Top
Image Alt

طرق اختيار الخليفة أو الإمام

  /  طرق اختيار الخليفة أو الإمام

طرق اختيار الخليفة أو الإمام

الإمامة ضربان: اختيارية وقهرية، وتنعقد الإمامة الاختيارية بطريقتين والقهرية بطريقة ثالثة، فنحن إذًا أمام طرق ثلاث لانعقاد الإمامة.

الطريقة الأولى في الإمامة الاختيارية: بيعة أهل الحل والعقد:

وهي تنعقد, أو تتم بواسطة طائفتين:

الطائفة الأولى: أهل الاختيار وهم أهل الحل والعقد من الأمراء والعلماء ورؤساء الناس ووجوههم، ويشترط فيهم شروط ثلاثة:

الأول: العدالة.

الثاني: العلم الذي يتوصلون به إلى معرفة من يستحق الإمامة, على الشروط المعتبرة فيها.

الثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقْوَم وأعرف.

الطائفة الثانية: أهل الإمامة، وقد سبقت الشروط المعتبرة فيهم.

فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار, تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها, فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلًا وأكملهم شروطًا، ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون في بيعته، مع مراعاة أحوال الزمان وملابساته؛ فيقدمون الأعلم عند ظهور البدع وقلة العلم وسكون الفتن ووفرة الأمن، ويقدمون الأشجع عند ظهور العدو وأهل الفساد والبغاة، فإن تعين لهم من بين أهل الإمامة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت بيعتهم له بالإمامة؛ فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد في طاعته.

وهكذا تمت بيعة شيخ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حيث بايعه كبار الصحابة في سقيفة بني ساعدة كما في (الصحيحين), حيث قال عمر: “ابسط يدك يا أبا بكر”، فبسط يده فبايعه عمر, وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، وقد كانت هذه البيعة قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم.

الطريقة الثانية في الإمامة الاختيارية: الاستخلاف:

إن استخلاف الإمام القائم وعهده بالإمامة إلى من بعده هو شكل آخر من أشكال البيعة في الإسلام، وهو مما انعقد إجماع الأمة على جوازه ووقع الاتفاق على صحته، وقد عهد الصديق إلى عمر وعهد بها عمر إلى أهل الشورى الستة، وهم: عثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، ومعهم عبد الله بن عمر؛ ليرجح إحدى الكفتين إذا تساوت كفتان في الاختيار, ولذلك اجتمعوا بعد ذلك واختاروا عثمان رضي الله عنه, فكان عثمان ثالث الخلفاء الراشدين، ولم ينكر ذلك أيضًا الصحابة على عمر في هذا الاستخلاف.

وإذا أراد الإمام أن يعهد بها؛ فعليه أن يجتهد رأيه في الأحق بها والأقوم لشروطها، وحاصله -كما يقول النووي- أن علماء المسلمين أجمعوا أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت، فقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا وإلا فقد اقتدى بأبي بكر، وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة.

ويرى ابن حزم أن هذه هي الطريقة المثلى من وجهة نظره في تولية الإمامة، فهو يقول: “عقد الإمامة يصح بوجوه؛ أولها وأفضلها وأصحها: أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره إمامًا بعد موته، وسواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه أو عند موته؛ إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر، وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز.

وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره؛ لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة وانتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى، ومن انتشار الأمر وارتفاع النفوس وحدوث الأطماع، وإنما أنكر من أنكر من الصحابة }ومن التابعين بيعة يزيد بن معاوية والوليد وسليمان؛ لأنهم كانوا غير مرضيين, لا لأن الإمام عهد إليهم في حياته”.

وكأننا بابن حزم يضع نصب عينيه مصلحة الأمة في عدم انقسامها شيعًا وأحزابًا حول هذا الإمام أو الأمير؛ فتختلف الأمة وينفرط عقدها وتجمعها، وعلى كل حال فإن هذا الذي قاله أبو محمد بن حزم, أشار إليه من قبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأمر من بعده, فقال: “اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم, وخفتُ عليهم الفتنة”، وأشار إليه كذلك أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر { إذ يقول: “دخلت على حفصة فقالت: أعلمتَ أن أباك غير مستخلِف؟ قال: قلت: ما كان ليفعل, قالت: إنه لفاعل قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك, فسكت حتى غدوت ولم أكلمه، فكنت كأنما أحمل بيميني جبلًا حتى أكلمه، فدخلت عليه فسألني عن حال الناس وأنا أخبره, ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك؛ زعموا أنك غير مستخلف وإنه لو كان راعي إبل أو راعي غنم, ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد. فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال: إن الله عز وجل يحفظ دينه وإني إن لا أستخلف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر, فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا, وأنه غير مستخلف”.

المهم أنه إذا استقرت الخلافة لمن تقلدها -إما بعهد أو اختيار- لزم كافة الأمة أن يعرفوا إفضاء الخلافة إلى مستحقيها، وعليهم تفويض الأمور العامة إليه من غير افتيات عليه؛ ليقوم بما وكل من وجوه المصالح وتدبير الأعمال, فإن المعتبر في ذلك كله هو وقوع البيعة له من أهل الحل والعقد، فإنها هي الأمر الذي يجب بعده الطاعة وتثبت به الولاية وتحرم معه المخالفة، وقد قامت على ذلك الأدلة وثبتت به الحجة.

الطريقة الثالثة: الطريقة القهرية:

وهي: قهر صاحب الشوكة -أي: بالغلبة أو القوة- فإذا خلا الوقت عن إمام, فتصدى للإمامة من هو من أهلها وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف -انعقدت بيعته ولزمت طاعته؛ لينتظم شمل المسلمين وتجتمع كلمتهم، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلًا أو فاسقًا على الأصح لما قدمناه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم، وهذا الذي قاله ابن جماعة هو الذي اتجه إليه جماهير أهل العلم, بل انعقد عليه الإجماع.

وقد أسس هذا الإجماع -إن صحت دعوى الإجماع- على مبدأ ارتكاب أخف الضررين؛ إذ عند الموازنة بين الضرر الناشئ عن وصول الحاكم إلى منصب الخلافة بطريق التغلب، والضرر الناشئ عن مقاومته والخروج عليه من انقسام الجماعة، وحدوث الفتن وانشغال المسلمين بحروب بعضهم البعض، وإراقة الدماء وإضاعة الجهود والأموال -يظهر واضحًا أن الأضرار الناتجة عن الاحتمال الثاني أشد جسامة، وأكثر خطورة من الأضرار الناجمة عن الاحتمال الأول.

ونخلص من هذا إلى تلك القاعدة المهمة: من غلب فتولى الحكم, واستتب الأمر له فهو إمام تجب بيعته وطاعته وتحرم منازعته ومعصيته, وإن لم يستجمع الشروط.

قال الإمام أحمد: “ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين؛ فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا, برًّا كان أو فاجرًا”. وقال الإمام الشافعي: “كل من غلب على الإمامة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه؛ فهو خليفة”. وقال ابن حجر رحمه الله: “وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء”. والخلاصة: أن أهل العلم متفقون على طاعة من تغلّب عليهم في المعروف، ويرون نفوذ أحكامه وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليه بالسيف وتفريق الأمة -وإن كان الأئمة فسقة- ما لم يروا كفرًا بواحًا، والنصوص في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم وأمثالهم ونظائرهم.

error: النص محمي !!