Top
Image Alt

طرق تحمل الرواية

  /  طرق تحمل الرواية

طرق تحمل الرواية

الراوي إما أن يكون صحابيًّا أو غير صحابي، والراوي الصحابي قد سبق بيان كيفية روايته للأخبار، وأنها على مراتب خمس.

1. مفهوم التحمل والأداء:

التحمل: هو أخذ الطالب الحديث عن الشيخ.

الأداء: هو نقل الشيخ الحديث إلى الطالب.

2. شروط التحمل والأداء:

شروط التحمل:

قال أهل العلم: يُشترط في التحمل أن يكون المتحمل مميزًا، بمعنى أن يفهم الخطاب وأن يكون بقدرته ذاكرًا للجواب، سواء كان في وقت تحمله صبيًّا أم بالغًا، وسواء كان مسلمًا أم كافرًا، فرواية المسلم البالغ ما تحمله في حال الكفر، ورواية الصبي مقبولة عند الجمهور إذا ما بلغ، وذلك خلافًا لمن قال: لا تقبل رواية البالغ ما تحمله في زمن الصبا، وما ذهب إليه الجمهور هو الصواب؛ لأسباب:

الأول: اتفاق السلف على قبول رواية أصاغر الصحابة رضي الله  عنهم مثل: الحسن، والحسين، وابن الزبير، وابن عباس، والنعمان بن بشير، والسائب بن يزيد وغيرهم، من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده.

الثاني: أن أهل العلم كانوا يحضرون الصبيان مجالس الحديث ويعتدون بروايتهم بعد البلوغ، فلو لم تكن روايتهم بعد البلوغ مقبولة لما تحملوه في زمن الصبا لما كان لحضورهم مجالس الحديث فائدة كبيرة.

الثالث: أن شهادة البالغ لما سمعه قبل البلوغ مقبولة ومعتد بها فكذلك الرواية.

ومن أمثلة ما تحمل في حال الكفر: حديث جبير بن مطعم: ((أنه سمع النبي صلى الله عليه  وسلم يقرأ في المغرب بالطور)) يعني: بسورة “الطور”، وكان جاء في فداء أسرى بدر قبل أن يُسلم هذا جبير بن مطعم سمع النبي صلى الله عليه  وسلم يقرأ في صلاة المغرب بسورة “الطور”، وجبير في هذه الأثناء كان كافرًا، وفي رواية للبخاري: ((وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي)) كلام جبير، فلما أسلم روى لنا هذا الحديث.

شروط الأداء:

قال أهل العلم: يشترط في الأداء شروط:

الشرط الأول: الإسلام.

الشرط الثاني: البلوغ.

الشرط الثالث: العقل.

الشرط الرابع: الضبط.

الشرط الخامس: العدالة.

3. مراتب رواية غير الصحابي للأخبار:

أما الراوي غير الصحابي، فكيفية روايته للأخبار تأتي على أربع مراتب أوردها ابن قدامة -رحمه الله- في (روضة الناظر)، وهذه المراتب الأربع هي:

المرتبة الأولى: قراءة الشيخ على الراوي.

المرتبة الثانية: قراءة الراوي على الشيخ.

المرتبة الثالثة: ما تُعرف بالإجازة.

المرتبة الرابعة: ما تعرف بالمناولة.

المرتبة الأولى والثانية من طرق تحمل الرواية لغير الصحابي:

المرتبة الأولى: قراءة الشيخ على الراوي، هي أعلى المراتب، قال أهل العلم: وهذه الرتبة هي أعلى المراتب وأقواها.

وقالوا في سبب علوها وقوتها: لأنه هو طريق رسول الله صلى الله عليه  وسلم فهذا حال النبي وشأنه؛ فكان يحدث أصحابه بالأحاديث، فيسمعونها، ثم ينقلونها بعد ذلك ويقولون: سمعنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول كذا، أو أخبرنا بكذا، أو حدثنا بكذا، أو شافهنا بكذا. فهذه الرتبة أبعد من الخطأ والسهو وأعلى المراتب؛ لأنها كانت طريقة النبي صلى الله عليه  وسلم.

وكون هذه الرتبة هي أعلى المراتب هو مذهب المحدثين، ومذهب أكثر الأصوليين، وهو الذي صححه ابن الصلاح في مقدمته، وصححه ابن الحاجب في كتاب (المنتهى).

وهناك مذهب ثان، وهو أن قراءة الشيخ على الراوي وقراءة الراوي على الشيخ على السواء، لا فرق بينهما، وهذا المذهب مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة، وهو مروي عن الإمام مالك، كما صرح بذلك ابن الصلاح في مقدمته.

والراجح هو المذهب الأول -مذهب الجمهور- ولهذا أجاب أصحاب المذهب الثاني على ما قاله أصحاب المذهب الأول بأن قراءة الشيخ على الراوي أعلى بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه  وسلم خاصة، فكأن هذا دليل المذهب الثاني؛ لكونه مأمونًا من السهو.

ولكن ما الحكم إن لم يقصد الشيخ إسماع هذا الراوي لا منفردًا ولا مع جماعة، فهل له أن يقول: حدثني، وأخبرني، أو حدثنا، وأخبرنا؟

الراجح: أنه ليس له ذلك؛ لأن الشيخ لم يقصد إسماعه، لا منفردًا ولا مع الجماعة، وإذا قال: حدثني، أو أخبرني، أو حدثنا، أو أخبرنا؛ فكأنه يكذب على شيخه، ولكن له أن يقول: سمعته يقول كذا، أو يقول: قال فلان كذا، أو يقول: سمعته يحدث بكذا -يعني يحدث غيره- أو يخبر بكذا أو نحو ذلك، وهذا ما ذكره كثير من الأصوليين كالآمدي في كتاب (الإحكام) والإسنوي في كتاب (نهاية السول).

إذن الرتبة الأولى -وهي قراءة الشيخ على الراوي- إذا أراد الراوي أن يحدث، وأن ينقل ما سمعه من الشيخ، فله أن يقول: أخبرني أو حدثني، إذا كان منفردًا، أو يقول: أخبرنا أو حدثنا، إذا كان في جماعة، لكن لو لم يقصده الشيخ بالإسماع فله أن يقول: سمعته يقول كذا، أو قال فلان كذا، أو سمعته يحدث بكذا.

المرتبة الثانية: قراءة الراوي على الشيخ، ومهمة الشيخ في هذه الحالة أن يسمع للقارئ ويعرف: هل يقرأ صوابًا، هل أسقط شيئًا مما يقرأ، هل ما يقرؤه الراوي أو الطالب أو التلميذ فيه بعض الأخطاء؛ فيصوبها له، أو يصححها له.

فحاصل هذه المرتبة: أن يقرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، فيقول الراوي للشيخ بعد الفراغ من القراءة: هل سمعت أيها الشيخ؟ فيقول الشيخ: نعم. أو يقول الشيخ: الأمر كما قرئ علي، ففي هذه الحالة تجوز الرواية عنه مع العمل بذلك بالاتفاق.

مسائل:

إن قال الراوي للشيخ بعد الفراغ من القراءة -وهذه الصورة الثانية: هل سمعت أيها الشيخ؟ فسكت الشيخ، لم يقل: نعم ولم يقل: الأمر كما قرئ علي. وسكوته يجعلنا نتوقف: هل من حق الراوي أو القارئ على الشيخ أن يخرج بعد ذلك ويقول: حدثني فلان أو أخبرني فلان؟

ولذلك في هذه الحالة اختلف أهل العلم: فذهب جمهور العلماء إلى أنه تجوز الرواية عنه، واستدل الجمهور على أن سكوت الشيخ لا يمنع من رواية الخبر عنه، ومن صحة ما قرأه عليه الراوي بقولهم: إنه لو لم يكن ما قرأه الراوي صحيحًا لما سكت الشيخ، بل لاعترض على الخطأ منه، فالعهد بالشيخ أنه لا يسكت على خطأ، فما دام الشيخ قد أقر الراوي على ما قرأه وسكت؛ فهذا دليل على أنه موافق على صحة ما قرأه الراوي.

أما عن الصيغة التي يحدث بها الراوي في هذه المرتبة، فأن يقول: أنبأنا فلان قراءة عليه -يعني: قرأنا عليه، فصوّب قراءتنا وأقرنا عليها- أو يقول: حدثنا فلان قراءة عليه، أو يقول: أخبرنا فلان قراءة عليه، وهذا باتفاقٍ؛ ولهذا يقول ابن قدامة: “وهذا يسلط الراوي على أن يقول: أنبأنا وحدثنا فلان قراءة عليه”.

وعدم الجواز هو مذهب كثير من العلماء. ودليلهم على ذلك هو القياس. وبيان ذلك: أن هذا الراوي لا يجوز بالاتفاق أن يقول: “سمعت من فلان كذا” فكذلك لا يجوز أن يقول: “أخبرنا أو حدثنا فلان”.

هل ثمة فرق بين “حدثنا” و”أخبرنا” و”سمعت”؟

وقد ذكر ابن قدامة مسألة، ونصها هو: “وكذلك إذا قال الشيخ: أخبرنا، أو حدثنا، هل يجوز للراوي عنه إبدال إحدى اللفظتين بالأخرى؟”.

اختلف العلماء في ذلك، وللإمام أحمد في المسألة روايتان:

الرواية الأولى: فإنه لا يجوز. ذكر هذه الرواية الفتوح الحنبلي في (شرح الكوكب المنير) وابن تيمية في (المسودة)، وهو مذهب بعض العلماء.

ودليل هذه الرواية -عدم الجواز: أنه يحتمل أن يكون الشيخ من الذين لا يرون التسوية بين “أخبرنا” و”حدثنا”، فيكون كذبًا عليه، وأنه يرى فرقًا بينهما.

وحقًّا هناك فرق بين “أخبرنا” و”حدثنا”، فكلمة “أخبرنا” أعم من كلمة “حدثنا”، فلفظ “أخبرنا” تصلح لما سمع من لفظ الشيخ، وتصلح لما قرئ على الشيخ فأقر به، أما لفظ “حدثنا” فهي لا تصلح إلا لما سمع من لفظ الشيخ.

الرواية الثانية: أنه يجوز أن يبدل الراوي كلمة “أخبرنا” بكلمة “حدثنا”، ويجوز العكس.

ودليل الجواز هو أن معنى “حدثنا” و”أخبرنا” متحدٌ في اللغة؛ ذلك لأنه مشتقٌ من الخبر والحديث، وهي واحدة.

مسألة أخرى ذكرها الشيخ ابن قدامة رحمه الله: إذا قال الشيخ: “حدثنا” أو “أخبرنا”، فهل يجوز للراوي أن يبدل ذلك بلفظ “سمعت”؟

خلاف بين العلماء على آراء:

الرأي الأول: وهو الرأي الصواب والراجح: أنه لا يجوز، بل هو المذهب الوحيد الذي أورده ابن قدامة في المسألة؛ حيث قال: فقد قيل: لا يجوز للراوي أن يقول: “سمعت” مكان “حدثنا” و”أخبرنا”.

والدليل على أنه لا يجوز: أن يبدل الراوي لفظ الشيخ “أخبرنا” و”حدثنا” بلفظ “سمعت” أن لفظ “سمعت” مشعر بأن شيخه هو الذي تولى القراءة بنفسه -أي: أنه هو الذي نطق- وذلك خلاف الحقيقة، وإن كان مخالفًا لحقيقة الأمر الواقع فهو كذب.

ويستثنى من ذلك: ما إذا صرّح الراوي بقوله، أو علم بقرينة حاله أنه يريد بقوله وهو: “سمعت فلانًا” القراءةَ على الشيخ، دون سماع حديثه. وابن قدامة -رحمه الله- لم يذكر في المسألة إلا رأيًا واحد، وهو الصواب، ونحن نوافقه على ذلك: أنه ليس للراوي أن يبدل كلمة “حدثنا” و”أخبرنا” بكلمة “سمعت”؛ لأن لفظ “سمعت” مشعر بأن شيخه هو الذي تولى القراءة بنفسه، وذلك خلاف الحقيقة. وفي هذا الدليل يقول ابن قدامة في (الروضة): لأنه يشعر بالنطق، يعني: لفظة “سمعت” يشعر بأن الشيخ نطق بالفعل، وذلك كذب؛ لأن الواقع ونفس الأمر أن الشيخ لم ينطق، إلا إذا علم بصريح قوله أو بقرينة أنه يريد القراءة على الشيخ.

error: النص محمي !!