Top
Image Alt

(طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي

  /  (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي

(طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي

أما الكتاب الثاني فهو كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، المتوفى عام مائتين واثنين وثلاثين من الهجرة. والمؤلف هو أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي البصري، ولد بالبصرة عام مائة وتسعة وثلاثين، وعاش حياته كلها في بغداد.

نشأ أبو عبد الله في بيت علم؛ إذ كان أبوه راويةً أديبًا، وأخوه عبد الرحمن من رُواة الحديث، درس العلم وطلبه على عدد كبير من شيوخ عصره في اللغة والأدب، وعلى رأس هؤلاء الشيوخ: الأصمعي، ومعاوية بن عمرو بن العلاء، والمفضل الضبي، ويونس النحوي، وغيرهم من العلماء والأدباء الذين أفاد منهم، وطلب العلم على أيديهم حتى صار عالمًا أديبًا ناقدًا، راوية ثقة.

وكتابه هذا يعد أول كتاب ظهر في مجال النقد الأدبي، إذا استثنينا (فحولة الشعراء) التي تحدثنا عنها من قبل؛ لأنها رسالة قصيرة ولم تحتوِ تبويبًا ولا تفصيلًا كالذي نجده في كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام.

وهذا الكتاب ورد اسمه في كثير من الكتب التي ترجمت لابن سلام وذكرت الكتاب، فورد الكتاب باسم (طبقات الشعراء) اعتمادًا على الرواية التي وردت عن ابن النديم وياقوت الحموي، لكن الأستاذ محمود شاكر حقق هذا الكتاب وسماه (طبقات فحول الشعراء)، وليس (طبقات الشعراء)، وعلل لتسميته هذه، ووضح اقتناعه بهذه التسمية بالآتي:

يرى الأستاذ محمود شاكر أن العنوان المذكور في الكتب القديمة، وهو (طبقات الشعراء) لا يطابق موضوع الكتاب كل المطابقة؛ لأن صاحبه لم يذكر فيه كل الشعراء، بل اختار مجموعة منهم، فاسم (طبقات الشعراء) عنوان شامل فضفاض لا يُطابق ما جاء في الكتاب من طبقات لبعض الشعراء.

إذًا: (طبقات الشعراء) هذا فيه تعميم كأنه سيذكر الشعراء جميعًا، أما (طبقات فحول الشعراء) ففيه تخصيص، وهو ما وجده الأستاذ شاكر في الكتاب.

كما أن هناك إشارة واضحة وردت في ثنايا الكتاب، تفيد أن الكتاب اسمه (طبقات فحول الشعراء)؛ إذ يذكر الشيخ شاكر أن الرجل عندما قال في تقديمه لكتابه: “فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا” ففي هذا القول دلالة واضحة ومطابقة لما فعله، فهو يتحدث في كتابه عن الفحول وحدهم، ويخصهم بالذكر دون غيرهم.

وهناك أمر ثالث، وهو: أن اسم الكتاب (طبقات فحول الشعراء) بهذه الصيغة ورد ذكره في موضعين من كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني؛ في موضع وهو يترجم للشاعر المخبل السعدي، فيقول: “وذكره ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء”.

وفي موضع آخر في ترجمته للشاعر عبيد بن الأبرص يقول: “وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الجاهليين”، فالنص على الفحولة أو ذكر لفظ الفحول ورد في كتاب (الأغاني) كما هو واضح في هذين الموضعين، كما أن الأستاذ محمود شاكر وجد هذا الاسم نفسه (طبقات فحول الشعراء) مدونًا على النسخة الخطية التي وقعت تحت يده، وقام بتحقيقها؛ من هنا اطمأن الأستاذ شاكر إلى هذه التسمية واعتمدها، وأصبح الكتاب يُعرف بعد ذلك بـ(طبقات فحول الشعراء).

أما مضمون الكتاب فقد قسّم ابن سلام كتابه إلى قسمين؛ تحدث في القسم الأول عن مشاهير شعراء الجاهلية، وفي القسم الثاني عرض لمشاهير شعراء صدر الإسلام حتى عصر بني أمية، واختار من الجاهليين أربعين شاعرًا، واعتبرهم فحول المتقدمين في شعرهم، كما اختار من الإسلاميين أربعين أيضًا، ثم قام بتقسيم كل مجموعة منهم إلى عشر طبقات، وجعل في كل طبقة أربعة شعراء. أما الشعراء المخضرمون، وهم الذين عاشوا جزءًا من حياتهم في الجاهلية وجزءًا في الإسلام، فلم يعتبرهم ابن سلام مرحلة زمنية مستقلة، وإنما أدخل بعضهم في شعراء الجاهلية وبعضهم في شعراء الإسلام.

وكلمة الطبقات تعني الدرجات أو المنازل، فقد أنزل ابن سلام -إذًا- كل واحد من هؤلاء الشعراء في منزلته التي رأى أنه يستحقها، معتمدًا في ذلك على ما وجده من شعر لهذا الشاعر، وما قال فيه العلماء والنقاد.

وجمع ابن سلام من تشابه شعرهم وجعلهم في طبقة واحدة، وقام بترتيب الشعراء في الطبقة الواحدة حسب أهميتهم، وترجم لكل واحد منهم بذكر نسبه وذكر آراء العلماء فيه، ووازن شعره بشعر غيره.

وذكر ابن سلام طبقات أخرى غير طبقات الجاهليين والإسلاميين؛ إذ خصَّ بعض الطوائف من الشعراء بطبقات بعينها، ولم يدمجهم في طبقات الجاهليين العشر، ولا في طبقات الإسلاميين؛ إذ رأى أن هذه الطوائف لها صفات خاصة تجمع بين كل طائفة منها وتميزها عن سواها، وهذه الطبقات التي اختصَّها بالذكر غير الجاهليين والإسلاميين نظر ابن سلام في تصنيفها إلى الفن الشعري الذي شُهروا به، أو إلى البيئة التي جمعتهم ونشئوا فيها، أو إلى الديانة التي جمعت بعض الشعراء وميزتهم عن غيرهم، فصنع ثلاث طبقات أخرى: طبقة خاصة بأصحاب المراثي، وهي القصائد التي أجاد أصحابها في فنِّ الرثاء، وهذه طبقة من أربعة شعراء عُرفوا بهذا الفن وتفوَّقوا فيه، كما جعل طبقة لشعراء القرى العربية، وهذه الطبقة تضم ثلاثين شاعرًا تميزوا بنشأتهم الحضرية كشعراء مكة وشعراء المدينة، وشعراء الطائف، وشعراء البحرين، وجعل لشعراء اليهود في المدينة طبقة خاصة بهم؛ وبهذا يكون عدد الشعراء الذين ترجم لهم ابن سلام، ووضعهم في طبقاتهم مائة وأربعة عشر شاعرًا.

ويمتاز كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام بمقدمة عظيمة الفائدة؛ إذ ضمَّنها المؤلف أهم آرائه الأدبية والنقدية، ووضّح فيها ما يحتاج إليه الناقد من ثقافة وذوق وخبرة، كما عرض فيها لنشأة علوم العربية، وأولية الشعر، وتاريخه، وكيفية جمعه، وما حدث في روايته، وتحدث عن قضية الانتحال، وذكر ابن سلام الأسباب التي أدَّت إلى الانتحال في الشعر الجاهلي، والانتحال هو نسبة بعض الأشعار إلى غير قائليها، والذين جاءوا من بعده وتحدثوا عنه في قضية الانتحال أفادوا من رأيه، وبنوا عليه.

أما عن أهم القضايا النقدية التي أثارها الكتاب، فمنها: ثقافة الناقد، ويتحدث ابن سلام عن الشعر فيقول: “وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات؛ منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يُعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم، لا تعرف جودتهما بلون ولا مس، ولا طراز، ولا وسم، ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف بهرجها وزائفها وطرقها ومفرغها”.

ثم يتحدث عن الشعر فيقول: “وإن كثرة المدارسة لتُعدي على التعلم به، فكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به”.

ومن القضايا المهمة التي تضمنها كتاب (طبقات فحول الشعراء) قضية الانتحال، وقد سبق الإشارة إليها.

أما منهج ابن سلام في المفاضلة بين الشعراء، فقد اعتمد في تقسيم طبقاتهم وتوزيع الشعراء على هذه الطبقات على أمرين:

الأول: آراء الأقدمين ووجهات نظرهم، وبخاصة في شعراء الطبقة الأولى، وهم: امرؤ القيس، وزهير، والأعشى، والنابغة، ومن أهم هؤلاء الأقدمين الذين اعتمد ابن سلام على آرائهم أستاذه الأصمعي، فقد أفاد كثيرًا من أحكامه على الشعراء.

الأمر الثاني: هو نظرته وحكمه، وكثرة ما ورد للشعراء المفضلين عنده مع جودة هذه الكثرة.

وأما الأساس الذي اعتمد عليه ليجمع كل جماعة من الشعراء في طبقة واحدة، فهو التشابه بين هؤلاء الشعراء في المنهج الشعري، والسمات التي تميزهم عن غيرهم، أو اشتراكهم في بيئة خاصة، أو الديانة التي جمعت بينهم، أو إجادتهم في غرض مخصوص؛ كما فعل في طبقة شعراء المراثي، وطبقة شعراء المدن أو القرى، وطبقة الشعراء اليهود. وقد رتَّب بين هذه الطبقات بناءً على المفاضلة بينها، فكل طبقة تفضُل التي تليها، وهي أدنى من التي سبقتها.

وترجع قيمة هذا الكتاب إلى أنه كتاب رائد في مجال النقد الأدبي، وأنه تضمن أحكامًا مهمة، وهذه الأحكام فيها تفسير، وشرح، وتعليل. ولم يكن ابن سلام متعصبًا للقدماء، مفضلًا إياهم دون مبرر، فلم يكن فيه هذا التعصب للقدماء، وقد حاول أن يُخضع النقد الأدبي لأسس محددة، وأن يجعل له قواعد ثابتة بالتفسير، والشرح، والتعليل، والتبويب، والتنظيم؛ من هنا اكتسب هذا الكتاب أهميته.

error: النص محمي !!