Top
Image Alt

طرق المحافظة على النفس من جانب الوجود ومن جانب العدم

  /  طرق المحافظة على النفس من جانب الوجود ومن جانب العدم

طرق المحافظة على النفس من جانب الوجود ومن جانب العدم

أولًا: طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود: 1. في خلق الإنسان، وتسخير ما في الوجود لمنافعه: لقد خلق الله تعالى الإنسان، وفضله على كثير ممن خلق بالعقل، والعلم، والبيان، والنطق، والشكل، والصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، واكتساب العلوم بالاستدلال، والفكر، والطاعة، والانقياد، وشمَله بالرعاية والعناية، وهو نطفةٌ في داخل الرحم، وفي جميع أطواره إلى أن صار خلقًا، فتبارك الله أحسن الخالقين، وبعد حلوله بهذه الدنيا الواسعة، صار جميع ما فيها مشغول به، وساعٍ في مصالحه، وخدمته، وحوائجه. فالملائكة الذين يعتبرون من أفضل خلق الله، منهم من هو موكول بحفظه، ومنهم من هو موكول بالقطر والنبات، ويسعون في رزقه، والأفلاك سخرت منقادة ودائرة بما فيه مصالحه ومنافعه، والشمس والقمر والنجوم مسخرات، جاريات بحساب أزمنته وأوقاته… وغير ذلك. والعالم السفلي كله مسخر له، مخلوق لمصالحه، ومنحه من وسائل الإدراك من حواسٍّ، وعقل، ومنَّ عليه ببعثة الرسل، وإنزال الكتب؛ لإرشاده وهدايته إلى مصالح الدارين ومنافعهما، ولا يجحد ذلك إلا من أصيب بغشاوة من غرور، أو قصور، وقد أفاض به القرآن الكريم في معظم آياته وسوره؛ دلالة على عظمة الإنسان ومكانته في هذا الكون، وإشعارًا له بما أنعم الله عليه بنعم، لا تعد ولا تحصى. طرق المحافظة على مصلحة النفس: الطريق الأول: تحديد المسئولية قبل وجود الإنسان نطفةً في الرحم: لقد وضع الله تعالى من التشريعات التي تكفل للإنسان وجودًا سليمًا، واستمرارًا بعيدًا عن الأخطار، في ظل حياة محاطة بالرعاية والعناية، في جميع أطواره وأحواله، فحدد مسئولية الآباء على الأبناء، وذلك بمشروعية عقد النكاح وتحريم الزنا، وبمقتضى هذا العقد يلتزم الآباء القيام على شئون الأولاد، من نفقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن رعاية وعناية في حفظهم وتربيتهم، إلى أن يبلغوا أشدهم ويتولوا شئونهم، فجعل الله ذلك العقد سببًا في مسئولية الآباء عن الأبناء، إما بمقتضى ما ركب فيهم من وازع العاطفة، وإما بمقتضى ما شرع من أحكام ملزمة، ولولا عقدُ النكاح واختصاصُ كل رجل بامرأة، لما وثق الآباء بنسبة الأبناء إليهم. الأحكام الإلزامية: لقد أوجب الله تعالى في كتابه الكريم، نفقة الزوجة الحامل على صاحب الحمل، ولو طلقت طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، قال تعالى {وَإِن كُنّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنّ حَتّىَ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ} [الطلاق: 6]. قال الإمام القرطبي: ولا خلافَ بين العلماء في وجوب النفقة، والسكنى للحامل المطلقة ثلاثًا، أو أقل منهن حتى تضع حملها، هذا إذا كان الأب موجودًا، أما إذا كان متوفًّى عنها وهي حامل، فقال بعضهم: ينفق على الحمل من جميع المال حتى تضع، وقال بعضهم: لا ينفق عليه إلا من نصيبها، أما بعد الولادة إذا كانت مطلقة طلاقًا بائنًا، فعلى الأب أن يعطيها أجرة إرضاع ابنه؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىَ} [الطلاق: 6]، فيوصي الله سبحانه وتعالى الأبوين في إرضاع الولد فيما بينهما بالمعروف؛ حتى لا يلحقه ضرر بسبب النزاع في مقدار الأجرة وغيره، وإن أبت الأم المطلقة أن ترضع له الولد، استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر، أما إذا كانت باقية على الزوجية، فقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه رضاع الولد على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه على الزوجة ما دامت الزوجية قائمة، إلا لشرفها وموضعها، فعلى الأب رضاعه عندئذٍ في ماله، وهذا قول الإمام مالك -رحمه الله. القول الثاني: أنه لا يجب الرضاع على الأم بحال، وهو قول أبي حنيفة. القول الثالث: أنه يجب عليها في كل حال، وهذا قول الإمام الشافعي. وقد أجمع العلماء، على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال، الذين لا مالَ لهم؛ استدلالًا بهذه الآية، وبحديث هند بنت عتبة، وقد قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)). فهذا الحديث يدل على وجوب نفقة الأولاد على الآباء؛ لأنها لو لم تجب لما أمرها بالأخذ لما يكفيها، ويكفي ولدها. أما حَضانة الطفل، فقد رتبها الشارع الحكيم ترتيبًا دقيقًا، لوحظ فيه عامل الرقة والشفقة والحنان، ثم الولاية على النفس والمال، وضعت بحكمة فائقة، حسب ما تقتضيه من عناية، ورعاية، وحفظ، وتربية، ونحو ذلك. وهذه التشريعات الإلهية الحكيمة، المقصود منها: تحقيق حفظ النفس، ووضع الأسس لحفظها، منذ بدأ خلقها نطفة، إلى أن يبلغ أشده، ويستطيع الاعتماد على نفسه في تحصيل مطالب الحياة، وبذلك توضع عليه المسئولية، وعندما يصل إلى هذه المرحلة يصير مكلفًا مسئولًا أمام الله تعالى، فبين له ما يضره وما ينفعه، وما ضره أكثر من نفعه، إلى غير ذلك. الطريق الثاني: بيان الحلال والحرام: من المبادئ الأساسية في نظام الشريعة الإسلامية مبدأ التحريم والإباحة، وقد تأكد هذا المبدأ باستقراء الأحكام الشرعية وفحصها، فإنها كلها شرعت لتحقيق مصلحة الإنسان، إما بجلب النفع له، وإما بدفع الضرر عنه. فمبدأ الحلال والحرام، يرجع إلى تقدير المصلحة والمفسدة، وهو معيار للنفع والضرر؛ لأننا كما قلنا من قبل، أن العقول ليست لها صلاحية الاستقلال بإدراك المصالح، ولا تقدير المنافع والمضار؛ ولذلك كان التشريع الحكيم هو تشريع أصله وحده، لما فيه من ثبات وخلود، وضمان أكيد لمصالح الأفراد والجماعة، وإعداد الإنسان في حياته الحاضرة لحياته المستقبلية، أما إن ارتبط تقدير النفع والضرر بإرادة بشرية مهما كان نوعها، فإن الأنظمة تكون غالبًا عُرضة للعبث والخلل، وعدم تقرير المصلحة العامة. فلا محلل ولا محرم إلا الله، وليس للإنسان أن يحرم شيئًا ولا يحله، إلا اعتمادًا إلى أحكام الشرع وقواعده؛ لأن التحليل والتحريم -كما قلنا- هو تقدير المصالح والمفاسد، فتحريم الشيء يدل على أن فيه مفسدة، كما أن تحليله يدل على أن فيه منفعة، ثم إن الحلال والحرام مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بمصالح الآخرة ومفاسدها، من ثواب وعقاب، فالإثم يترتب على المحرم، والبر يترتب على الحلال، ومصالح الآخرة مجمع على أن العقل لا يستطيع إدراكها بدون هداية من الشرع. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياءَ، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفْو”. ويدلنا على أن التحليل والتحريم من حق الله وحده، ما ورد في القرآن الكريم من الآيات التي نهى الله فيها عن القول بالتحليل، بناء على الإرادة البشرية، والعادة الجاهلية، فقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـَذَا حَلاَلٌ وَهَـَذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]. فالآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب، وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن التحليل والتحريم فيه افتيات على الله تعالى في تقدير المنافع والمضار، وليس لأحد أن يفتات على الله بإجماع المسلمين؛ ولذلك عندما يصل المجتهد إلى الحكم باجتهاده المعتمد على قواعد الشرع ومبادئه، لا يقول: هذا حكمي، وإنما يعتقد أن هذا حكم الله تعالى، وإلا كان حكمه معتمدًا على الهوى، وذلك عين الفساد والضرر؛ ولذا كان السلف الصالح من هذه الأمة، يتورعون في فتياهم من نسبة التحليل والتحريم إليهم، أو إلى من سبقوهم، بل يقولون: نكره هذا أو نستحب، وكانوا يكرهون هذا أو يستحبونه، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: {قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ} [الأعراف: 32]. وجه دلالة هذه الآية: أن الاستفهام هنا للإنكار، أي: ينكر الله سبحانه وتعالى على من يحرم بإرادته، دون الرجوع إلى أحكام الشريعة؛ ولذا كان الجواب: {قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ} [الأعراف: 33]، فنسب التحريم إلى نفسه تعالى، فهذا يدل على أن التحريم له لا لغيره. واختلف العلماء في معنى الطيبات ومعنى الخبائث، فقال الإمام مالك: الطيبات هي المحللات، والخبائث هي المحرمات، فكأنه وصف الحلال بأنه طيب، والحرام بأنه خبيث، وبِناءً على هذا قال الإمام مالك بحل بعض المستقذرات كالحيات، والعقارب، والخنافس… وغيرها، وأما الإمام الشافعي -رحمه الله- فمذهبه أن الطيبات هي من جهة الطُّعْم، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها؛ لأن عمومها بهذا الوجه يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى أن الخبائث لفظ عام في المحرمات بالشرع وفي المستقذرات، فيحرم العقارب، والخنافس، والوسخ، وما جرى هذا المجرى. وقد بين الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الحرام المحض الذي ضرره بين، والحلال المحض الذي نفعه بين؛ ليكون معلومًا للناس بالضرورة، وجعل ما بين هذا وذلك أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فقد روي عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل مَلِكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). فهذا الحديث، يدل دلالة واضحة على أن هناك نوعًا من أنواع الحلال ظاهرًا وبينًا؛ لأن مصلحته خاصة، وهناك نوع من أنواع الحرام ظاهر أيضًا؛ لأن مفسدته محضة خالصة، وبين هذا وذلك نجد أمورًا مشتبهات، بالحلال من جهة، وبالحرام من جهة أخرى؛ لأن ما تجلبه من المصالح أو ما تدفعه من المفاسد، لم يكن متمحضًا وخالصًا، أما الحلال المحض فمثل: أكل الطيبات من الزرع والثمار وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، وغير ذلك، إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع والإجارة، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة، وأما الحرام المحض فمثل: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب، وكشرب الخمر، وأكل الربا، ولعب الميسر، وأكل أموال الناس، وكنكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ونحو ذلك، وأما الأمور المشتبهات، فمثل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه، إما من الأعيان، كالخيل والبغال والضب، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، وليس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها، كمسائل بيع العِينة، وبيوع الآجال، ونحو ذلك، وبنحو هذا فسر الأئمة -رحمهم الله- معنى كلمة الشبهات. هل الأصل في الأشياء الإباحة أم الحُرمة؟ اختلف العلماء في هذا الموضوع، فذهب بعضهم إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل عليه الدليل، وعلى رأس هؤلاء الشافعية، وذهب بعض آخر على أن الأصل في الأشياء الحرمة إلا ما دل عليه دليل على إباحته، وعلى رأس هؤلاء الحنفية، والمختار عند جمهور العلماء هو الرأي الأول، وليس لهذا الخلاف أثر إلا في المسكوت عنه، مثل: الحيوان المشكل أمره، والنبات المجهول تسميته، ودخول حمَام إلى برج أحد ويشك فيه، هل هو مباح أو مملوك لأحد، والقول بأن الأصل في الأشياء الإباحة جدير بالاعتبار، ونحن نرجحه على غيره؛ وذلك لأن الأشياء إنما خلقت لمنفعة الناس، فإذا لم يرد نص بحظرها أو ببيان مضارها، فإنها تكون على ما خلقت لأجله، ولا يحرم منها شيء إلا بنص صريح واضح الدلالة، ويؤيد هذا ما ورد في القرآن الكريم من آيات بينات: منها: قوله تعالى: {هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]. ومنها: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ} [الأعراف: 32]. وأيضًا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن أعظم المسلمين جُرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم، فحُرم على السائل من أجل مسألته))، فهذا الحديث يدل على أن ما لم ينص على تحريمه، فهو مباح؛ لأن السؤال عن المسكوت عنه اعتبر أعظم جرمًا؛ لأنه قد يكون سببًا في تحريمه. أيضًا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال جوابًا لمن سأله عن بعض المطعومات: ((الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه))، وقد أحال السائل إلى قاعدة يرجع إليها في معرفة الحلال والحرام، وهو أنه يكفيه أن يعرف ما حرم الله، فيكون كل ما عداه حلالًا طيبًا إلا بنص أو عفو. أما من حيث الدليل العقلي: فإن الانتفاع بما سكت عنه الشرع، انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك، ولا على المنتفع، كالاستضاءة بضوء الغير، والاستظلال بجدار الغير، فكان الحكم بحل الأشياء غير المنصوص على حكمها، هو المتفق مع سنة الفطرة والطبيعة، ثم إن الله تعالى خلق الأشياء لحكمة؛ لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السّمَآءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} [الأنبياء: 16]. وهذه الحكمة هي من أجل انتفاع المخلوقات بها، وأيضًا فإن تكليف الناس بدون بيان ما كُلفوا به تكليف بما لا يطاق، وهو قبيح تعالى الله عنه، ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتّىَ يُبَيّنَ لَهُم مّا يَتّقُونَ} التوبة: 115]، يعني: أن الله سبحانه وتعالى لا يحكم على قوم بالضلالة والمعصية والمعاقبة عليها، حتى يبين لهم المعاصي وموجبات الضلالة؛ فيتركوها، وما قبل البيان لا يكون الفعل حرامًا. ومما تقدم نستطيع القول بأن المسكوت عنه في الشريعة مباح حلال، وهذا في باب العادات والمعاملات والأشياء والتصرفات، أما في باب العبادات، فالأمر بخلاف هذا، فلا يعبد الله إلا بما شرع وشرعه الله في كتابه؛ ولذا قرر الفقهاء القاعدة الفقهية التي تقول: لا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله. 2. درجات المحافظة على النفس: المحافظة على النفس لها ثلاث حالات، وكل حالة قد وضع الشارع لها من الأحكام، والقواعد، والمبادئ التي تجلب له منافعه، وتدفع عنه الأضرار الواقعة أو المتوقعة، وأعطاه حق الانتقال من حالة إلى حالة، إن اقتضى الأمر ذلك. وتفصيل هذه الحالات الثلاث فيما يلي: الحالة الأولى -وهي الحالة العادية-: أن يكون الإنسان في موقع السعة واليسر، ففي هذه الحالة يقتصر على ما أبيح له من أشياء وتصرفات، كسبًا وتناولًا، ويقوم بكل ما عليه من واجبات، ولا يجوز له أن يتعداها، فإن تعداها فقد ظلم نفسه؛ لقوله تعالى: {وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1]، وقد قلنا: إن الحالة العادية، هي التي يطبق فيها التشريع العام، وقد أباح الله له فيها جميع أنواع المعاملات الخالية من الأضرار، كالبيع، والقرض، والإجارة، ونحو ذلك، وأباح له طريق الكسب من صيد، واحتطاب، وزراعة، وتجارة، وصناعة، وأباح له تناول جميع أنواع الحلال الطيب ما لم يثبت إضراره به، فيكون تركه لأجل إلحاق الضرر به، كالطعام بالنسبة لمن بلغ أقصى حده في الشبع، فإنه يضر به؛ لأن الإسراف منهي عنه؛ لقوله تعالى: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. وفي هذه الحالة طلب منه أن يقوم بجميع الواجبات العبادية، وحرم عليه الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، ونحو ذلك مما حرم تحريمًا صريحًا واضحًا بأدلة شرعية، كشرب الخمر، وأكل الربا، وحذره من الوقوع في الشبهات التي تقع بين الحلال والحرام، ولا يقطع بإلحاقها بواحد منهما كلحوم الخيل، والبغال، والحمير، ونحوها. وأحسن صورة للمحافظة على النفس: أن يكون الإنسان في موقع التحسين والتزيين. الحالة الثانية: في موقع الحاجة: وهي أن يكون الإنسان في موقع الضيق والحرج والعسر، ولكنه لم يبلغ حد الضرورة، بل في مرتبة الحاجة، كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله، لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، ففي هذه الحالة خفف الله تعالى عنه ببعض الرخص، والرخصة: هي ما شرعه الله من الأحكام؛ تخفيفًا في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف، وأما العزيمة فهي: ما شرعه الله أصالة من الأحكام العامة، التي لا تختص بحال دون حال، ولا بمكلف دون مكلف في الحالة الأولى، والرخص شرعت دفعًا للمشقة. الحالة الثالثة: في موقع الضرورة: عرف الفقهاء الضرورة بتعاريف متقاربة المعنى عند الإمام الجصاص، وعند الإمام ابن قدامة، وعند الإمام السيوطي، والمالكية، وغيرهم، فقالوا: الضرورة أشد دافعًا من الحاجة، فالضرورة هي ما يترتب على عصيانها خطر، كما في إكراه الملجأ، وخشية الإهلاك جوعًا. أ. ضوابط الضرورة: لقد وضع الفقهاء ضوابط لحالة الضرورة، التي تبيح للمكلف الانتقال من المشقة إلى اليسر، ومن الضيق إلى السعة، وهذه لم تحظ كلها باتفاقهم: أولًا: ذكروا أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، بمعنى: أنه يحصل في الواقع خوف الهلاك والتلف على النفس، والأطراف ومنافعها، ويكون ذلك بغلبة الظن حسب التجارب، فإذا لم يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، فلا يجوز له الانتقال إلى درجة الضرورة، ولم يصح له مخالفة الحكم العام تحريمًا، أو إيجابًا، ويدل على هذا الضابط، قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرّ} [البقرة: 173] لأن الفعل الماضي يدل على حدوث الحدث حقيقةً، وإذا استعمل في المستقبل مجازًا، يكون أيضًا لقوة تأكد الحصول وتيقنه، كما في قوله تعالى: {أَتَىَ أَمْرُ اللّه} [النحل: 1]، بمعنى: يأتي. ثانيًا: ألا توجد لدى المضطر وسيلة أخرى لدفع الضرر، إلا باقتحام حظيرة المحرمات، بأن يوجد في مكان لا يجد فيه إلا ما يحرم تناوله، ولم يَكُ شيء من المباحات، أو المشتبهات يدفع به الضرر عن نفسه، أو عن أطرافه، حتى لو كان الشيء مملوكًا للغير لا يخاف فيه قطعًا، فلو وجد طعامًا لدى آخر، فله أن يأخذه بقيمته، وعلى صاحبه أن يبذله، فمن يستطيع في هذه الأحوال العادية أن يقترض من غيره بدون فائدة، أو البيع بالربا؟ ويؤخذ هذا الضابط من قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغ} [النحل: 115] على أحد تفسيريه، أي: غير طالب لأكله شهوة وتلذذًا. ثالثًا: ألا يخالف المضطر مبادئ الشريعة الإسلامية في الانتقال، من حالة إلى حالة أخرى. رابعًا: ألا يتجاوز حد الضرورة عند جمهور الفقهاء. خامسًا: أن يعتمد على وصف طبيب، عدل، ثقة في دينه، وعلمه في حالة ضرورة الدواء. سادسًا: يرى بعض العلماء أن يمر على المضطر للغذاء يوم وليلة، دون أن يجد ما يتناوله من المباحات، وليس أمامه إلا الطعام المحرم، وحجة صاحب هذا الرأي: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إباحة أكل الميتة، وأن يأتي الصبوح والغبوق، ولا يجد ما يأكله، أي: يأتي الصباح والمساء، ولا يجد الإنسان طعامًا. ب. حالات الضرورة: الضرورة إما أن تكون بإكراه من ظالم، وإما أن تكون بجوع في مخمصة ونحوه، وللضرورة أحوال كثيرة قد تصل إلى أربع عشرة حالة، تستوجب التخفيف على الناس، ومنها ضرورة الغذاء والدواء والإكراه، وبمقتضى مقصود المحافظة على النفس بشتى الطرق، وفي مختلف الدرجات والأحوال من الحالات العادية التي يسري فيها التشريع العام، إلى حالة الحاجة التي لم تصل مرتبة الضرورة، ثم إلى حالة الضرورة، ووضع له من القواعد والمبادئ والأحكام، لانتقاله من الحالات الصعبة والشدة القاسية إلى حالة السهولة واليسر؛ دفعًا للمشقة، وحفظًا للنفس متى وجد سبب لهذا الانتقال. ثانيًا: طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب العدم: الطريق الأول: تحريم الاعتداء على الأنفُس والأموال والأعضاء: مما لا شك فيه أن من أعظم المقاصد التي قصدت ببعثة الأنبياء -عليهم السلام- دفع المظالم من بين الناس، فإن نظامهم يفسد حالهم، ويضيق عليهم، فالمظالم على ثلاثة أقسام: تعدٍّ على النفس، وتعدٍّ على أعضاء الناس، وتعدٍّ على أموالهم، فاقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يزجر عن كل نوع من هذه الأنواع بزواجر قوية، تردع الناس عن ذلك، ولا ينبغي أن تجعل هذه الزواجر على مرتبة واحدة؛ لأن القتل ليس كقطع الطرف، ولا قطعَ الطرف كإتلاف المال، وأن الدواعي التي تنبعث منها هذه المظالم لها مراتب، فمن البديهي أن تعمد القتل ليس كالتساهل المؤدي إلى الخطأ، وأعظم المظالم القتل بغير حق، وهو أكبر الكبائر بإجماع أهل الملل قاطبةً، وهو تغيير خلق، وهدم بنيان، ومناقضة لما أراد الله في عباده من انتشار نوع الإنسان. موقف الشريعة الإسلامية من جريمة القتل: لقد جاءت الشريعة الإسلامية، ووجدت جريمة القتل بغير حق منتشرة بين العرب في جاهليتهم، وبين غيرهم من الأمم، وقد سلكت في معالجة هذه الجريمة الخطيرة مسلكين: المسلك الأول: التحريم القاطع بأدلة صريحة من التشريع المكي والمدني. المسلك الثاني: ترتيب الجزاء الدنيوي، والعذاب الأخروي على حصول الجريمة. تحريم قتل النفس بغير حق: فقد حرم الله تعالى الاعتداء على النفس بغير حق، واعتبر هذا الفعل من أكبر الكبائر بعد الكفر بالله، وجاء ذلك التحريم في كثير من الآيات بشتى أساليب النهي، ويُستفاد التحريم عند علماء الأصول من النهي، والتصريح بالتحريم والحظر والوعيد على الفعل، وذم الفاعل، ولفظة: لا يحل ولا يصح، ووصف الفعل بأنه فساد، أو من تزيين الشيطان، وعمله، وأن الله لا يحبه، ولا يزكي فاعله، ولا يكلمه، ولا ينظر إليه، ونحو ذلك من الأمور التي تفيد التحريم عند جمهور الأصوليين، ويستفاد التعليل عندهم من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب، كقوله تعالى: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وقوله تعالى: {الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فكما يفهم منه وجوب القطع والجلد، يفهم منه كون السرقة والزنا علة، وأن الوجوب كان لأجلهما، مع أن اللفظ من حيث النطق لم يتعرض لذلك، بل يتبادر إلى الفهم من فحوى الخطاب. فلو رجعنا إلى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، لوجدنا معظم أساليب النهي المتقدمة مستعملة في طلب الاعتداء على الأنفس بغير حق، مع إضافة الحكم إلى الوصف المناسب لترتيب عقوبتي الدنيا والآخرة، فقد ورد النهي والتصريح بالتحريم في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ} [الأنعام: 151]. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَوْلادَكُمْ} [الأنعام: 151]، ووصف الفعل بأنه كان خِطأً كبيرًا، وفي هذا ذم للفعل والفاعل معًا، كما أنه مدح تارك قتل النفس بغير حق، في قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرّحْمَـَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرْضِ هَوْناً} [الفرقان: 63]، إلى أن قال: {وَلاَ يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ} [الفرقان: 68]، ومدح تارك الإجرام يستلزم ذم فاعله، وجاء الوعيد الشديد على الفعل، في قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93]. بأنه من تزيين الشيطان وعمله، قوله تعالى في قصة ابني آدم: {فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} [المائدة: 30]، ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {قَالَ هَـَذَا مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ إِنّهُ عَدُوّ مّضِلّ مّبِينٌ} [القصص: 15]، وعدم محبة الله لقاتل النفس بغير حق واضحة من قوله تعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87]. وكلمة: لا يحل، وردت في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد: أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). وأما الكفارة فقد وجبت في القتل الخطأ باتفاق العلماء، وفي وجوبها في قتل العمد وشبه العمد خلاف بينهم، فهذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تدل على تحريم القتل بغير حق، دلالة لا يشك في ذلك مسلم. يقول العز بن عبد السلام -رحمه الله-: “المفاسد ثلاثة أقسام، أحدها: ما يجب درؤه، فإن عظمت مفسدته وجب درؤه في كل شريعة، وذلك كالكفر، والقتل، والزنا، والغصب، وإفساد العقول”. فتحريم الاعتداء على الأنفس، يكاد يكون طلب تركه، ورد بكل أساليب النهي الواردة في القرآن والسنة؛ لأن قتل النفس من أعظم المفاسد بين الناس، ولذا أجمعت الأمة على تحريمه، وكذا جميع الديانات والملل إلا في حالات خاصة، وأما الوصف المناسب الذي أضيف إليه القصاص، فهو وصف القتل بكونه عمدًا عدوانًا، فهذا الوصف مناسب لعقوبة القصاص، ومناسب لعقوبة الآخرة، فمجرد القتل المطلق ليس بعلة في ترتيب عقوبة القصاص وعذاب الآخرة. الطريق الثاني: العقوبة الدنيوية: بعد أن أوضحت الشريعة الإسلامية جريمة الاعتداء على الأنفس، وحرمتها تحريمًا قاطعًا، حتى صار التحريم معلومًا بالضرورة، رتب العقوبات المناسبة لكل فعل، مع ملاحظة الدوافع والآثار، فالأصل المجمع عليه في جميع الأديان أن قتل النفس لا يجوز إلا لمصلحة كلية، لا تتأتى بدونه، ويكون تركها أشد فسادًا منه، كما في قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191]. وعندما تصدى الرسول صلى الله عليه وسلم للتشريع، وضرب الحدود، وجب أن يضبط المصلحة الكلية المسوغة للقتل، ولو لم يضبط وترك الناس سدى؛ لقتل منهم من ليس قتله من المصلحة الكلية؛ ظنًّا أنه منها، فضبط بثلاث: القصاص فإنه مزجرة، أي: زاجر، وفيه مصالح كثيرة، وقد أشار الله إليها بقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ} والثيب الزاني؛ لأن الزنا أكبر الكبائر في جميع الأديان، وهو من أصل ما تقتضيه الجِبِلة الإنسانية، فإن الإنسان عند سلامة مزاجه يخلق على الغيرة، أن يزاحمه أحد على موطوءته كسائر البهائم، إلا أن الإنسان استوجب أن يعلم ما به إصلاح النظام فيما بينهم، فوجب عليهم ذلك، والمرتد اجترأ على الله ودينه، وناقض المصلحة المرعية في نصب الدين، وبعثة الرسل، فهذا الحصر جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). ومفهوم الحصر يدل على أنه لا يحل بغير هذه الثلاث، ولكن عموم هذا المفهوم مخصص بما ورد من الأدلة الدالة على أن قتل المسلم يحل بغير هذه الثلاث، كمنع الزكاة، وترك الصلاة، عمدًا، وقطع الطريق، وقد تدخل هذه في الثلاث بالتأويل؛ لأن ترك الصلاة، ومنع الزكاة يدخلان في ترك الدين، وقطع الطريق إن قتل يكون داخلًا في قتل النفس بغير حق، وإلا كان من المفارق للجماعة، كالباغي. أنواع الجناية على النفس بالقتل: قسم الجمهور قتل النفس إلى ثلاثة أنواع: أولًا: العمد المحض: هو القتل الذي يقصد فيه إزهاق روحه بما يقتل غالبًا، جارحًا أو مثقلًا، كالحديد، أو ما يمور في اللحم مور الحديد كالحجارة، والخشب، وهذا يوجب القصاص، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: “العمد الموجب للقَوَد، والمقصود بالقود هنا: القصاص، ما قتل بحده من حديد، وغيره، إذا مار في اللحم مورًا، ولا يكون ما قتل بثقله، أي: ألمه من الأحجار والأخشاب عمدًا، ولا يوجب قودًا، وما عليه الجمهور هو الرأي الأول، وهو أقوى حجة وأولى بالاعتبار، ويلائم مقاصد الشارع من شرع عقوبات. ثانيًا: القتل الخطأ: وهو ما لا يقصد فيه إصابته، فيصيبه فيقتله، كما إذا وقع على إنسان فمات، فهذا وما أشبهه إذا حدث عنه الموت يعتبر خطأً محضًا، يوجب الدية والكفارة دون القصاص. ثالثًا: شبه العمد: فهو: أن يقصد الشخص بما لا يقتل غالبًا فيقتله، كما إذا ضرب بسوط أو عصًا فمات، فلا قود عليه في هذا القتل، وتجب عليه الدية مغلظة، وأنكر الإمام مالك هذا النوع، وقسم الجناية إلى: عمد وخطأ فقط، فمن قتل بما لا يقتل غالبًا كالعضة، واللطمة، وضرب السوط، وشبه ذلك، فهو عند المالكية من العمد، ويوجب القود. وإنما جعلت درجات القتل على ثلاثة أنواع؛ لما أشرنا إليه من قبل إلى أن الزاجر ينبغي أن يكون بحيث يقوم الداعية، والمفسدة ولها مراتب، فلما كان العمد المحض أكثر داعيةً، وأشد فسادًا بما جمع من قصد الضرب، وقصد القتل؛ وجب أن يغلظ فيه بما يحصل زيادة الزجر، ولما كان الخطأ أقل فسادًا، وأخف داعية، وجب أن يخفف في جزائهم؛ لأنه مأخوذ به بمعنى التساهل، فلا ينبغي أن يبلغ به أقصى درجات العقاب، كما في القتل العمد المحض، بل المناسب له أقل درجات عقوبة القتل، واستنبط الرسول صلى الله عليه وسلم بين العمد المحض، والخطأ المحض نوعًا آخر، وهو شبه العمد؛ لمشابهته للعمد المحض من جهة، والخطأ المحض من جهة أخرى، فأُعطيَ حكمًا وسطًا، وهو تغليظ الدية مع التعزير، بما يراه الإمام زاجرًا من العودة إلى ذلك الفعل. وجوب القصاص: ويترتب على قتل النفس بغير حق: أنه إذا وقعت جريمة القتل العمد والعدوان، وكانت مستوفية الشروط في القاتل، والمقتول، والقتل؛ فإن هناك القصاص. مفهوم القصاص: فالقصاص يتلاقى معناه اللغوي مع معناه الشرعي، فهو في اللغة: المساواة بإطلاق، وفي الشريعة: المساواة بين الجريمة والعقوبة. ومن معانيه اللغوية: التتبع، ومنه قص أثره، بمعنى: تتبعه، وبينه وبين المعنى الشرعي تناسب؛ لأن القصاص يتتبع فيه الجاني، فلا يترك من غير عقاب رادع، ولا يترك المجني عليه من غير أن يشفي غيظه، فهو تتبع للجاني بعقاب وللمجني عليه بالشفاء، والقصاص يكون في النفس، ويكون أيضًا في الأطراف. أدلة مشروعية القصاص: قد شرع الله القصاص، في التشريع المكي مجملًا كحق لولي الدم، ومفصلًا في التشريع المدني، فقال تعالى: {بِالحَقّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فّي الْقَتْلِ إِنّهُ كَانَ مَنْصُوراً} [الإسراء: 33]، فالسلطان المذكور في الآية، هو حق ولي الدم في القصاص، ثم جاء التشريع المدني مفصلًا أحكامه، ومبينًا مقاصده، فقال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178]، إلى أن قال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَأُولِي الألْبَابِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} [البقرة: 179]، ففي هذه الآية بين الله تعالى حكم القصاص؛ لقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} وهو لفظ يدل على الوجوب، وبين الله تعالى أن القصاص يكون في القتلى: الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. فالقصاص يعني: التكافؤ، وأن يجعل اثنان في درجة واحدة من الحكم، لا يفضل أحدهما على الآخر في القتل مكانه، ثم أثبتت السنة أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الحر لا يقتل بالعبد، والذكر يقتل بالأنثى، هذا ما عليه الجمهور، وبين الله تعالى حكمَ العفو، وهو يشمل العفو على الدية، والعفو بدون مقابل وأخيرًا: بين الغاية والحكمة من إيجاب القصاص؛ لأن فيه حياة، فقد جعل مكانًا وظرفًا للحياة، وذلك لأنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله؛ فتثور الفتنة، ويقع بينهم التشاجر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة، وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع علم بالاقتصاص من القاتل؛ لأنه إذا هم بالقتل، فعلم أنه يقتص منه ارتدع. وجاء في معرض بيانه أن القصاص كان مكتوبًا على بني إسرائيل في التوراة، ثم حرفوها وبدلوها، فقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنّ النّفْسَ بِالنّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالاُذُنَ بِالاُذُنِ وَالسّنّ بِالسّنّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]، فهذه الآية بينتْ حكم القصاص في النفس والأطراف، قال ابن عباس -رحمه الله-: “يريد: وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، يريد من قتل نفسًا بغير قود قِيد منه، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو القصاص، وروي عنه أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، فنزلت هذه الآية”. وأما الأطراف: فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس، يجري القصاص بينهما في جميع الأطراف، إذا تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس، امتنع أيضًا في الأطراف، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في جميعها، فقال: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} وهو كل ما يمكن أن يقتص منه، مثل الشفتين، والذكر، والأنثيين، وغيرهما، وأما ما لا يمكن القصاص فيه من رضخ في لحم، أو كسر في عظم، ففيه أرش وحكومة. هناك أيضًا أحاديث نبوية كثيرة تدل على مشروعية القصاص: فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من قُتِلَ له قتيل، فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي، وإما أن يقتل))، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال تعالى لهذه الأمة: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىَ بِالاُنْثَىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]. فهذه الأحاديث تدل على ثبوت القصاص، والعفو، والدية. وعلماء الشريعة الإسلامية مجمعون على مشروعية القصاص في النفس وفي الأطراف، ومشروعية العفو والدية. والقصاص جاء في الأديان جميعًا؛ لأن فيه العدالة التي لا يمكن أن يتصور العقل أمثل منها، وفيه مزايا كثيرة لا توجد في عقوبة الحبس، أو نحوه من العقوبات. فمن ضمن المزايا: أولًا: أنه جزاء وفاق للجريمة، فالجريمة اعتداء متعمد على النفس، فتكون العدالة أن يؤخذ بمثل فعله. ثانيًا: أن القصاص يلقي في نفس الجاني عند همه بارتكاب الجريمة، أن الجزاء الذي ينتظره هو مثل ما يعمله، وأن ذلك الإحساس إذا قوي قد يمنعه من ارتكاب الجريمة. ثالثًا: أن القصاص يشفي غيظ المجني عليه، ولا يشفيه سجنه مهما كان مقداره، بل يشفيه أن يتمكن من أن يصنع بالجاني مثل ما صنع به هو أو وليه. فهذه المزايا، تجعل القصاص خير وسيلة للمحافظة على النفس، بدفع أعظم المفاسد عنها، وعن أطرافها، ولا يغني ذلك عن أي بديل، إذا لم يكن عفوًا برضا من المجني عليه. العفو عن القصاص: فهنا مراد به العفو عن معاينة الترك والإسقاط، فقال تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مّن رّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ}، فهذه الآية دليل على مشروعية العفو في القصاص؛ رحمة بهذه الأمة، يقول صاحب (الكشاف): “لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص ألبتة، وحرم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو، وحرم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة بين الثلاث: القصاص، والدية، والعفو؛ توسعة عليهم، وتيسيرًا”. وفي السنة النبوية، جاءت مشروعية حق العفو، في قوله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي، وإما أن يقتل))، رواه الجماعة. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن أصيب بدم أو خَبَل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العَقْل -يقصد بها الدية- أو يعفو، فإن أراد رابعةً، خذوا على يديه)). فهذه النصوص أثبتت مشروعية العفو.

error: النص محمي !!