين:

نذكر من ذلك:

أ. مرسل سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله  عنه، ومات سنة أربع وتسعين، كان لا يأخذ إلا عن الثقات، فروى ابن منده في (الوصية) من طريق يزيد بن مالك قال: كنت عند سعيد بن المسيب فحدثني بحديث، فقلت له: من حدثك يا أبا محمد بهذا؟ فقال: يا أخا أهل الشام خذ ولا تسأل فإنا لا نأخذ إلا عن الثقات، ومن هنا كانت مراسيله عند العلماء مقبولة، بل صحيحة، قال الشافعي: “إرسال ابن المسيب عندنا حسن”. واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي في قوله هذا.

ب. مرسل الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وروى عن عدد كبير من الصحابة، قال ابن المديني: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها، وقال أبو زرعة: كل شيء يقول الحسن: “قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم” وجدت له أصلًا ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث، وقال يحيى القطان: ما قال الحسن في حديثه: “قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم” إلا وجدنا له أصلًا إلا حديثًا أو حديثين، قال ابن حجر: ولعله أراد ما جزم به الحسن.

وإلى جانب هذا الاتجاه ضعّف بعض العلماء مراسيله، فقال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن؛ فإنه كان يأخذ عن كل واحد، وقال الدارقطني: مراسيله فيها ضعف، وقال ابن سعد: ما أرسل فليس بحجة، ويمكن أن يحمل هذا على إرساله عن غير الرسول صلى الله عليه  وسلم أو على ما لم يجزم به؛ جمعًا بين الأقوال.

جـ. مرسل إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي الفقيه، ولد سنة خمسين، وهو يرسل عن الصحابة، فيدخل في باب المنقطع.

د. مرسل عطاء بن أبي رباح، واسمه: أسلم القرشي المكي، قال خالد بن أبي نوف عنه: أدركت مائتين من الصحابة، وولد سنة سبع وعشرين من الهجرة، ومات سنة مائة وأربعة عشر.

قال علي بن المديني: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب، وقال الإمام أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد، وقال يحيى بن سعيد: مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء، قيل: فمرسلات مجاهد أحب إليك أو مرسلات طاوس؟ قال: ما أقربهما، وقال: مرسلات أبي إسحاق الهمداني، والأعمش، والتيمي، ويحيى بن أبي كثير شبه لا شيء، ومرسلات إسماعيل بن أبي خالد ليست بشيء، مرسلات عمرو بن دينار أحب إلي، ومرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم.

ومراسيل الزهري: قال ابن معين والقطان: ليس بشيء، وكذا قال الشافعي، وعلل لذلك بأنه يروي عن سليمان بن أرقم.

والمتتبع لما قاله الأئمة في هذا المجال يجد أنهم عمموا المرسل فيما أسقط فيه الراوي من روى عنه سواء كان معاصرًا له أو لا، وسواء روى عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أو عمن دونه، وقد حاولنا استخلاص ما يتصل بالمرسل بالمعنى الفاصل له عن غيره، وهو قول التابعي: “قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم” ومما ينبه عليه أن رواية الراوي الثقة عن الضعيف لا تعني أنه قد يسقطه من السند ويروي عنه بصيغة الجزم، وما نقل عن العلماء من التعليل لضعف المرسل بذلك محمول على شدة الاحتياط؛ حتى يقوم دليل واضح على إسقاطهم غير الثقة أثناء الإرسال عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم بلفظ الجزم كقال، وذكر، وفعل، ونحوه.

أسباب اعتناء العلماء بالمرسل:

اعتنى أصحاب الحديث بالمرسل بالمعنى العام الشامل للمنقطع والمعضل والمعلق أيضًا لعدة أمور منها:

  • استعمال الأحكام التي تضمنتها الأحاديث المرسلة للعمل بها عند من يحتج بالمرسل.
  • كشف علل الرواية؛ إذ يرد الحديث عن شيخ مرسلًا فيأتي راوٍ فيرويه متصلًا؛ يشذ بذلك عن باقي الرواة أو عمن هو أحفظ وأضبط، فيعرف برواية المرسل وكتابته أمره.
  • المذاكرة والتنبيه لتيسير الكتابة بقلة الرواة، فتجتمع أحاديث كثيرة في حيز ضيق مع كتابة الأحاديث المرسلة بسندها المتصل، فإذا ذاكر غيره وجد الأحاديث بالأسانيد المرسلة، وإذا نوزع في الإرسال كان عنده الإسناد المتصل، ثم إن ذلك يحفز من يراها من العلماء على البحث عن سندها المتصل.
  • إرسال الحديث عند الاستدلال على مسألة من المسائل اختصارًا وتقريبًا على المتعلم لمعرفة أحكامها، فإذا أريد التأكد احتيج إلى بيان الإسناد.
  • نقل ما بلغه على ما بلغه، فإذا وصله الخبر مرسلًا رواه كذلك، فإن تيسر له كشف موطن الانقطاع منه وتصحيح حاله فعل، وإلا ترك ذلك لغيره من العلماء، فقد يطلع غيره على ما لم يطلع عليه، ومجال السنة واسع، وكل يضم جهده إلى من سبق حتى يتم النفع ويعم.

التدليس والإرسال هل يدخلان في رواية الصحابة؟

لا يخفى وجه الانقطاع في رواية الراوي عن من لم يسمع منه سواء كان ذلك إرسالًا ظاهرًا أو خفيًّا أو تدليسًا أو صورة من صور المنقطع كالمعلق والمعضل سواء عاصر من روى عنه أو لم يعاصره، أما رواية الصحابة فلا يسري فيها هذا الحكم؛ لأن من حذفه الصحابي ممن سمع منه من الصحابة كالمذكور؛ لعموم العدالة؛ ولعدم ظهور ما يقدح في قبول روايته، فكان الإرسال من الصحابي في روايته عمن روى عنه لتيسير الرواية وتسهيلها، وليس لغرض يقدح في الرواية كإخفاء ضعيف أو التستر على مجروح.

لماذا ترد الرواية عن المجهولين وتؤثر في جرح الراوي؟

الوجه الثالث مما ينتقد على الراوي: كثرة الرواية عن المجهولين والمتروكين ووجه الانتقاد في ذلك:

الأصل في دراسة السند أن يكون كل راوٍ مسئولًا عن روايته دون رواية غيره ممن فوقه أو ممن تحته، لكن الضعيف إذا روى عنه ثقة كان متنه إذا انفرد به منكرًا مردودًا، فإذا لم يبين ضعفه أثناء الرواية أثّر ذلك في قبول روايته لاحتياج تخليصها معرفة من روى عنهم، فيتنكب العلماء الرواية عنه إذا كثر ذلك منه، ويعتبرون رواياته مردودة مع عدم ظهور ما يقدح في عدالته أو ضبطه، أي: إن النقد يتوجه إلى ما رواه، ولا يتوجه إليه، فإن كان ذلك فيما يدلس فيه تدليس الإسناد أو تدليس المتن؛ اقتصر الرد على ما دلسه دون ما رواه بصيغة صريحة في الاتصال.

قال ابن حبان: مغيرة بن صقلاب أبو بشر الحراني يخطئ ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، فغلب على حديثه المناكير والأوهام، فاستحق الترك، فهذا يقال فيه: منكر الحديث.

فالرواية عن المجاهيل والمتروكين إذا كثرت تؤدي إلى ترك الرواية عن الراوي، أو إلى ترك الاحتجاج بما ينفرد به، وأسوأ من ذلك التدليس على من يروي عنه من المجاهيل أو المتروكين: تدليس الإسناد أو التسوية أو الشيوخ، وقد ذكر ابن حبان من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها قوم ثقات كانوا يروون عن قوم كذّابين ويكنونهم حتى لا يعرفوا، فربما أشبه كنية كذاب كنية ثقة فيتوهم المتوهم أن راوي هذا الخبر ثقة، فيحيلون إليه، وليس ذلك الحديث من حديثه.

قال: ومن أعملهم لمثل هذا الثوري فإنه كان يحدث عن الكلبي ويقول: حدثنا أبو النضر، فيتوهم المستمع أنه أراد بأبي النضر سعيد بن أبي عروبة أو جرير بن حازم، ومثل الوليد بن مسلم إذا قال: حدثنا أبو عمرو، فيتوهم أنه أراد به الأوزاعي, وإنما أراد به عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وقد سمعا جميعًا من الزهري.

ما يتقوى من الروايات الضعيفة:

يتقوى حديث الراوي في السند أو حديث أكثر من راوٍ إذا كان موصوفًا بسوء حفظ أو اختلاط أو تدليس مع كونه من أهل الصدق والديانة بورود المتن بسند آخر أو أكثر يعضد الأول، بشرط ألا ينحط العاضد عن رتبة السند الأصلي، ويكون القبول للهيئة المجتمعة من مجموع الإسنادين أو الأسانيد، كما يحصل التواتر من هيئة المجموع في كل طبقة من طبقات التواتر، فالحكم على الطريق الأولى بالضعف لأجل الاحتمال المستوي الطرفين في المستور مثلًا هل ضبط أم لا؟ مع تغليب عدم الضبط احتياطًا، فإذا وردت الرواية الأخرى المقوية غلب على الظن أنه ضبط، وإن كان الضعف لكذب الراوي أو شذوذ في الرواية لمخالفتها رواية الأحفظ أو الأكثر، أو كان الضعف شديدًا يقتضي رد الرواية، فلا يجبر الضعف بأي مقوّ مهما كثرت الطرق.

ومثلوا لذلك بحديث: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثًا)) فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه، لكن بكثرة طرقه القاصرة عن درجة الاعتبار التي لا يجبر بعضها بعضًا يرتقي عن كونه مردودًا بكل طريق من طرقه، لا يجوز العمل به بأي طريق منها على انفراده إلى كونه بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في الفضائل، أي: الضعيف المروي بسند واحد يحتاج إلى متابع ليصل إلى مرتبة الحسن لغيره أو إلى القبول.

وتكون هذه الطرق بمنزلة الضعف الذي يجبر بالمتابعة بحيث لو وجد له طريق يصلح للاعتبار ارتفع به معها إلى مرتبة الحسن لغيره، ويشبه ذلك المرسل عند الشافعي، فهو مردود بذاته حتى يتبين الساقط من السند ويعرف حاله من الصحبة أو التوثيق، لكنه ينجبر عنده إذا أسند من وجه آخر أو أرسل من طريق تابعي أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول.

وأضاف ابن حجر إلى ذلك ما فيه انقطاع ونحوه، وذكر أمثلة لذلك، فمن رواية سيئ الحفظ ما رواه شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم أجاز زواج امرأة رضيت بنعلين صداقًا)) قال الترمذي: حديث حسن، وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حدرد وذكر غيره، قال: فعاصم بن عبيد الله أي: العمري ضعفه الجمهور، ووصفوه بسوء، الحفظ، وقد حسن الترمذي حديثه هذا لمجيئه من غير وجه، فالتحسين هنا بالشواهد للمتن، والأمثلة مذكورة عنده متتابعة لكل لون من ألوان الضعف الذي ينجبر.

قال ابن حجر، وذلك -أي: التعضيد والتقوية لرواية الضعيف الذي ينجبر بغيره من روايات الحديث- مصير منهم إلى أن الصورة الاجتماعية -أي: للروايات- لها تأثير في التقوية، قال: وهذا عند الترمذي، ولم أر من تعرّض لتحرير الحسن المتفق على أنه يحتج به كما يحتج بالصحيح -وإن كان دونه في المرتبة- هل يدخل فيه الحسن لغيره أو لا؟ يعني هل يحتج بالحسن لغيره -وإن كان دون الاحتجاج بالصحيح أو الحسن لذاته- أو لا؟

قال: والذي يظهر لي أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول -أي: الحسن لذاته- لا الثاني -أي: الحسن لغيره- وهو الضعيف الذي اعتضد بغيره، فما يطلق الترمذي عليه اسم الحسن من الضعيف والمنقطع إذا اعتضد لا يتجه عند ابن حجر إطلاق الاتفاق على الاحتجاج به جميعه، ولا دعوى القبول فيه إذا أتى من طرق يحصل بمجموعها كونه في مرتبة الصحيح، قال: وصرّح أبو الحسن القطان بأن هذا القسم لا يحتج به كله.

قال ابن حجر: وقد صرّح أبو الحسن القطان في كتابه: (الوهم والإيهام) بأن هذا القسم -أي: الضعيف المنجبر- لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عملٍ أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن.

قال ابن حجر: وهذا حسن قوي رائق ما أظن منصفًا يأباه، ورأى ابن حجر أن الذي ينجبر هو ما يستوي الاحتمال فيه في طرفي القبول والرد، وما يقوى جانب الرد فيه هو الذي لا ينجبر.

والضعف في الحديث يرجع إلى طعن في الراوي أو سقط في السند في أوله أو في آخره أو في أثنائه، فإذا انضم إلى واحد من السقط في السند وصف من أوصاف الطعن في الراوي -ككذب أو تهمة به أو فحش غلط أو ما إلى ذلك مع الاحتراز من التداخل- ظهرت أنواع كثيرة من الضعف، فإذا وجد ثلاثة أوصاف من ذلك ظهرت أقسام أخرى وهكذا، فما فيه صفة واحدة أخف مما فيه صفتان.

ونقل الزركشي عن الشيخ أبي الفتح اليعمري: أن الحق في المسألة -أي: جبر الضعيف- أن يقال: إما أن يكون الراوي المتابع مساويًا للأول في ضعفه أو منحطًّا عنه أو أعلى منه، فأما مع الانحطاط فلا تفيد المتابعة شيئًا -أي: إذا كان الأصل مردودًا- وأما مع المساواة -أي: في درجة الاحتياج إلى متابع- فقد تقوي، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعيف، بل الضعيف يتفاوت، فيكون الضعيف الفرد أضعف رتبة من الضعيف المتابع، ولا يتوجه الاحتجاج بواحد منهما، وإنما يظهر أثر ذلك في الترجيح.

وأما إن كان المتابع أقوى من الراوي الأول وأفادت متابعته ما دفع شبهة الضعف عن الطريق الأول، فلا مانع من القول بأنه يصير حسنًا، وتحديد ما يعتضد به مبني على تقدير حالة الضعف وقوة الاعتضاد، فقد يقوى ضعيف ضعفه يسير بما هو أدنى منه في الضعف باعتبار المجموع، وقد لا يقوى ضعيف ضعفه أشد بما هو أقوى منه في الصحة أو في القبول، والمدار على قوة المجموع بما يزيل أثر الضعف ويعطي قوة المقبول أو المحتج به باعتبار المجموع في الأحكام أو الفضائل وهو ما نراه، أي: نقدر درجة الضعف ونقدر ما تحتاج إليه إلى التقوية وننظر في المتابع فإن تحصل به ذلك -باعتبار المجموع- ارتفع عن الضعيف إلى الحسن لغيره, وإن لم يحصل به ذلك استمر الضعف وإن صار أدنى أو أقل مما كان قبل ذلك.

error: النص محمي !!