Top
Image Alt

طرق الوحي

  /  طرق الوحي

طرق الوحي

وطُرق الوحي ثلاث ذكَرها الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} [الشورى:51].

 فإما أن يكون منامًا، ورؤيا الأنبياء وحي، كما حدث كثيرا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكما حدث لإبراهيم عليه السلام في قصة ذبح إسماعيل. أو أن يأتيه الملَك في النوم، وعدّ من هذا قوم سورة الكوثر، وليس صوابًا.

 وإما أن يكون كلامًا من وراء حجاب، كما حصل لموسى عليه السلام، وبعض أهل العلم يدخل فيه ما حصل بالمعراج للنبي صلى الله عليه وسلم، عند من يقول بكونه يقظة.

وقيل: أو أن يكلمه الله في النوم، كما في حديث معاذ: ((أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟)) الحديث؛ وهو غير صريح في ذلك.

وليس في القرآن من هذا النوع، وهو الكلام من وراء الحجاب، شيء.

 وإما أن يكون بإرسال رسول، مثل إرسال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم. ووحي القرآن كله من هذا القبيل، وهو المصطلح عليه بالوحي الجلي. قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمِينُ (193) عَلَىَ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مّبِينٍ} [الشعراء:193-195].

ولذلك طرق ثلاثة:

الأول: أن يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه على النبي صلى الله عليه وسلم، فيفصم عنه، وقد وعى ما يقول.

كما في الصحيح: عن عبد الله بن عمر: سألت النبي: هل تحس بالوحي؟ فقال: ((أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك. فما من مرة يوحَى إليّ إلا ظننت أن نفسي تُقبض)).

قال الخطابي: “والمراد أنه صوت متدارك يسمعه، ولا يبين له أول ما يسمعه، حتى يفهمه بعد. وقيل: هو صوت خفق أجنحة الملك. والحكمة في تقدمه أن يفرغ سمعه للوحي، فلا يبقي فيه مكانًا لغيره”.

ومنها: الحديث الذي يرويه البخاري في (صحيحه)، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ((أن الحارث بن هشام سأل رسول الله فقال: يا رسول الله. كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملَك رجلًا فيكلمني، فأعي ما يقول. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقًا)).

وفي هذا الحديث: أن هذه الحالة أشد حالات الوحي عليه. وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا، إذا نزلت آية وعيد وتهديد.

الثاني: أن يتمثل له رجلًا فيكلّمه فيعي ما يقول، كما في الحديث السابق. زاد أبو عوانة في صحيحه: ((وهو أهونه عليّ)).

وكان كثيرًا ما يأتيه في صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان رجلا جميلًا. وربما أتاه في صورة أعرابي، كما في الحديث المشهور في الإسلام والإيمان والإحسان.

الثالث: أن ينفث في روعه ما يريد، فيعيه النبي صلى الله عليه وسلم.

كما قال: ((إن روح القدس نفث في روعي))، أخرجه الحاكم. وهذا قد يرجع إلى الحالة الأولى أو التي بعدها، بأن يأتيه في إحدى الكيفيّتيْن، وينفث في روعه.

وقد نزل للنبي صلى الله عليه وسلم غير جبريل: ملَك الجبال، كما في قصة عرض نفسه صلى الله عليه وسلم على أشراف الطائف. ونزل عليه ملَكٌ بشّره بـ(الفاتحة) وخواتيم سورة (البقرة)، وأنهما لم يؤتَهما نبي قبله، كما في حديث ابن عباس في صحيح مسلم، وغير ذلك…

ويظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة في حال الوحي، فيغطّ غطيط النائم، ويغيب غيبة كأنها غشية أو إغماء، وما هي في شيء من الغشية والإغماء، إن هي إلا استغراق في لقاء الملَك الروحاني، وانخلاع عن حالته البشرية العادية؛ فيؤثر ذلك على الجسم فيغط ويثقل ثقلًا شديدًا قد يتصبب منه الجبين عرقًا في اليوم الشديد البرد. وقد صحت بذلك الأحاديث، حتى إن الراحلة لتبرك من ثقل النبي صلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!