Top
Image Alt

طرق إثبات المقاصد الشرعية عند الدكتور يوسف العالم

  /  طرق إثبات المقاصد الشرعية عند الدكتور يوسف العالم

طرق إثبات المقاصد الشرعية عند الدكتور يوسف العالم

يقول الدكتور يوسف العالم في كتابه (المقاصد العامة للشريعة الإسلامية): “الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعار حزبه المفلحين وأتباعه العالمين, ولما كان التبليغ عنه من عين تبليغ ألفاظه وما جاء به وتبليغ معانيه, كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين: القسم الأول: حفاظ القرآن والحديث، الذين حفظوا على الأمة مصادر الدين, وجمعوا موارده من التغيير والتكدير إلى أن وصلت إلى الخلق صافية نقية من الأدناس. القسم الثاني: فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام, الذين خُصّوا باستنباط الأحكام, وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام, فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء, بهم يهتدي الحيران في الظلمات, وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب, وهم المجتهدون المبلغون لأحكام دين الله بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. والتبليغ يعتمد على العلم بما يبلِّغ والصدق فيه, وإلا لم يصح مرتبة التبليغ, وقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله: “ليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء حلّ أو حرم إلا من جهة العلم, وجهة العلم الخبر في الكتاب والسُّنة أو الإجماع والقياس”. ثم بيّن أن العلم بكتاب الله يتوقف على العلم باللغة العربية لفظًا ومعنًى ومعرفة الناسخ والمنسوخ, وما جاء في الكتاب مفروضًا وما جاء للأدب والإرشاد والإباحة, ثم المعرفة بالوضع الذي وضع الله فيه نبيّه؛ ليبيِّن للناس ما نزل إليهم من الأحكام, وما أراد الله بجميع فرائضه, وما افترضه على الناس من طاعته والانتهاء إلى أمره. ثم معرفة ما ضرب الله من الأمثال الدالة على طاعته المبينة لاجتناب معصيته, وترك الغفلة عن الحظ والازدياد من نوافل الخير. ودلالة النصوص نوعان: حقيقة وإضافية, فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته, وهذه الدلالة لا تختلف, والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه, ومعرفته بألفاظه ومراتبها, وهذه الدلالة تختلف بحسب تباين السامعين في ذلك, وهذا يفسر لنا سر تفاوت الصحابة رضي الله عنهم في فهم الكتاب والسُّنة, فبعضهم كان أحفظهم للحديث وأكثرهم رواية له, ومع ذلك أقل فقهًا ودراية ممن لم يكن لهم مثله في الحفظ والرواية. والمتكلم إما أن يصرح بمقصوده من الكلام، وإما أن يُعرفَ مقصوده من خلال عاداته وتصرفاته أو من قرائن الأحوال. 1. الطرق التي بها تُعرف مقاصد الشارع من التشريع: الطريق الأول: النصُّ الصريح المُعلل: معلوم أن الأمر من الشارع إنما يكون لاقتدائه الفعل, فوقوع الفعل عند وجود الأمر مقصود للشارع, وكذلك النهي معلوم أنه مقتضٍ لنفي الفعل أو الكفِّ عنه, فعدم وقوع الفعل مقصود للشارع, وإيقاعه مخالف لمقصوده, كما أن عدم إتباع المأمور به مخالف لمقصوده, فهذا ظاهر لما اعتبر مجرد الأمر والنهي من غير نظر إلى عِلة, لمن اعتبر العِلل والمصالح أيضًا, فإن كان مجرد الأمر والنهي يدل على قصد الشارع, فدلالتهما مع التعليل أولى وأظهر. والمتتبع لآيات التشريع في الكتاب الحكيم, وأحاديث الأحكام يجد معظمها مقرونا بالتعليل، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ} [الأنفال: 60]، فقد أمر الله فيها المؤمنين باتخاذ العدة للقتال؛ لإدخال الرعب في قلوب الكفار المحاربين, والمصلحة المقصودة من الجهاد، هي حماية دينه وإعلاء كلمته, وحماية ديار المسلمين وأموالهم وأعراضهم. وقوله تعالى: {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَىَ لَهُمْ} [النور: 30]، وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ} [الأحزاب: 53]، وقوله تعالى: {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىَ لَكُمْ} [النور: 28]، فعللت هذه النصوص، بما هو أطهر وأزكى لقلوب المؤمنين والمؤمنات من الذنوب, وأنمى للأعمال في الطاعة, وكيف لا يكون ذلك أطهر وهو سد لباب الفواحش, ومنافذ الفساد, وكل هذه مفاسد دفعها الله بشرعية تلك الآداب, فالمقصود بذلك حماية النسل والأعراض والأنفس. وغير ذلك من الآيات العديدة والتي جاءت على هذا المنوال, ومعظم آيات الأحكام وردت معللة تصريحًا أو إيماءً. أما السُّنة النبوية، فقد جاءت فيها الأحكام أيضًا مُعللة، ومثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم في زجر الأئمة المطولين في الصلاة: ((يا أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة))، فبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث بواعث التحقيق, وفيه إشارة إلى أن الدين مبني على اليسر, وأن الطاعة إذا أدت إلى ضياع المصالح، أو لحق الناس منها ضرر خرجت عن مقصود الشارع؛ لأن مثلها يجلب الملل والكسل والانقطاع عن الصلاة. أيضًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج, ومن لم يستطع فعليه بالصوم, فإنه له وجاء)) ففي هذا الحديث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الشخص القادر على تكاليف الحياة الزوجية بالتزوج, شارحًا له ما يترتب على ذلك من مصالح, مبينًا السبب في هذا وهو حفظ البصر والفرج, الذي أمر الله تعالى بحفظهما، و يأمر العاجز بعلاج آخر وهو الصوم؛ ليكسر به شهوته إلى أن يجد نكاحًا. الطريق الثاني: عادات الشرع وتصرفاته: جاء في (قواعد الأحكام) للعز بن عبد السلام -رحمه الله: “من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه لا يجوز قربانها, وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص, فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك”. فإذا كان فهم الشريعة يخلق الملكة القوية في معرفة المصالح والمفاسد المقصودة للشارع, فإن ذلك لا يتم إلا باستقراء تصرفات الشارع، وباستقراء الجزئيات يمكننا أن نصل إلى مقصد كلي للشارع الحكيم. الطريق الثالث: الاهتداء بالصحابة رضي الله عنهم في فهم التشريع: الاهتداء بالصحابة رضي الله عنهم والاقتداء بهم في فهم الأحكام من الكتاب والسُّنة, وتطبيقها على الوقائع, وذلك بما توفَّر فيهم من صدق الإيمان وفصاحة اللسان, وأصول البيان ومعاصرتهم أيضًا لنزول القرآن، ومشاهدتهم لمن كُلف ببيان القرآن صلى الله عليه وسلم بأفعاله وأقواله وتقريراته، مع ما امتازوا به من دواعي الحفظ والوعي, وصفاء السريرة والسيرة, وفطانة الذهن وطهارة القلب، والانقياد والإخلاص لدين الله وشريعته, وطاعة رسوله, فهم هداة الأمة وقادة المجتهدين، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))، ويقول أيضًا: ((خير الناس قرني)). فقد جمع الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين فصاحة اللسان وبلاغة القول وصفاء الذهن؛ فهم لذلك أجدر الناس بفهم القرآن والسُّنة لفظًا ومعنًى ومقصدًا قولًا وفعلًا وتقريرًا, وكان منهم من نزل القرآن موافقًا لرأيه كما حدث ذلك مع سيدنا عمر رضي الله عنه؛ حيث قال: “وافقت ربي في ثلاث”. وكان منهم من يجتهد رأيه فيقرّه الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، أو يجد حديثًا موافقًا لرأيه وفتواه، وذلك مثل ما رواه النسائي وغيره من أن ابن مسعود رضي الله عنه سُئل عن امرأة مات عنها زوجها، ولم يفرض لها -أي: لم يعين لها المهر- فقال: لم أَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك, فاختلفوا عليه شهرًا وألحوا, فاجتهد برأيه وقضى بأن لها مهر مثيلاتها لا وكس ولا شطط, وعليها العدَّة ولها الميراث, فقام معقل بن يسار وقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في امرأة منهم, ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام.

error: النص محمي !!