Top
Image Alt

طرق المحافظة على الأموال بدفع المظالم والمحافظة على الحاجيات والتحسينيات

  /  طرق المحافظة على الأموال بدفع المظالم والمحافظة على الحاجيات والتحسينيات

طرق المحافظة على الأموال بدفع المظالم والمحافظة على الحاجيات والتحسينيات

أ. طرق المحافظة على الأموال بدفع المظالم: إن من أعظم المقاصد التي قُصدت ببعثة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- دفع المظالم بين الناس، والمظالم على ثلاثة أقسام: تعدٍّ على النفس، وتعدٍّ على الأعضاء، وتعدٍّ على الأموال، فاقتضت حكمة الله -تعالى- أن يجعل لكل قسم ما يزجر عنه بزواجر قوية، تردع الناس عن الإقدام على ظلم الآخرين، ولا ينبغي أن تُجعل هذه الزواجر في مرتبة واحدة؛ لأن القتل ليس كقطع الطرق، وأخذ المال اعتمادًا على القوة ليس كأخذه خفية أو خيانة، ثم إن الدواعي التي تنبعث منها المظالم لها مراتب؛ لأن العمد يختلف عن الخطأ، فعقوبة التعدي على الأموال نوعان: العقوبة الأولى: عقوبة محددة من الشارع. العقوبة الثانية: عقوبة غير محددة من الشارع. أما المحددة: فتشمل عقوبة الحرابة، وعقوبة السرقة، وغير المحددة أنواع كثيرة مثل تعزير الغاصب والمتلف عمدًا والناهب، وقد حرم الله تعالى هذه الأقسام كلها؛ دفعًا للظلم وحفظًا للأموال، ورتب على بعضها الضمان مع الوعيد بعذاب الآخرة، ولقد حرم الشارع أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] وقال صلى الله عليه وسلم: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه))، والشرع أعطى الإنسان حق الدفاع عن ماله، وإذا قُتل دون ماله فهو شهيد، وإذا قَتل المعتدي فالمعتدي في النار، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه جاءه رجل، فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار))، وأجمع المسلمون على تحريم أكل أموال الناس بالباطل، كما أجمعوا على تحريم الدماء إلا بحقها. وقد رتب الشارع الوعيد الشديد على أكل أموال الناس بدون حق فقال صلى الله عليه وسلم: ((من أخذ من الأرض شيئًا بغير حق خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين))، فهذا وعيد لكل من يعتدي على أموال الناس ويأخذها بغير وجه حق، وقال صلى الله عليه وسلم: ((على اليد ما أخذت حتى تؤدي))، وهذا أصل في باب الغصب والعارية، ويجب رد العين المأخوذة غصبًا أو عارية، فإن تعذر فيرد مثله أو قيمته، وقد دفع صلى الله عليه وسلم صحفة في موضع صحفة كُسرت، والصحفة: هي الإناء من الخزف أو الطين إذا وُضع في النار، وأمسك المكسورة فكان أصلًا في باب الإتلاف، وإلزام المعتدي بالضمان قد يكون زاجرًا في مثل ما تقدم؛ ولكنه لا يكفي في بعض أنواع الاعتداء على الأموال، نسبة لخطورة ما يترتب على ذلك من الآثار والمفاسد. جريمة قطع الطريق لأخذ أموال الناس، وجريمة السرقة: هذه الجريمة من الجرائم الخطيرة التي تهدد أمن الناس في دمائهم وأموالهم، وتعطل منافعهم التي تتوقف على الأسفار والضرب في الأرض للابتغاء من فضل الله؛ ولذا شرع الله لها من العقاب والخزي في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، ويطلق على هذا النوع من الإجرام اسم الحرابة اصطلاحًا. والأصل في تحريم الحرابة ووجوب عقوبة المحارب: قوله تعالى: {إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتّلُوَاْ أَوْ يُصَلّبُوَاْ أَوْ تُقَطّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، أصل الحرب: السلب، والمراد به هنا: قطع الطريق، وقيل: الحرابة: هي المكابرة بطريق اللصوصية وإشهار السلاح بقصد السلب، والمحارب: هو كل من كان دمه محقونًا قبل الحرابة، وهو المسلم أو الذمي، أما الكافر المحارب، فإنه يعتبر مهدور الدم؛ ولذلك لا ينطبق عليه حكم المحارب. ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية، نزلت في قطاع الطريق من المسلمين. وجه دلالة الآية على تحريم قطع الطريق: هو أن الله سبحانه وتعالى رتب على هذا الفعل وعيدًا بالعذاب في الآخرة، والجزاء والخزي في الدنيا، وكل واحد من عقاب الدنيا أو عذاب الآخرة، يدل على تحريم الفعل بطريق دلالة الالتزام، فيكون مجموع الأمرين أوضح وأقوى في الدلالة على هذا التحريم، ثم إن الحرابة فيها اعتداء على النفوس والأموال، وحرمة النفوس والأموال واضحة وجلية ومجمع عليها في كل الشرائع، والمحاربون دائمًا يعتمدون على القوة والمنعة، ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم وأموالهم. أحوال المحارب: فنجد أن أحوال المحارب أربعة: إما أن يقتل ويأخذ المال، وإما أن يقتل من غير أخذ المال، وإما أن يأخذ المال بدون قتل، وإما أن يخيف الطريق من غير قتل أو أخذ مال. الحالة الأولى: وهي في حالة القتل وأخذ المال: في حالة إن قتل المحارب أو أخذ مال الغير، فإنه يُقتل ويُصلب. الحالة الثانية: وهي أن يقتل من غير أن يأخذ المال: فعلى ذلك يكون جزاؤه هو أن يُقتل بدون صلب. الحالة الثالثة: وهي أن يأخذ المال بدون قتل: فتقطع يده ورجله من خلاف. الحالة الرابعة: وهي إخافة الطريق من غير قتل أو أخذ مال: ففي هذه الحالة يُنفى من الأرض، وبهذا التفصيل المتقدم صرح ابن عباس فيما روي عنه حيث قال: “إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نُفوا من الأرض”، وبهذا أخذ الإمام الشافعي وأحمد. ومن العلماء من قال: للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة وإن كان لم يقتل، مثل: أن يكون رئيسًا مطاعًا في المحاربين، ويقطع من رأى قطعه مصلحة وإن كان لم يأخذ المال، مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال. ومنهم من يرى أنهم إذا أخذوا المال قُتلوا وقُطعوا وصُلبوا. والقول الأول هو قول الأكثر، فمن كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتله الإمام حدًّا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء، ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول، بخلاف ما لو قتل رجل رجلًا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأن قتله لغرض خاص؛ وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس فضررهم عام، بمنزلة السراق فكان قتلهم حدًّا لله تعالى، وهذا باتفاق بين الفقهاء. هذا كله إذا لم يتب قبل أن يُقدر عليه، فإن تاب فيسقط عنه كل ما هو لله من أنواع الحدود المتقدمة، وتبقى عليه حدود الآدميين، دماءً كانت أو أموالًا، فيُقتل قصاصًا إن قَتل، أو يقتص منه في الجروح، ويضمن الأموال؛ وذلك لقوله تعالى: {إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]. المصلحة المقصودة من هذه العقوبات المتقدمة في الآية: المقصود من ذلك حماية النفس والأموال، وتأمين طرق المواصلات؛ لأن في قطع الطريق تهديدًا لأمنهم في أسفارهم، والتكسب عن طريق أخذ أموال الناس بالقوة من أخطر أنواع الكسب غير المشروع، ولم تعترف شريعة الإسلام بأي نوع من هذا التكسب المعتمد على القوة والغلبة، وحتى الغنيمة لا تعتبر مقصودة لذاتها، وإنما تعتبر أثرًا من آثار الحرب المشروعة لإعلاء كلمة الله تعالى، والمحاربة كما تكون لأخذ الأموال تكون أيضًا بقصد انتهاك الأعراض، والحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، يعني: أن الحرابة في الزنا وفي الفرج وفي العرض أشد منها في الأموال؛ لأن الناس يرضون أن تذهب أموالهم من بين أيديهم ولا يحارب المرء في زوجته وبنته وعرضه. عقوبة السرقة: السرقة من جرائم الاعتداء على الأموال، وهي جريمة خطيرة تفسد على الجماعة الاستقرار؛ لأن ضياع المال الذي هو مصلحة ضرورية لحياة الأفراد والأمم فيه مفسدة عظيمة، ذلك المال الذي قرر الإسلام له الحماية، كغيره من المصالح الضرورية، واعتبر من مات دون ماله فهو شهيد، وجعل حرمته كحرمة العرض في وجوب المحافظة عليه، فلا ينبغي أن يفرط فيه. معنى السرقة في اللغة وفي الشرع: في اللغة: أخذ الشيء من الغير خفية، ومنه: استرق السمع، إذا سمع مختفيًا. في الشرع: عُرفت بأنها أخذ المال من الغير على وجه الخفية من الأعين. فهذه هي حقيقة السرقة بقطع النظر عن كونها موجبة للقطع أو لا؛ وذلك لأن أخذ مال الغير أقسام عديدة: فلو أريد السرقة التي توجب القطع، فلا بد في تمييزها وضبطها بالقيود التي تميزها عن بقية أقسام أخذ مال الغير، جاء في كتاب (حجة الله البالغة) كان أخذ مال الغير أقسامًا: منه السرقة، ومنه قطع الطريق، ومنه الاختلاس، ومنه الخيانة، ومنه الالتقاط، ومنه الغصب، ومنه ما يقال له قلة المبالاة والورع، فوجب أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة السرقة متميزة عن هذه الأمور، وطريق التمييز، أن ينظر ذاتية هذه الأسماء التي لا توجد في السرقة، ويقع بها التعارف في عرف الناس، ثم تُضبط بأمور مضبوطة معلومة يحصل بها التمييز والاحتراس، فالسرقة لها قيود تتمثل في أركانها، وشروطها. ومن المعلوم أن كلًّا من الركن والشرط، ما يتوقف عليه وجود الشيء، إذا عُدم الركن أو الشرط ينعدم الشيء، لكن الفرق بين الركن والشرط، أن الركن داخل في حقيقة الشيء مميز لماهيته محقق لهويته، بخلاف الشرط فإنه خارج عن الشيء، ومثال ذلك في الركن والشرط: الطهارة شرط في الصلاة، فهي خارجة عن الصلاة، وكذلك استقبال القبلة؛ ولكن القيام والقراءة والركوع والسجود كلها أركان للصلاة، فهي داخلة في حقيقة الصلاة. فعلى ذلك السرقة لها أركان وشروط تميزها وتضبطها، حتى لا تختلط بغيرها، والضبط قد يكون باللغة، وقد يكون ببيان النبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون بما وضعه الفقهاء من ضوابط. وأما السنة، وهو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاءت بيان السرقة التي يُقطع فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا))، فهذا الحديث يدل على اشتراط النصاب في المسروق، وفيه احتراز عن المال التافه، يعني: المال الذي لا قيمة. وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا قطع في تمر معلق، ولا في حريسة الجبل، فإذا أواه المراح والجرين فالقدر فيما بلغ ثمن المجن))، ففي هذا الحديث، بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحرز شرط في القطع، والحرز: هو المكان الذي يحفظ فيه، واحترز به عن غير المحرز من الأموال، يعني: الأموال السائبة. الأدلة على تحريم جريمة السرقة، وما يترتب عليها من عقاب: أما القرآن: فقد جاء في القرآن الكريم قول اللهعز وجل : {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]. وجه دلالة الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد رتب قطع الأيدي على فعل، والقطع عقوبة، ولا تكون العقوبة إلا على فعل محرم، فتكون الآية دلت على تحريم الفعل، وأكد ذلك قوله: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً} وأوجبت الآية بصريح النص قطع يد السارق. وقال الجمهور من الفقهاء: القطع لا يجب إلا عند شرطين: أن يكون المسروق نصابًا، وأن تكون السرقة من الحرز؛ تمسكًا بما جاء من السنة، في بيان المقدار والحرز. ورأي الجمهور هو الأولى بالاعتبار والترجيح؛ لأن الأحاديث الواردة في بيان النصاب والحرز قوية الدلالة والسند، فتكون بيانًا للقرآن: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]. وأما السنة: فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتُقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)). وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن السارق بالدعاء عليه، وبين أن قطع يده مترتب على سرقته، واللعن دليل على الحرمة، كما جاء ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، كقوله تعالى: {ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]، والكذب حرام باتفاق، والعقوبة لا تكون إلا على فعل المحرم. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا)). وجه الدلالة: واضح؛ لأن النهي دليل على الحرمة، والسرقة أكل أموال الناس بالباطل، وقد كرر القرآن الكريم النهي عن ذلك في كثير من آياته، وقد أجمع الفقهاء من السلف والخلف على حرمة السرقة، وأجمعوا على وجوب قطع يد السارق، فعقوبة السرقة لم تكن بدعًا في شريعة الإسلام، بل كانت معروفة فيما سبق من الشرائع شأنها شأن غيرها من العقوبات، ولا غرابة في ذلك؛ لأن السرقة جريمة منكرة تقع على الأموال التي اتفقت الشرائع على وجوب المحافظة عليها. بعض أنواع التعدي التي ليست لها عقوبة محددة: هناك أنواع من التعدي على أموال الناس حرمها الشارع؛ لأنها داخلة في أكل أموال الناس بالباطل؛ ولكن لم يحدد لها عقوبة معينة، بل تارة يكتفي بإلزام الضمان ورد الحق إلى صاحبه، وتارة يعاقب تعزيرًا بما يراه ولي الأمر؛ وذلك لأن دفع التظالم عن الناس إنما هو أن يقبض على يد من يضربهم ويتعدى عليهم، وهذا الضرر لا بد من أن يكون متفاوتًا؛ ولذلك رتب الشارع الدوافع التي تدفع إلى الظلم على مقدار المفسدة وعظم خطرها على حياة الناس العامة والخاصة، والضرر لا بد من إزالته، والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))، فكل تصرف جر فسادًا أو دفع صلاحًا، فهو منهي عنه، كإضاعة المال بغير فائدة، فأخذها من غير حق شرعي من أصحابها يكون أشد حرمة، وتقدم قول الله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، والخطاب بهذه الآية عام يتضمن جميع الأمة، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس صاحبه، أو حرمته الشريعة إن طابت به نفس صاحبه، كمهر البغي، وحلوان الكاهن وغير ذلك، وكل من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، فالشريعة الإسلامية تحرم جميع أخذ أموال الناس دون وجه شرعي، وأوجبت الضمان على اليد العادية، أي: اليد المعتدية، وقد يقترن بالضمان التعزير بما يراه ولي الأمر، والهدف من ذلك كله الحفاظ على الأموال، وضمان استقرار حقوق الناس. ب. المحافظة على الحاجيات والتحسينيات: 1. الحاجيات: ماهية الحاجي: والحاجيات جمع حاجي، وقد عرفه الإمام الشاطبي -رحمه الله- بقوله: ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراعَ دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة؛ ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المقاصد في المصالح العامة. هذا هو تعريف الإمام الشاطبي. وعرفه الطاهر بن عاشور -رحمه الله- بقوله: الحاجي: هو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها، وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لما فقد النظام؛ ولكنه كان على حالة غير منتظمة، فلذلك كان يبلغ مبلغ الضروري. تطبيقات الحاجي: إن ما شُرع من التكاليف الحاجية لا يقل شمولًا عن التكاليف الضرورية لشئون الحياة، ومن ثم فهي موجودة في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات، وسنعرض لكل واحدة منها بإيجاز: أولًا: العبادات: والحاجة هنا ظاهرة في شرعية الرخص المخففة للمشقات اللاحقة بالمكلف عند قيامه بالوظائف والعبادات الشرعية، كإباحة التيمم عند العجز عن استعمال الماء، وقصر الصلاة للمسافر. ثانيًا: العادات: وتظهر الحاجة هنا في استجلاب الرخص: كجواز أكل الميتة للمضطر، وكذا شرب جرعة من الخمر لدفع الغصة، إذا لم يجد ما يزيل الغصة غير الخمر، والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلًا ومشربًا وملبسًا ومسكنًا، على جهة القصد من غير إسراف ولا تقتير، أي: على جهة التوسط والاعتدال. ثالثًا: المعاملات: والحاجة هنا ظاهرة في إجازة بعض الجهالات في النكاح، بناء على ترك المشاحة كما في البيوع، وكذا اشتراط الولي، وإباحة الطلاق والخلع، وكذا عدة المطلقة، وقد ذكر الإمام الشاطبي -رحمه الله- في كتاب (الموافقات)، أن مسألة عد البيع من الضروري أو الحاجي مختلف فيها بين العلماء، وذلك عندما قال: والإشهاد في البيع إذا قلنا إنه من الضروري، وظهر من هذا الكلام أن الشاطبي، يذهب إلى عد البيع من الضروري. رابعًا الجنايات: وتظهر الحاجة في الحكم باللوث والقسامة وضرب الدية، والمقصود -كما قال ابن عرفة- باللوث: مسمح القرينان، أو الأمر الذي ليس بالقوي، وعلق الشارح -رحمه الله- فقال: إطلاقه على القرائن الظاهرة الدالة على القتل، وضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصناع بما تحت أيديهم، وإقامة القضاء والوزعة والشرطة. ونستطيع أن نستخلص بعد هذا العرض النتائج التالية: أولًا: إن عناية الشريعة بالحاجي تقارب عنايتها بالضروري. ثانيًا: إن جميع الأحكام التي قرر الفقهاء تغيرها وتبدلها عبر الزمان والمكان، إنما يرجع ذلك إلى حاجات الناس واعتبار عوائدهم؛ وذلك استجابة لداعي الحاجة. ثالثًا: إن الحاجة يخصَّص بها الأصل العام، وتقدم في الاعتبار على ما تقضي به القواعد العامة عند التطبيق على مسألة معينة؛ منعًا للضرر والمشقة، ونفيًا للحرج. رابعًا: أن الفقهاء قد أقروا في قواعدهم، أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحظور، فالحاجيات هي ما يحتاج إليه الإنسان، وهو ليس ضروريًّا بل للتوسعة. ذكرالطاهر بن عاشور -رحمه الله-: أن الحاجي هو ما تحتاجه الأمة لمصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولاه لما فسد النظام؛ ولكنه كان على حالة غير منتظمة، فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري، وأن معظم قسم المباح في المعاملات من الحاجي، فالنكاح الشرعي من قبيل الحاجي، وحفظ الأنساب من الحاجي للآباء والأولاد. فالمصالح الحاجية تتردد على المصالح الضرورية لتكملها بحيث ترتفع في القيام بها، واكتسابها المشقات، وتميل هذه الحاجيات بحياة المكلفين إلى التوسط والاعتدال في الأمور؛ حتى تكون جارية على وجه لا يميل إلى أي من طرفي الإفراط أو التفريط. مراعاة الحاجيات في العبادات والعادات والمعاملات: أولًا: مراعاة الحاجات في العبادات: ففي العبادات شُرعت الرخص -كما قلنا- دفعًا للحرج، فأباح الشارع الفطر للمريض والمسافر، والتيمم عند فقد الماء، كما أجاز ابن تيمية -رحمه الله- تعالى للحائض أن تدخل المسجد للحاجة، كما يجيز لها الطواف عند الحاجة قائلًا: والأقيس أنه لا دم عليها عند الضرورة؛ وأما من يجعل هذا واجبًا يجبره الدم، ويقال: إنه لا يسقط بالضرورة، فهذا خلاف أصول الشريعة. ويفتي الإمام ابن تيمية أيضًا: بأن إعطاء القيمة في الزكاة يجوز للحاجة، أو المصلحة الراجحة. ثانيًا: مراعاة الحاجيات في العبادات: يقول ابن تيمية -رحمه الله-: ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها، والإبل التي يحج عليها والبقر التي يحرث عليها، ونحو ذلك؛ لما في ذلك من المصلحة إليها، كما أنه ذكر بأن الحرير والذهب ليسا محرمين على الإطلاق، فإنهما أبيحا لأحد صنفي المكلفين، وأبيح للصنف الآخر بعضهما، وأبيحت التجارة فيهما، وإهداؤهما للمشركين، فعُلم أنهما -أي: الذهب والحرير- أبيحا لمطلق الحاجة، والحاجة إلى التداوي، أقوى من الحاجة إلى تزين النساء، وذكر -رحمه الله- تعالى أن الحرير حُرم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء؛ ولكن ذلك منتفٍ إذا احتيج إليه، وكذلك لبسه للبرد أو لستر العورة، إن لم يكن عنده ما يستر به عورته إلا هذا. ثالثًا: مراعاة الحاجيات في المعاملات: شُرعت أنواع المعاملات استثناء من القواعد العامة، فأباح الشارع الحكيم السلم والإجارة والمزارعة، وشُرع الطلاق للخلاص من زوجية لم تعد صالحة للبقاء والاستمرار، وقد أجاز ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بيع المغيبات في الأرض؛ لأنه مما تسمى حاجة الناس إلى بيعه؛ فإنه إذا لم يبع حتى يقلع حصل لأصحابه ضرر عظيم، فإنه يتعذر عليه مباشرة القلع والاستنابة فيه، وإن قلعوه جملة فسد بالقلع، فقد أجاز بيع المقات باطنها وظاهرها، مع أن هذا بيع للمعدوم، والشريعة الإسلامية جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية بالتحريم، إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم. 2. التحسينيات: ماهية التحسيني، ومراعاة التحسينيات في العبادات والعادات والمعاملات: عرفه إمام الحرمين بقوله: الضرب الثالث: ما لا يتعلق بضرورة حاقة ولا حاجة عامة؛ ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها. والملاحظ من هذا التعريف أن هذه المرتبة هي بمثابة استحثاث على مكارم الأخلاق وإيجابها على الفرد والمجتمع. وعرف الإمام الشاطبي -رحمه الله- التحسيني بقوله: التحسينيات هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسان التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق. وعرفه الشيخ زروق بقوله: التكميلي: ما كان وجوده أولى من فقده. والملاحظ على هذا التعريف أنه لم يتعرض لماهية المعرف، وإنما أشار إلى أفضلية وجوده على فقده. أما الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- فقد عرفه بقوله: المصالح التحسينية هي -عندي- ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرائي بقية الأمم؛ حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوبًا في الاندماج فيها أو في التقرب منها. والذي نستشفه من هذا التعريف أن نظرة الطاهر بن عاشور -رحمه الله- للتحسين تمتاز بالشمولية، وذلك الظاهر من صيغة كلامه؛ حيث جعل تحقق هذه المرتبة، يكمن في تحسين مظهر الأمة وتقوية سلطان هيبتها؛ ترغيبًا للآخرين فيها اندماجًا وتقربًا، ويرى أن هذه المرتبة مما يراعى فيها مدارك المكلفين وأفهامهم. والآن أصبح مفهوم التحسيني واضحًا، ويزداد ذلك بمعرفة تطبيقاته: وتتجلى هذه التطبيقات فيما شرع من الأحكام لحفظ الكليات الخمس في هذه المرتبة، وسنتعرض لكل واحدة منها بإيجاز: أولًا: حفظ الدين: شُرع لهذا الغرض الطهارة بالنسبة للصلوات، وستر العورات وأخذ الزينة من اللباس ومحاسن الهيئات، وإخراج الأطيب والأعلى من الأموال في الزكوات والإنفاقات، وآداب الرفق في الصيام. ثانيًا: حفظ النفس: ويتم هذا بالإحسان إليها والرفق بها، وكذا التزام آداب الأكل والشرب، ومجانبة المآكل النجسات والمشارب المستخبثات والإسراف والإقتار في المتمولات، كما يمنع أيضًا قتل الحر بالعبد وقتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد. ثالثًا: حفظ العقل: ويتم بمباعدة الخمر ومجانبتها، وإن لم تكن هناك نية شربها؛ طبقًا لقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، إذا حمل على المجانبة بإطلاق كما يرى ذلك الإمام الشاطبي، وكذلك منع الذميين من إعلان الشرب للمحرمات، وبيعها في أواسط وأوساط المسلمين، ولو كان المشترون ذميين، ومن هذا القبيل توفير وسائل التعليم والمعرفة، وتسهيل استعمالها لكافة الأفراد دون إقصاء لأي طرف كان. رابعًا: حفظ النسل: وفي هذا الجانب الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، من عدم التضييق على الزوجة، وكذلك بسط الرفق والتواد والتراحم، وإشاعة السكينة في المعاشرة، وحرم على المرأة خروجها إلى الطرقات بزينتها؛ مصداقًا لقوله تعالى: {وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]. خامسًا: حفظ المال: وفي هذا المجال منع بيع النجاسات، وفضل المأكولات والمشروبات، وحرم الغرر والخداع، وهذه التصرفات لا تتعلق بأصل المال، وإنما تتعلق بإرادة التصرف فيه عن بينة ومعرفة، وكذلك وجوب الإدراك الصحيح لطرق الكسب ومسالكه، وكذا الخسارة بما فيها من اعتداء على إرادة المتصرف، وكذلك التورع في كسب المال واستعماله وبذله على المحتاجين. ثالثًا: المكملات: وشرط اعتبار التكملة: أن كل تكملة كي يصح اعتبارها في أصلها يجب أن تخضع لشرط، ألا وهو: ألَّا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال؛ لأن التكملة إذا أفضت إلى إلغاء أصلها، حال اعتبارها فلا يصح قبولها. ودلل الإمام الشاطبي على ذلك بوجهين: الأول: إذا عادت التكملة على الأصل بإبطال؛ فإن ذلك يفضي حتمًا إلى إبطال التكملة في ذاتها؛ لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف؛ ولأن اعتبار الصفة إذا أدى إلى إلغاء الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصفة أيضًا. الثاني: لو قدرنا تقديرًا أن المصلحة التكميلية، تحصل مع فوات المصلحة الأصلية، لكان حصول الأصلية أولى؛ لما بينهما من التفاوت. مكملات الأصول: أولًا: مكملات الضروري: إن الفروع التكميلية للأصول الضرورية لا يمكن حصرها في صفحات محدودة وفي دقائق معدودة؛ لأنها تفوق من حيث التعداد أصولها؛ والسبب في ذلك: أن الأصل الواحد يحظى بعدة مكملات في نفس القضية، ومن هنا فإنني أكتفي ببعض الأمثلة للبيان فقط: المثال الأول: إن المسلمين مطالبون بإقامة الصلاة كأصل ضروري لحفظ الدين، وشُرع معها الآذان والإقامة، وطلب من المسلمين أن يؤدوها جماعة؛ تكملة لأصلها حتى تكون في أتم صورة. المثال الثاني: حُرمت الخمر حفظًا للعقول، وألحق به تحريم شرب القليل منه رغم عدم إفضائه إلى السكر، وأُلحق به أيضًا حرمة بيعها وعصرها وأكل ثمنها وحملها وغير ذلك، كالتكملة لأصل الملأ. ثانيًا: مكملات الحاجي: وللحاجي كما للضروري مكملات تجعل إقامته على أتم صورة وأداءه على أحسن وجه، ومن هذه المكملات رفع حكم النجاسات فيما إذا عثر إزالتها، والجمع بين الصلاتين في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، ومن هذا الباب اعتبار الكفء ومهر المثل في الصغيرة؛ فإن ذلك كله لا تدعو إليه الحاجة، مثل الحاجة إلى أصل النكاح في الصغيرة، وكذلك الشهرة في النكاح، ومن هذا القبيل اعتبار الإشهاد والرهن من مكملات البيع لمن قال إنه من الحاجي. ثالثًا: مكملات التحسيني: ومن مكملات هذا الأصل: التقرب بنوافل الخيرات من الصدقات والقربات، وكذا بنوافل الطاعات، ومن هذا القبيل آداب الأحداث ومندوبات الطهارة، والإنفاق من نفائس المكاسب وكرائم الأموال، وكذلك منع خطبة الرجل على خطبة أخيه، وسومه على سوم أخيه، واختيار أنفس الرقاب في العتق تبرعًا وتطوعًا. التقسيم الثاني للمصالح: باعتبار تعلقها بعموم الأمة، أو جماعتها، أو أفرادها: فتنقسم بهذا الاعتبار إلى كلية وجزئية، ويراد بالكلية هنا اصطلاحهم، ما كان عائدًا على عموم الأمة عودًا متماثلًا، وما كان عائدا على جماعة عظيمة من الأمم، أو قطر، وبالجزئية ما عدا ذلك. فالمصلحة العامة لجميع الأمة قليلة الأمثلة، وهي مثل حماية البيضة، وحفظ الجماعة من التفرق، وحفظ الدين من الزوال، ونحو ذلك، مما صلاحه وفساده، يتناول جميع الأمة، وكل فرد منها، وبعض صور الضروري والحاجي، مما يتعلق بجميع الأمة. وأما المصلحة والمفسدة اللتان تعودان على الجماعات العظيمة، فهي الضروريات والحاجيات، والتحسينيات المتعلقة بالأمصار، والقبائل والأقطار على حسب مبلغ حاجاتها، مثل التشريعات القضائية لفصل النوازل، والعهود المنعقدة بين أمراء المسلمين، وبين ملوك الأمم المخالفة، في تأمين تجارة المسلمين بأقطار غيرهم، إذا دخلوها للتجارة. والمصلحة الجزئية الخاصة: هي مصلحة الفرد أو الأفراد القليلة، وهي أنواع ومراتب، وقد تكلفت بحفظها أحكام الشريعة في المعاملات، في باب الفقه، فليرجع إليها. وأما التقسيم الثالث باعتبار تحقق الحاجة إلى جلبها، أو دفع الفساد عن أن يحيق بها، فتنقسم بذلك إلى قطعية، وظنية ووهمية. فالقطعية، هي التي دلت عليها أدلة، من قبيل النص الذي لا يحتمل تأويله، نحو قول الله تعالى: {وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، وأيضًا ما تضافرت الأدلة الكثيرة عليها، مما مستنده استقراء الشريعة مثل: الكليات الضرورية المتقدمة، أو ما دل العقل على أن في تحصيله صلاحًا عظيمًا، أو في حصول ضده ضرر عظيم على الأمة، مثل قتال مانعي الزكاة، في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الضرورة. فأبو بكر رضي الله عنه رأى أن يقاتل مانعي الزكاة، وقال: “والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه”، وهذا جوابٌ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما قال له: كيف تقاتلهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: “لا إله إلا الله”، فإن قالوها، فقد عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها))، قال أبو بكر -رحمه الله-: “إلا بحقها”، وحق الأموال الزكاة، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا أو عناق بعير، كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، فهذا يدخل في الضروري. وأما المصلحة الظنية، فمنها ما اقتضى العقل ظنًا، مثل اتخاذ كلاب للحراسة في الدور، في الحضر في زمن الخوف. أو دل دليل ظني عليه من الشرع، كحديث: ((لا يقضي القاضي، وهو غضبان))؛ فالقاضي عندما يقضي، وهو في حالة غضبه، فإنما يكون فكره مشوشًا، فقد لا يحكم بالحق في هذه الحالة. أما المصلحة الوهمية: فهي التي يتخيل فيها صلاح، وخير، وعند التأمل، نجد فيها ضررا، إما لخفاء ضرره، مثل تناول المخدرات، من الأفيون والحشيش وغيرها؛ فإن الحاصل بها لمتناوليها ملائم لنفوسهم، وليس فيه صلاح لهم. وإما لكون الصلاح مغمورًا بفساد، كما أنبأنا عنه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا} [البقرة: 219]. إذن وهذين الصنفين، وهما الخمر والميسر، وإن كان فيهما صلاح ونفع، إلا أن هذا الصلاح والنفع مغمور بفساد كبير، كما دل على ذلك القرآن.

error: النص محمي !!