Top
Image Alt

طرح سؤالٍ عمَّا لا يُعلم، ثم تصحيح الإجابة عنه

  /  طرح سؤالٍ عمَّا لا يُعلم، ثم تصحيح الإجابة عنه

طرح سؤالٍ عمَّا لا يُعلم، ثم تصحيح الإجابة عنه

كان النبي  يُبادر بالسؤال عما لا يعلم السامع؛ لينتبه لما يقول بعد ذلك من الإجابة على السؤال، وقد ارتبط ذلك بحقائق كونية وأسس عقدية تنبني على الإيمان بالغيب, والاعتراف بقصور البحث العلمي المنهجي العقلي عن الوصول إلى مثل هذه الحقائق، التي لا يتيسر الوصول إليها أو لا يمكن الحصول عليها باستعمال القواعد العقلية؛ فعن أبي ذر >: أن النبي e قال يومًا: ((أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة, ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئتِ، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها)) وهذا الحديث مرتبط بقول الله تعالى: {وَالشّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38] والعلم إلى الآن لا يعرف مسيرة الشمس وإلى أين تسير؟ وكيف ترجع في مسيرها ولا يتغير مطلعها؟ وكيف تمنع من ذلك فتطلع بعد ذلك من مغربها؟

لكن بعض الشراح كالطحاوي, وغيره من العلماء ظنوا أن الكلام عن غروب الشمس وشروقها، وأن الشمس هي التي تتحرك حول الأرض، بل قالوا: تصعد في السماء وتصل إلى العرش وتنزل في ليلة واحدة، أو في يوم واحد؛ وكل ذلك أساسه فهم الكلام النبوي على أساس ما عند الناس من معلومات في عصرهم, تقصر عن معرفة الحقيقة التي يتحدث عنها الرسول e وقد أثبت العلم الآن أن الشمس تسير في مسيرها، والأرض هي التي تدور حولها، فيكون الشروق والغروب، وهي حقيقة نبَّه إليها القرآن ونبهت إليها السنة قبل ذلك، وأعطاها الرسول e اهتمامًا في مثل هذا السؤال الذي لا تدرى له إجابة في عصره، ولا توجد له إجابة حتى الآن؛ إخبارًا عن أمر غيبي كشف العلم في هذه الأيام عن حقيقته؛ من حيث مسيرة الشمس، وبقي فهمُ باقي ما ورد في الخبر، ولعل الأيام القادمة تكشف عنه.

وقد يرتبط السؤال من الرسول e بحقيقة غيبية أو حكم شرعي؛ فعن أنس > قال: “بينَا رسول الله e ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: ((أنزلت علي آنفًا سورة)) فقرأ: {إِنّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}(1) {فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ}(2) {إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ} [الكوثر: 1- 3] ثم قال: ((أتدرون ما الكوثر؟)) فقلنا: الله ورسوله أعلم”. وكان من الممكن أن يجيب بالمعنى اللغوي كما يجيب بعض الناس الآن، ويظنون أن المعنى اللغوي هو المعنى الشرعي، لكن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يعلمون أن الرسول e إذا سأل يريد الحكم الشرعي والحقيقة الشرعية، ولا يريد المعنى اللغوي؛ لأنه معروف عند المعلم والمتعلم، وكانوا يقولون: الله ورسوله أعلم؛ ليعلَموا ما لم يتعلموه، ولا يهجموا بعقولهم أو فهمهم على الحقيقة الشرعية التي لم يعرفوها، فقال النبي e عن الكوثر: ((فإنه نهر وعدنيه ربي U، عليه خيرٌ كثيرٌ، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم)) وذكر ما يتصل بوصفه والتعريف به، وأيضًا قرأ الرسول e قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4].

ثم بيّن أن أخبارها أن تشهد على كل عامل بما عمل على ظهرها، وقال e: ((أتدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذكرك أخاك بما يكره))، فقيل له: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَهُ، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه)) فكان يعطي السؤال، فإذا لم يجب أجاب، وإن أجابوا بغير الحقيقة بيّن الحقيقة، وإن سألوا عن جانب من الجوانب أوضح هذه الجوانب، فعِلمه e كان فَيّاضًا وتعليمه كان متكاملًا، والمحدّث لا يتكلم عن حديث إلا وهو يدري ما يتصل به وما يدور حوله، ويستحضر الموضوع من جميع جوانبه، ولا يكتفي بجانب يتعصب له أو يقلد فيه.

وهناك جوانب أخرى يحتاج إليها الموضوع غير هذا الجانب للوصول إلى الحقيقة الحديثية التي وردت عن الرسول e, وهذا هو الأساس في تمييزهم بين الراوي وبين المحدث؛ فالمحدث يعرف العلل ويكتشف الجوانب ويحيط بكل ما يتصل بالحديث، فيتكلم عن علم، أما الراوي فيحفظ رواية يرويها، وقد لا يدري غيرها من الروايات، وتوجد الروايات أمامه فلا يستطيع التوفيق بينها أو التنسيق في عرضها، وكان الرسول e أيضًا يتحدث عن حقائق هي بيانٌ لشأن إلهي أو ذكر لحديث قدسي؛ فعن أنس > قال: كنت جالسًا مع رسول الله e في الحلقة ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد جلس وتشهد ثم دعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت, الحنان بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك. فقال e: ((أتدرون بما دعا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب, وإذا سُئل به أعطى)) فانتهز الرسول e وهو جالسٌ في الحلقة مع أصحابه ما صدر من الرجل، ثم سألهم, ثم بين لهم ما في دعائه من المزية ومن المنزلة.

وعن زيد بن خالد > أنه قال: خرجنا مع رسول الله e عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى لنا رسول الله e الصبح، ثم أقبل علينا، فقال: ((أتدرون ماذا قال ربكم؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: ((قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مُطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بي)) فانتهز الرسول e ما يعرض من الأحوال من الأشخاص أو حول الإنسان من الظواهر، وكان يسأل عما يراه الحاضرون؛ فإذا عرفوا أجابوا، فإذا قُبلت إجابتهم قبلها، وإن عجزوا عن ذلك بيّن لهم.

والعلم الذي يعطى بمناسبته وفي أوقاته يرتبط بهذه المناسبات والأوقات في الذاكرة، فإذا أوشك على الذهاب ذكرت به الحوادث، وإذا كان موجودًا ذكرت به الحوادث، وكل ذلك مما ينبغي أن يرتبط به المحدّث، فلا يأتي بالحديث مجردًا عن وقائعه أو عن أسبابه أو عما يرتبط به.

error: النص محمي !!