Top
Image Alt

طرق الاستفادة من الأدب المقارن في الأدب القومي

  /  طرق الاستفادة من الأدب المقارن في الأدب القومي

طرق الاستفادة من الأدب المقارن في الأدب القومي

وللأدب المقارن أهداف متوخاة تتلخص في أن يتم التلاقح بين الآداب القومية المختلفة بعضها وبعض، وبغير هذا التلاقح قد يأسن الإبداع الأدبي، ويظل يدور في حلقة مفرغة، وقد ينتهي به الأمر إلى أن يأكل نفسه كالرحى حين لا يكون هناك ما تطحنه؛ فلا يكون إمامها إلا أن يحتك شقاها ويتحاتّا ويَظلّا يحتكان ويتحاتان، ثم ينتهي بهم المطاف إلى أن تتفتت الرحى وتنتهي.

أما الاحتكاك بالآداب الأخرى؛ فمن شأنه أن يضخ دماء جديدة في الآداب القومية، تدب فيها الحيوية من خلالها؛ فتتوثب وتضج فيها الحياة القوية العارمة.

والواقع أن ميدان الأدب المقارن يشمل كل ما يتعلق بالأدب العام والقومي، ولكن من حيث علاقته بغيره من الآداب؛ والإفادة التي يمكنه أن يفيدها من هذه العلاقة، فمثلًا هناك الأجناس الأدبية، التي لم نكن نعرف منها في أدبنا القومي قبل العصر الحديث جنس المسرحية، ولا جنس الملحمة، ولكن بعد اتصالنا بالغرب أصبح عندنا مسرح شعري ونثري، ولمعت أسماء: “شوقي” و”عزيز أباظة” و”عبد الرحمن الشرقاوي” و”صلاح عبد الصبور” و”فاروق جويدة” و”توفيق الحكيم” و”علي أحمد با كثير” و”سعد الله ونوس” و”ممدوح عدوان”.

وحاول عددٌ من كبار شعرائنا كتابة الملحمة؛ فاقتربوا بإبداعهم منها كالعقاد في “ملحمة شيطان” وأحمد محرم في “الإلياذة الإسلامية” وفوزي المعلوف في “وادي عبقر” وهكذا ورغم أن عندنا بعض قصص تتعلق بالأمثال بعض أبطالها من الحيوان؛ فإنّ قصصَ الحيوان كجنس أدبي مستقل، يُبدع فيه الأدباء عن قصد وعناية، لم يكن معروفًا عند العرب بل أخذوه عن غيرهم، حين كتب عبد الله بن المقفع كتابه (كليل ودمنة) ذا الأصل الهندي الذي انتقل للعربية عبر الفارسية لغة ابن المقفع القومية.

وفي الاتجاه المضاد كان عندنا في الشعر العربي الوزن والقافية المنضبطان تمام الانضباط، واللذان اقتبسهما الشعر الفارسي بعد الإسلام؛ وأصبحا جزءًا لا يتجزأ من الإبداع الشعري الفارسي كما هو معروف، كذلك كان عندنا جنس المقامة، وهو جنس كان ينقص الآداب الأخرى كالأدب الفارسي الذي حاول أحد كتابه وهو القاضي حميد الدين أن يستزرعه في الأدب الفارسي، فكتب عدد من المقامات الجيدة إلا أنه رغم هذا لم يستطع أن يلهم غيره متابعة الطريق؛ فتوقف الأمر عنده مثلما بدأ به.

كذلك تأثر الشعر الأوربي متمثلًا في شعراء “التروبادور” بفن الموشحات موضوعًا وشكلًا، على ما مر بيانه في الدروس الحالية، وإن يمكن أن يفيده الأدب القومي من الأدب المقارن أيضًا استلهامًا للمواقف والنماذج البشرية، التي قد تكون غائبة عنه أو تكون فيه؛ لكنها في الآداب الأخرى تمثل ألوانًا مختلفة عما يعرفه، ومن تلك النماذج أنموذج البخيل أو أنموذج البغي التي كانت في انحرافها ضحية للمجتمع وأوضاعه الظالمة.

ومن هذه النماذج أيضًا أنموذج البطل الأسطوري الإغريقي “بريمثيوس” رمز العناء البشري الذي لا ينتهي، والذي كلما ظن أنه قاب قوسين أو أدنى من التخلص منه عاد فتجدد ليقاسيه صاحبه من البداية، وكأنه لم ينل كفايته وما فوق كفايته من العناء والمقاساة.

وهناك كذلك نموذج “يوسف” و”زليخة” والأخيرة رمز الشهوة والإغراء من جهة، والأول رمز العفة والتماسك والصبر على ما يترتب على تلك العفة وهذا التماسك من تنكيل شديد.

ونموذج “شهرزاد” رمز الذكاء الأنثوي، ورباطة الجأش، والتحايل للخروج من المأزق الماثل العتيد دون أن تخسر المرأة شيئًا، بل تكسب كل شيء، وتنتصر على الشر والخطر الجائح، ونموذج ليلى والمجنون رمز الحب المحروم والعذاب الذي يصطليه المحب، ولا يُفرط رغم ذلك في محبوبه، بل يجد السعادة في هذا الحرمان وذلك العذاب.

ومن ميادين الأدب المقارن التي يمكن استفادة الأدب القومي منها: المذاهب الأدبية؛ كالكلاسيكية، والرومانسية، والواقعية والبرناسية، والرمزية. التي هي قد يكون لها أو لبعضها بذور في آدابنا، لكنها لم تتبلور في ذلك الأدب، وقد دخلت تلك المذاهب أدبنا العربي في عصرنا الحديث بعد اتصالنا بالغرب، ووجداننا فيه تلك المذاهب التي لم يكن لنا بها عهد على النحو الذي وجدناه عليه في الآداب الأوربية، وأكسبت أدبنا طعومًا ومذاقات جديدة في مجالات الشعر والقصة والمسرحية.

ويدرس الأدب المقارن كذلك ضمن ما يدرس: صورة الأمم والبلاد الأخرى في عيون زوارها، والذين قرءوا عنها، وكونوا صورة من خلال القراءة لا من خلال الزيارة مباشرة.

ولا شك أنّ لكل أمة أو بلد صورة معينة في أذهان كل شعب من الشعوب في عصر معين، وهذه الصورة عادة ما تتغير تبعًا لتغير هذا العامل أو ذاك، ولقد كان المصريون والعرب بوجه عام؛ ينظرون إلى أمريكا حتى وقت قريب، على أنها بلاد الحُرّية والصّداقة والرّفاهية والانفتاح على شعوب الأرض كلها في حب ومودة، أما الآن فقد تغيرت الصورة بعدما بلى العرب والمسلمون منها القسوة والغطرسة وانجلى ما كان ساستها يكنونه لنا من بغض ومؤامرات، كانت خافية عما قبل؛ أما الآن فقد افتضحت وصارت مكشوفة للعيان، دون أدنى تذويق وهذا مجرد مثال.

ويُمكن أن يكون الأدب المقارن معولًا على توسيع الأفق؛ إذ يرينا كيف أن الأذواق والأوضاع والقيم الأدبية، تختلف من أدب لآخر ومن أمة إلى أخرى، رغم أن هناك أشياء مشتركة كثيرة أيضًا، وهذا الاختلاف دليل على ثراء الحياة، وعلى غنى القدرة الإلهية المبدعة التي لا تنفد ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وفي القرآن الكريم آية تقول: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119].

وهذه الآية وإن كانت تتعلق بالأديان واختلافها، واختلاف الناس بشأنها من ثم من الممكن الاستشهاد بها هنا؛ فالاختلاف بين البشر لا يقتصر على الأديان، بل يشمل كل شيء يتعلق بهم أنه سنة بشرية، مثلما التشابه في بعض الجوانب سُنّة بشرية أخرى.

ولا شك أن اطلاعنا على ما عند غيرنا، وتحققنا من أنه يختلف كثيرًا أو قليلًا عما عندنا؛ جدير أن يعمق فهمنا للحياة والأحياء، ويوسع مداركنا، ويجعلنا نتقبل الآخرين، ونتفهم حقيقة اختلافهم عنا؛ فنكون أرحب صدرًا، وأقدر على التسامح مع تمسكنا بما لدينا في ذات الوقت وإلا تحول الأدب المقارن نقمة وأذى، إذا كانت ثمرته تمييع مواقفنا والانتهاء بنا إلى العجز عن اتخاذ موقفًا ثابتًا نابعًا من إيمان حقيقي بفائدة ما في أيدينا وصحته وأحقيته.

لنأخذ على سبيل المثال ما كتبه رفاعة الطهطاوي أبو المقارنين العرب في العصر الحديث، في موضوع المقارنة بين الأدبين العربي والفرنسي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) الذي كتبه وهو في فرنسا في النصف الأخير من ثاني عقود القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي أنشئ فيه أول كرسي للأدب المقارن في فرنسا، إذ عُيّن “أبل فرونسوا زيما” أستاذًا لهذا التخصص من جامعة “السربون” سنة ألف وتسعمائة وثمان وعشرون ميلادية، ولم يكن قد مر على وصول رفاعة إلى باريس إلا عامان.

وكتاب رفاعة كتاب عجيب لا يمكن تجاهله أبدًا، إذا ما أردنا الكلام عن بدايات عصر النهضة بمصر، إذ يبدُو وكأنه يحتوي على كل شيء يتعلق بذلك العصر، المُهِمّ أن كاتبنا قد خصص بضع صفحات من ذلك الكتاب، على درجة عالية في القيمة، في المقارنة بين اللغتين الفرنسية والعربية وبين أدبيهما؛ ففي عدة مواضع من ذلك الكتاب نرى رفاعة يعقد مقارنة بين لغتنا ولغة الفرنسيس، وبلاغتنا وبلاغة الفرنسية؛ فيقول مثلًا: “إن لكل لغة قواعد خاصة، لتنظيم استعمالها والتفاهم بها وأنه إذا كانت أقسام الكلمة في لساننا ثلاثة، هي: “الاسم، والفعل، والحرف” فإنها في الفرنسية هذه الثلاثة المذكورة مضافًا إليها: “الضمير، وحرف التعريف، والنعت، واسم الفاعل، واسم المفعول، والظرف، وحروف الجر، وحروف الربط، وحروف النداء، والتعجب ونحوه.

وإن الكلمة قد تكون حرف جر في موضع، وظرفًا هي نفسها في موضع آخر، لأنها إذا جاء بعدها اسم كانت حرفًا، بخلاف ما لو استقلت بنفسها؛ فإنها تكون عندئذٍ ظرفًا، وذلك كقولنا: جئت قبل زيد أو بعده. وجئت قبلًا أو بعدًا إلى آخره وهذا للتقريب فقط”.

ومما قارن به رفاعة بين اللسانين والبلاغتين أيضًا؛ قوله: إنهم في فرنسا لا يعرفون نظم العلوم كما هو الحال عندنا في الألفية مثلًا، وهذا راجع إلى اتساع العربية وضيق المجال في لغة الفرنسيين.

وبالمثل تكلم عن الفرق بين العروض العربي ونظيره الفرنسي، قائلًا: إنّ لكل لغة عروضها الخاص بها، وإنّ النّثر الفرنسي لا يعرف التقفية، أي: أنهم يلجئون إلى السجع بخلاف الحال عندنا، حيث يستخدم السجع في الرسائل والخطب والتاريخ، وما إلى ذلك حسبما يقول.

كما أنّ المؤلفين الفرنسيين يهتمون بالتدقيق في ألفاظهم وعباراتهم، ويعملون على أن يجيء ما يكتبونه واضحًا، لا يحوج إلى معاناة في الفهم والتعلم، ولا إلى ما كان يسمى عندنا بفك الألفاظ، ومن ثم فليس للكتب الفرنسية شروح ولا حواش اللهم إلا إذا استلزم الأمر بعض التعليقات السريعة، لمزيد من الضبط والإتقان.

وبالمناسبة لم يقصد رفاعة بالملاحظة الأخيرة أن هذا عيب ملازم للغة العربية، كما يفهم من كلام الدكتور جابر عصفور في قوله عن شيخنا الطهطاوي: “يبدو أن هذا الحرص على إيقاظ النيام، والذي دفعه إلى الاهتمام باللغة الفرنسية؛ من حيثُ قُدراتُها الآدائيةُ التي لا يُتلاعب فيها بالعبارات، ولا بالمحسنات البديعية اللفظية. وكذا غالب المحسنات البديعية المعنوية، وربما عد ما يكون للمحسنات العربية ركاكة عند الفرنسيين كما يقول.

ويتصل بذلك ما ينتهي إليه من أن سهولة اللغة الفرنسية تعينهم على التقدم، حيث أنه لا التباس فيها أصلًا؛ فالألفاظ مبينة بنفسها، والقارئ لكتاباتها لا يحتاج إلى تطبيق ألفاظه على قواعد أخرى، بل رامية من آن لآخر. وذلك بخلاف اللغة العربية مثلًا؛ فإنّ الإنسان الذي يطالع كتابًا من كتبها في علم من العلوم، يحتاج أن يطبقه على سائر آلات اللغة، ويدقق في الألفاظ ما أمكن، ويحمل العبارة معاني بعيدة عن ظاهرها.

وأما كتب فرنسيس فلا شيء من ذلك فيها؛ فليس بكتبها شراح ولا حواش، فإذا شرع الإنسان في مطالعة كتاب في أي علم كان، تفرغ لفهم مسائل ذلك العلم وقواعده من غير محاكة الألفاظ”. هذا ما قاله جابر عصفور.

ذلك أنّ رفاعة إنما قصد طريقة التأليف على عهده، وفي الكتب التي كانت تدرس بالأزهر لا غير؛ وهي كتب كزة يُدل أصحابها بالإيجاز المرهق والغموض، واحتمال كلامهم فيه أوجه عدة لا معنى واحدًا، كما جرت العادة أن يقوم الشارحون بتفصيل الموجز، وتوضيح المشكل، والتعليق على كل صغيرة وكبيرة في الكلام وإعرابه.

ولم يقصد رفاعة اللغة العربية في ذاتها بأي حال، وإلّا فقد كان القدماء العرب يكتبونَ فيفهم عنه قراؤهم دون حاجة إلى شرح أو حاشية، كما أننا الآن نقرأ ما يكتب في عصرنا دون أن ننتظر شيء من هذا كي نفهمه، فضلًا عن أن كتب رفاعة كانت ولا تزال مفهومة من تلقاء نفسها، لوضوحها وجريها على سنن المؤلفين القدماء الواضح القويم.

وكيف يقصد الطهطاوي ما فهمه الدكتور جابر، أو ما أراد الدكتور جابر أن نفهمه ولسان الضاد إنما هو لسان البيان والجمال والدقة، كما افتخر رفاعة بلغة القرآن الكريم في كتابه مرارًا، وعَدّ هذه المحسنات من مزاياها التي لا تشاركها فيها لغة “فولتير”.

وعلى نفس المنوال يَمضي رفاعة مقارنًا بين البلاغة لدينا والبلاغة لدى الفرنسيين؛ فيقول: “إن هذا الفن موجود في كل اللغات، ومنها الفرنسية بطبيعة الحال، بيد أنه في لغتنا أكمل منه في لغة الفرنسيين، كما أن علم البديع يوشك أن يكون خاصًّا بالعربية”.

ويضيف الطهطاوي قائلًا: إن من الصور البانية ما تستحسنه الأذواق في كل اللغات، ومنها ما يستحسنه البعض منها دون بعض، مثال ذلك: تشبيهنا الرجل الشجاع بالأسد؛ فهو تشبيهٌ مقبول ومستحسن من الجميع، بخلاف كلام الشعراء العرب عن ريق الحبيبة، إذ لا يفهمه الرجل الفرنسي ويعجز عن تذوقه قائلًا: إنه بصاق والبصاق يبعث على النفور لا التلذذ.

وقبل ذلك رأيناه يعرض في شيء من التفصيل للغة الفرنسية؛ فيتكلم عن تصريف أفعالها، وتاريخها، وأصولها. وبخاصة الأصل اليوناني الذي يكاد يستغرق فيها مصطلحات العلوم كلها، ثم يعرج على البديع قائلًا: إنه غير مستعمل ولا مستحسن عندهم؛ اللهم إلا التورية في كتاباتهم الهزلية فحسب، بخلاف الجناس فهو غير مقبول لديهم البتة، ومجرد ترجمة ما هو موجود منه في لغتنا تذهب ظرافته في الحال.

ومع هذا؛ فإنه يؤكد أن العربية أصعب اللغات، كما يقر بقوة أن من كان عالمًا بقواعد لغته متبحرًا فيها، يكون عالمًا بالقواعد في جميع اللغات بالقوة على الأقل، وهي لفتة عقلية عجيبة سبق بها زمنه؛ إذ ليس لكلامه هذا من معنى سوى أن هناك قواعد نحوية عالمية، تتمثل في الخطوط العامة لقواعد اللغات المختلفة، وهو ما يقول به علم اللغة الحديث.

كما أشار ضمن ما أشار إلى كتاب في نحو اللغة العربية وصرفها، وضعه أحد المستشرقين الذين عرفهم في باريس، يختلف في ترتيبه عن كتب النحو والصرف عندنا، والسبب في هذا -هو حسبما لاحظت- أنهم يضعون الطالب الفرنسي في اعتبارهم حين يؤلفون مثل تلك الكتب؛ فيتوسعون في بعض ما نراه نحن واضحًا بذاته، لتشربنا كثيرًا من أواضع لغتنا تلقينا منذ الصغر، على عكس الدارس الفرنسي مثلًا الذي نشأ على أوضاع معينة في لغته، فلا يفهم ما يخالفها في اللغة العربية وأمثالها بسهولة، كما أنهم يراعون الذهنية الفرنسية والأوربية عمومًا في تبويب مادة النحو والصرف؛ حتى تكون متسقة مع ما يعرفون عن نظام القواعد في لغتهم فلذلك كان لا بد عند تأليف كتاب النحو العربي عند طلابهم من مراعاة هذا الاعتبار.

وبالنِّسبة للشِّعر الفرنسي يقول رفاعة: إنه يجري على عادة الجاهلية اليونانية، التي تعرف لكل معنى من المعاني، ولكل شعور من المشاعر إله خاصًّا؛ فتراهم يقولون: إله الجمال وإله العشق… إلخ. وهذا كفر كما صرح، وإن أضاف أنهم لا يعتقدون في شيء من هذا بل هو مجرد تمثيل، وهو يحكم على الأشعار الفرنسية، بأن الكثير منها لا بأس به ولا ريب أن هذا حكم جريء يستغربه الأديب العربي الحالي، الذي قد يرى أن الآداب الأوربية أرقى من الأدب العربي، أما رفاعة فرغم إعجابه بجوانب كثيرة من مدنية الفرنسيين كان يرى أننا متفوقون عليهم في أمور الدين والاعتقاد، وكذلك في ميدان الشعر والبلاغة.

ومِن الطّريف قَولُه عن ترجمته لإحدى القصائد من الفرنسية إلى العربية: “أخرجتها من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام” ثم تعقيبه على جهوده في ذلك بقوله: “إن الترجمة تذهب بحسن الأصل الأدبي في أية لغة” يستوي في ذلك أن تكون القصيدة منقولة من الفرنسية للغتنا أو العكس.

وبالنّسبة للنُّقطة الأخِيرة وما تستدعيه للذهن من قوة الثقة بالذات الحضارية، التي تكمن وراءها أود أن استشهد هنا بالسطور التالية من مقال للدكتور حسام الخطيب، بعنوان “الأدب المقارن في عصر العولمة تساؤلات باتجاه المستقبل”.

وهذه السطور تضرب من المسألة التي نحن بصددها في الصميم، وتساعدنا على أن نرى كيف كان رفاعة رغم التخلف الشديد الذي كان يشل حركة الحياة إلى حد بعيد في مصر، وسائر بلاد العالم الإسلامي أوانئذٍ بعيد النظر واسع الأفق، راسخ الثقة بماضيه الحضاري والثقافي، ولم يكن كأولئك المثقفين العرب المنبهرين بكل ما هو غربي، بل المتطوعين بالقيام بدور كاسحة الألغام التي تزيح من أمام الهجوم البربري الغربي والأمريكي منه بالذات؛ قوى المقاومة والتصدي لمخططاته الشيطانية في كل المجالات، وأولها مجال الفكر والثقافة والذوق.

يقول الدكتور الخطيب: عَلى أنّه ينبغي الاعتراف بأنّ الذي تغير اليوم هو الوعي العالمي العام، بأنّ النُّموذج الغربي متفوق حقًّا في مختلف مجالات الثقافة والعلم والإنتاج، وقوة المادية، والاتصال وغزو الفضاء، ولكن له مشكلاته ونقائصه وتناقضاته، ولا سيما بين المثل الأعلى المعلن، والمثل غير الأعلى للهيمنة والسيطرة والاستلاب. ولذلك ينبغي أن يكون الموقف منه حذرًا وانتقائيًّا، وغير مبني على الانبهار والتسليم الأعمى.

كما أنّ هُناك شيئًا آخر مهمًّا، قد تغير في مجال المقارنة مع المركزية الأوربية، وهو الاعتراف الضمني أو الصريح بعظمة حضارات العالم القديم في أفريقيا وآسيا، والتسليم بما قدمته هذه الحضارات ومنها الحضارة العربية الإسلامية، من إسهام مباشر أو غير مباشر في مسيرة الحضارة الإنسانية.

وهُنا أيضًا يقتضينا الإنصاف والإشارة إلى عددًا لا يستهان به من مثقفي الغرب، وعلمائه وأدبائه، أسهموا في دعم هذه الفكرة ونشرها، وإلى جانبها فكرة أصالة الإنتاج الفني والأدبي الراهن، في بلدان العالم القديم أو بلدان الجنوب، وضرورة وضعه في مواجهة لائحة التثقيف اليومي للأجيال من جهة، والاستعانة به من جهة أخرى؛ لترسيخ النزعة الإنسانية والفطرية لدى جمهرة المتلقين في العالم، ومثال ذلك: “رسالة منظمة اليونسكو” ولا سيما في مجال إحياء الثقافات المستضعفة وإعادة بناء قائمة الروائع الأدبية العالمية، بحيث تشمل منجزات العالم القديم العالم الثالث. وكل هذه المتغيرات تصب في صالح المقارنة، لتجعل منها رافدًا فعالًا من روافد الصبوة العريقة، للاتجاه نحو بناء حضارة إنسانية منسجمة مع ذاتها، وغير قائمة على التناقضات والتمييز بين الأنا والآخر.

error: النص محمي !!