Top
Image Alt

طرق نقل واقتباس المعلومات من المصادر والمراجع

  /  طرق نقل واقتباس المعلومات من المصادر والمراجع

طرق نقل واقتباس المعلومات من المصادر والمراجع

جَهَّزنا البِطاقَات … وعرفنا كَيفيّة استعمال هذه البِطاقَات … وتَمكَّنّا مِن مَعْرفة الواجِبات التي يجب علينا أن نَلتزمها ونحن نأخذ بهذه البِطاقَات … عندئذٍ سننتقل نَقْلة أخرى تُقَرِّبنا جدًّا من جَوّ البَحْث الذي نُريد القيام به، وتُوصِلنا إلى المَادة الخَام التي يُبنى منها البَحْث، وهي أشبه بمواد البناء، التي يعْتَمد عليها المُهندس في تَنفيذ التَّصميم الذي وضَعه للبناء.

فوضْع التصميم أولًا طَريقة نَظرية، ثم مواد البناء لكي يَصبّها في داخل هذا التَّصميم الذي وضَعه. ونحن عيّنّا المَوضُوع، واخترنا عُنْوانه، وأحضرنا المَصادِر، وعَرفنا كَيفية التعامل معها، وتَدْوين بياناتها، وأحضرنا البِطاقَات التي سنكتب عليها، عِندئذٍ سننتقل إلى مسألة أخرى مُهمّة جدًّا، وهي: طُرق نقل المَعْلُومات من المَصادِر.

كيف أستفيد من المَصادِر؟ كيف آخذ منها النُّصوص؟ كيف أختار المادة العِلمِية؟ كيف أدَوّن هذه المادة العِلمِية؟ هنا نحن أمام صور متعدّدة:

الصورة الأولى: نقُل النَّص كامِلًا:

وهي ضَرورة تتحتّم في عدد من الحالات:

مثلًا: إذا كُنت أنقل نَصًّا من القرآن الكريم، أو من السُّنة النبوية المُطهّرة، فأنقل الآية بتمامها، وأنقل الحديث بتمامه، ولا يَصحّ أن أتصرف في هذا النَّص المُقدَّس؛ ولكن لا بدَّ من نَقْله كاملًا. وكذلك أفعل الشيء نفسه إذا كانت تَعْبِيرات المؤلِّف وكلماته ذات أهمية خاصة، أو له مُعْجَم خاص … له استعمال خاص بالمُصطلحات … دقيق جدًّا في التعبير؛ بحيث كلما حاولت أن أعبر عن رأيه، وجدت أن تعْبيري عن رأيه أقلّ من الدِّقة التي يتّصف بها نَصُّه وكَلامه، فعندئذٍ أنقل النَّص كاملًا. ثم أفعل الشيء نفسه إذا كانت تعبيرات المؤلف مؤدِّية للغَرض في سلامة وسلاسة ووضوح. وكذلك إذا كنت أخشى مِن تَحريف المَعْنى بالزيادة أو النُّقْصان، وبخاصة إذا كان مَوضُوعًا ذا حساسية خاصة، مثل: أن أنقل مثلًا تصريحًا سياسيًّا مثلًا، أو أنقل إحصائية مُعَيَّنة، أو أنقل مَوضُوعًا من مَوضُوعات الخِلاف التي يُمكن أن يؤدّي التعبير عنها إلى عَدم إدراك الفُروق بينها، عندئذٍ أنقل النَّص كما هو تمامًا. وكذلك يتحتّم اللجوء إلى هذه الطَّريقة، إذا كنت أورد نصًّا لكي أنقُضه، أو اعتَرض عليه، أو أخَالِف صاحِبه، عندئذٍ لا أكتفي أن أعبر عن المعنى، بل لا بدَّ من الإيراد للنَّص كامِلًا حتى أتمكَّن مِن الرَّد، والتَّعقيب، والتعليق على هذا النَّص.

ويُشتَرط للقيام بذلك ولهذا النوع من النَّقل: أنه لا بدَّ أن يُنْقل النَّص الأصلي بعباراته كما هي، وبعلاماته الإملائية، وحتى الأخطاء التي وَقَعَت مع تصحيح الأخطاء، بمعنى أنه إذا كان النَّص يعْرض لي مَعْلُومات قَديمة، أنقلها كما هي، ثم أصحِّح بوصفي في العَصر الحَديث، وأضع التصحيح بين قوسيْن مربّعيْن. ويتم هذا في المَخطوطات بطريقة أعلى وأكمل.

نُضِيف إلى ما سَبق أنه لا بدَّ في هذه الحالات كلها من نقْل النَّص كاملًا، وبعناية بالِغة؛ حتى ولو كان فيه خَطأ مِن وِجْهة نَظر البَاحِث، وعليه أنْ يَقوم بتَصحيحِه ووَضعِه بين قَوسين مُربعيْن [ ]، أو أن يُدَوَّن كما هو، ثم يُدَوَّن بين قَوسين مربّعين
[ ] كلمة: [هكذا] حتى يَعْلَم القارئ أن هذا رأي المؤلف، وأن البَاحِث لا يُشارِكه فيه. ويُمْكِن أن نَفْعَل ذلك بوَضْع تعْليق في الهامِش أيضًا؛ لأن ذلك يؤدّي إلى ضَبط المعلومات؛ لأنه كما سيتبيَّن فيما بعْد أن البَاحِث يُعَدُّ مَسئولًا عن كل رأي يَنْقُله ما دام لمْ يُعَلِّق عَليه، وهذه مسألة مُهمة جدًّا.

بعض الباحثين -وهم يُنَاقشون في أثناء البَحْث- عندما يَعْتَرض عليهم أحدُ أعضاء لجنة المُناقشة، يقولون: “هذا نَص مَنْقول”، والحق أنه ليس لهم ما يدعو إلى التَّعلل بهذا السبب؛ لأنهم إذا نقلوا النَّص فهم مَسئولون عنه، وإذا كان النَّص يَتَضمن أفكارًا أو معلوماتٍ لا يُوافِق البَاحِثُ المؤلفَ عليها، فإن عليه أن يُدَلِّل على ذلك بالتَّعْليق على هذا النَّص.

وإذا كان في النَّص خَطأ من وِجْهة نظر البَاحِث فعليه أن يُعَلِّق، أو أن يُصَحِّح، أو أن يَكْتُب كلمة “هكذا”، أو كلمة “كذا”؛ لأنه ربما كان صَحيحًا، ولكن البَاحِث لم يتَبيَّن له وَجْه صِحته. ويظهر هذا بصُورة واضِحة عند تَحْقيق المَخْطوطات؛ لأن المخطوطات قد تكون فيها بعض الكلمات مكتوبة بطريقة خَاطِئة، وربما يتضمّن النَّص نفسه معنىً خاطئًا، أو فكرة كانت سائِدة في عصر صاحب الكتاب الأصلي، وعندئذٍ يُكْتَب النَّص كما هو، ثم يُعَلق عليه، أو تُكْتَب كلمة [هكذا].

المهم: أن البَاحِث لا يتَصرَّف في النَّص ما دام في هذه الصُّورة التي نَتَحدَّث عنها الآن، وهي: أنه ينْقُل النَّص كاملًا لسبب مِن الأسباب الدَّاعية إلى ذلك. وعلى البَاحِث إذا اقتَبس جُزءًا من النَّص أن يتأكد عن طريق مُراجَعة النَّص أكثر مِن مَرة، أن الجُزء الذي اقْتَصر عليه واضِح المعنى، وأنّ اقتباسه له لا يؤدِّي إلى تَحْريف في فَهْم قَصْد المؤلف، أو تَشويهه، وأن يتأكد أن المؤلف لا يَذْكُره على سبيل الحِكاية عن أحد.

مثلًا: يأتي باحث ويأخذ نَصًّا من مؤَلَّفٍ لابن تيمية، وهذا الذي نَقَله عن ابن تيمية هو في الواقع وفي حقيقة الأمر رواية لأحد السَّابقين، وقد يكون النَّص قد بدأ قَبل ذلك بصَفحة أو صفحتين، أو أكثر من ذلك أحيانًا، فيأتي البَاحِث ويظن أن هذا النَّص مَنسوب لابن تيمية نفْسِه، ولكنه في حقيقة الأمر مَنسوب إلى أحد هؤلاء الذين يَحكي عَنهم ابن تيمية هذا القول، كالإمام أحمد، أو الأشعري، أو الطبري، أو أحد أعلام الفِرق السابِقة، أو أحد أعلام أهل السُّنة، أو نحو ذلك. وعندئذٍ ينْبَغي أنْ يتأكَّد من أن النَّص مَنسوب إلى المؤلف، وأن يتأكَّد أيضًا أنه لا يَذكُره على سَبيل الحِكاية لكي يَنْقُضه بعْد ذلك؛ لأنه ربما يَحْكِي النَّص، ثم يُعَلِّق عَليه، أو يُعقّب عليه. فالبَاحِث غير المُدرب أو المُتَعجِّل يأخُذ قِطعة من النَّص، ويَذكرها في بحْثه وهو يَظُن أنها تُمَثل رأي المؤلف، أو الرأي النهائي له، على حين أنّ المؤلف يَنْقُل هذا النَّص لكي يُناقِشه ويُعَلِّق عَليه، وربما يذكر العَدِيد من الأدلة على نقْض الرأي الذي جاء فيه، فإذا لم يكن البَاحِث على تَنبُّه من هذه المسألة فإنه يُمْكِن أن يُضِيف إلى المُؤلِّف ما ليس من قوله، ومن الآراء ما ليس من آرائه.

وهذه المَسألة تحتاج إلى العِناية، وتحتاج إلى التبصر، وتحتاج إلى أن لا يتسرع البَاحِث في النقل، وإنما يجب عليه أن يقرأ قَبل الفقرة التي سيأخذها، أو قَبل النَّص الذي سيقْتَبسه، يَقْرأ قَبْله، ويَقْرأ بَعْدَه حتى يتأكّد من أنه يَنْقُل نَقلًا صحيحًا؛ حتى لا يَنْسب الآراء إلى غير أصحابها. وهذا أمر يَنْبَغي العِناية به وملاحظته جَيدًا؛ حتى لا يؤدّي هذا إلى وقُوع أخطاء في الآراء التي يَنْقُلها هذا البَاحِث.

وعلى البَاحِث إذا كان قد نَقَل النَّص كاملًا دون حَذْف منه، أو صِياغَة له بأسلوبه الخَاص، أن يضَع النَّص بين قَوسيْن؛ لا بدَّ أن يتأكد من أنْ يَضَع النَّص بين قوسيْن صغيريْن في أوّل النَّص، وقوسيْن صغيريْن في آخر النَّص؛ حتى يتَبيَّن الحَد الذي يَشْغَله النَّص في الكتابة. وإذا لمْ يَفْعَل ذلك، فإنه قد يُتَّهَم بسَرِقة أقوال الآخرين، ونِسْبَتها إلى نَفسه.

ثم عند انتهاء النَّص يُشِير إشارة مباشرة في الهامش إلى اسم المؤلف، واسم الكتاب، والجزء، والصفحة: هذه مسألة مُهمّة لكي تُوثَّق الأقوال، ونَعْرف أوّلها وآخِرها، ونَعْرف ما أخذَه منها، وما تَركه منها. فلا بدَّ أن تُوضَع بين أقواس، هذه واحدة. ثم لا بدَّ من الإشارة في الهامش إشارة مُباشرة، لا نقول: “انظُر”، أو “راجِع”، وإنما يذكر اسم المؤلِّف، والكتاب، والجزء، والصفحة، بطريقة مُباشرة. وإذا أحسّ البَاحِث أن النَّص طويل، وأنه لا حاجَة له إلى نَقْل كلّ تفصِيلاته، ومعْلوماته، فإنه يُمْكِن له أن يحْذف منه ما لا حاجَة له فيه، وعليه عندئذٍ أن يضع مكان الجزء المَحْذوف ثلاث نُقَط (…)، إذا وضع اثنتيْن يَصير خَطأً، وإذا وضَع واحدة يكون خطأً؛ لا بدَّ أن يضع ثلاث نقط، في مَوضِع الجُزء المَحذوف، ليُشْعِر القارئ بأنه حذِفَ من النَّص شيئًا.

وقد يتكرر هذا في النُّصوص الطويلة، ولكن على البَاحِث في مثل هذه الحالة أن يَلزَم جانب الحَذر بأن لا يَحْذِف شيئًا مُهمًّا، بل يَحْذِف فقط ما لا ضَرورة له للفِكرة التي يَهْتَم بها، كأن يكون هذا الذي يَحْذِفه استطرادًا من المُؤلّف، أو دُخولًا في تَفْصيلات فَرعية لا يَحْتَاج إليها في بَحْثه، وإن كان المؤلّف قد ذَكرها.

ولا يَصحُّ له في كلّ الأحوال أن يَحْذِف جُزءًا جَوهَريًّا من النَّص. يَنْبَغي أن نُلاحظ أن عليه أيضًا أن لا يَحْذِف ما يؤدِّي إلى غُموض المَعنى أو إلى سُوء فَهم النَّص. فإذا لاحظ ذلك بدِقَّة وعِناية فإن من حَقِّه أن يَحْذِف ما لا ضَرورة له، مع وضْع النَّص حتى بعْد حَذْف ما حُذِف منه بين قوسيْن أيضًا، ووضْع ثلاث نُقَط في مَحل النُّصوص المَحذوفة.

ويَنْبَغي كذلك عند الاقْتِباس أن يُراعيَ أنْ لا يكون الاقْتِباس طَويلًا جدًّا بالِغ الطُّول؛ لأن ذلك يؤدّي -وخصوصًا عند تَكْرار الاقْتِباسات الطويلة- إلى غِياب شَخصية البَاحِث؛ حتى لَيبدو وكأنه غَيرُ مَوجود في البَحْث، أو كأنَّ دَوره هو أن يَنْقُل أقوال الآخرين دون أن يكون له أي ظُهُور في بحْثه؛ وهذا عَيب يَنْبَغي أن يَتَحرَّز البَاحِث منه، وأن يتَجَنَّبه حتى تبدوَ شَخْصيته العِلمية في البَحْث الذي سيُنْسَب إليه. ويرى بعض الباحثين أن الاقْتِباس الواحد لا يَنْبَغي أنْ يزيد على بِضْعَه أسطُر، أو نِصْفِ صَفحة، وربما سَمَح بعْضُهم بما هو أكثرُ قَليلًا من ذلك؛ ولكن النَّصيحة هي: أنه إذا طال النَّص أكثر من ذلك، على البَاحِث أن يَتَصرَّف فيما يَزيد، بالاختِصار وإعادة الصِّياغة حتى لا تطغى النُّصوص المُقْتَبسة على البَحْث. هذه هي الحالة الأولى التي نَتَحَدَّث عنها، وهي الحالة أو الصورة التي يُذْكَر فيها النَّص كاملًا، ويُقْتَبس دون تَعْديل ولا تَغْيير. لا بدَّ من الوضع بين أقواس، الإشارة تكون إلى المَرجِع، أو اسم المؤلِّف مُباشرة من دون: “انظر”. إذا حذفنا شيئًا من دَاخل النَّص، فإننا نُشير إلى ذلك عن طَريق وضْع ثلاث نِقاط بَديلًا عن الجُزء المَحذوف من النَّص.

الصُّورة الثانية: إعادة النَّص الذي يُراد اقتباسه:

وذلك يَستَلزِم قِراءة النَّص الأصلي، وفَهمَه وهَضمَه، ثم إعادة صِياغَته بما لا يُخِلُّ بقَصد المُؤلف، وإلَّا كان ذلك خِيانة للنَّص؛ وفي هذا ما يتعارض مع الأمانة العِلْمية التي هي شرط من شروط البَحْث العِلمي. وتَخْتَلف الدَّوافِع الباعِثة إلى القيام بهذه الخُطوة -خُطوة إعادة الصياغَة، وليست الاقْتِباس الكامِل كما كان في الصورة الأولى- فربما كان الدَّافِع إليها ما في النَّص المُقْتَبس من طُول.

وربما كان الدافع إليها ما فيه من صُعوبَة وغُموض بحَيث يَتَعَذَّر على القارئ فَهْمُه إلا بمَشقَّة. بعض المؤلِّفين -وخصوصًا القُدامَى- قد يبدو في نُصوصِهم شَيء مِن الغُموض المَقْصود في بعْض الأحيان، فإذا أتينا بالنَّص كما هو فإن القارئ لنْ يَفْهَمَه، ولن يَستطيع أن يَتوصَّل إلى المَعاني الكامِنة من ورائه، أو المعاني التي يُريد المُؤلِّف إبرازَها وإظهارَها أمام القَارئ، وربما كان من الأسباب ضَعْف الصياغة الأصلية للنَّص، وهنا يَلجأ البَاحِث إلى إعادة صِياغة النَّص لتفادي ما فِيه من طُول أو غُموض، أو قَصد للإخفاء والإلغَاز والإبهام، فإذا قام البَاحِث بذلك؛ فإن عليه أن يُشير في الهامش إلى المَصْدر الذي اقتَبَس مضمون النَّص مِنه. ولا يُوضَع النَّص هنا الذي أعيدت صِياغته بين أقواس -هنا فَرق بين هذه الحالة والحالة السابقة- وعندما يُشير إليه في الهامش يَذكر ذلك مَسبوقًا بكَلمة: “انظر”، أو “راجِع”.

على سبيل المثال، يقول: انظر (مقدمة ابن خلدون)، أو راجِع: (إحياء علوم الدين)، أو (الموافقات) للشاطبي، أو (الكِتاب) لسيبويه، أو غير ذلك من الكُتب، إذا أعاد الصياغة يقول: “انظر”، أو يقول: “راجِع”، وكلمة “انظر” هنا أو “راجِع” مُهمّة؛ لأنها تُعلِم القارئ للبَحْث بأن النَّص لم يُذْكَر كما هو عليه في المَصْدر الأصلي، وإنما حَدث فيه شَيء من التَّعْديل، أو التَّحْوير في الصِّياغَة. وقد تكون هذه الإشارة الضَّرورية سَببًا في أن يقوم المُشْرف على البَحْث أو المُحكَّم في البَحْث لإجازة نَشره أو عَدم نَشره، أو القارئ له بالرجوع إلى النَّص الأصلي للتَّأكد مِن أن معناه لمْ يُصِبه أي تَحريف. وهذه مسألة مُهمّة؛ فبعض الباحثين، وخصوصًا في أوائل عَهدهم بالبَحْث العِلمي، قد لا يلاحِظ الفُروق بين هذه الصوَر التي نَتَحدَّث عنها الآن، ولكن يَنْبَغي أن نَتعوَّد على ذلك، وأن نَلتَزم به بدِقَّة؛ حتى نصل إلى مستويات عالية في صياغتنا لأساليب البَحْث العِلمي. وعلى البَاحِث في كل الأحوال أن يَفْهم النَّص فَهمًا كاملًا دَقيقًا قَبل القيام بصياغته؛ حتى لا يَنسب إلى قائله ما لم يَقُل. وأذكّر بأن النَّص هنا لا يُوضَع بين قَوسيْن، ولكن يُكْتَفى فيه بكلمة: “انظر” أو “راجِع”. وممّا يساعد البَاحِث على القيام بمهمة الصياغة بنجاح: أن يقوم بقِراءة النَّص الذي يُريد إعادة صياغته، ثم يقوم بطَيّ الكِتاب لكي يُعِيد صياغة النَّص بأسلوبه الخاص. وعليه بعد ذلك بعد أن قام بالصِّياغة الخاصة لهذا النَّص، عليه أن يُطابِق بين المَعنى الأصلي للنَّص، وبين الصياغة التي قام بها؛ فإذا كانت تامة انصرف إلى ما بعدها، وإذا كانت ناقصة أعاد صياغتها مَرة أخرى، مُتذكِّرًا في كل الأحوال أنه يتحدّث عن رأي للآخَرين، وأن عليه أن يَنْقله بدِقة وأمانَة؛ لأن هذا هو الذي يقْتَضيه البَحْث العِلمي. هذه هي الصورة الثانية.

الصورة الثالثة: التَّلخِيص:

ويتحقق ذلك بأن يَقوم البَاحِث بتلخيص مَوضوع كامل، أو فِكْرة شَغَلت حَيِّزًا كَبيرًا من الصَّفحات، فيصوغَها بأسلوبه الخاص دون التزام بأسلوب المُؤلِّف. والمُهم في هذه الحالة المحافَظة على روح الفِكْرة وجَوهر المعنى، وما يتضمّنه النَّص من أفكار أساسية. وعند الإشارة إلى هذه الصورة في الهامِش، يُشار إليها أيضًا بكلمة: “انظر”، فهي تُشْبه في هذا، الصورةَ الثانية التي أعيدت فيها صياغة النَّص، وهما معًا يَخْتلِفان عن الصورة الأولى التي نُقِل فيها النَّص كاملًا دون أي حَذْف أو تَغيير.

الصورة الرابعة: الاختِصار:

وربما اشتَبهت هذه الصورة بالصورة السابقة، ولكننا نُشير إلى أنه في هذه الصورة الرابعة يَقوم البَاحِث بجُهد أكبر مِن الجُهْد الذي تَمَّ في الصورة السابِقة -وهي التَّلخِيص، فإذا كان التَّلخِيص يؤدي مثلًا إلى تَقْليص جُملة النَّص بمِقْدار الرُّبع أو الثُّلث؛ فبَدل أن يَكْتُبه في عَشرة أسطر سيكتبه في سَبعة أو في ستة أسطر، فإن الاختصار يَصِل بحَجم النَّص الذي يُطبَّق عليه الاختصار إلى نحو الثُّلث أو الرُّبع، أي: بالاستغناء عن ثُلثيه أو ثَلاثة أرباعِه. ومعنى ذلك: أن البَحْث سيُكتب في هذه الحالة بعِبارة شَديدة التَّركِيز، مع الاحتفاظ بأسلوب المُؤلِّف وعِباراته وكَلماته ومُصطلحاته غَالبًا، ويتم هنا الاستغناء عن التَّوضِيحات والتَّفصِيلات.

ولا يَتسنَّى للبَاحِث أن يقوم بهذا الأمر إلَّا بجُهد جَهيد، وتَقْطير لمعنى النَّص، والاكتفاء بخُلاصَته، مع الاحتفاظ بجَوهَر الفِكْرة دون غُموض أو نُقْصان، وتكون الإشارة في الهامش هنا أيضًا بكلمة: “انظر” أو “راجِع”، كما هو الشأن في الصورة الثانية: في إعادة الصِّياغَة، والثالثة: التَّلخِيص، وذلك بخِلاف الإشارة في الصُّورة الأولى: التي تكون إشارة صَريحَة إلى المَصدر، دون كَلمة: “راجِع” أو “انظر” التي تدلُّ على تَصرف الكَاتِب في النَّقل بوجه من الوجوه.

الصورة الخامسة: الشَّرح والتَّحليل والتَّعْليق:

وهذه الصورة يَلجأ البَاحِث إليها خصوصًا إذا كان يَدْرُس نُصوصًا تُراثِية، أو كان أمام نُصوص تَحْتاج إلى شَرح وتَحليل لبيان المُراد بها، وإظهار أبعادها ومعانيها، وربما كان فيها نُصوصًا غامِضة، أو مُصطلحات تحتاج إلى بيان، أو كَلمات لُغوية تحتاج إلى مُراجعة القاموس، ونحو ذلك. فعلى البَاحِث أن يقوم بذلك في غَير إسراف ولا استفاضَة، مع الاقتصار على ما يحتاج إلى شَرح فقط؛ حتى لا يتحوّل الشَّرح إلى عِبءٍ على البَحْث دون ضَرورة مُهمّة؛ فيَستعمل الشَّرح في مَوضِعه وبمِقْدار الحاجة إليه.

وكما نقول ويقول الأصوليون من قَبل: إن الضَّرورة تُقدَّر بقدْرها، والزِّيادة على أكثر من المَطلوب سيدخل البَاحِث في بعض الأخطاء، ويُقَلّل من قِيمة الانضباط والتَّركِيز الذي يجب أن يتوفّر في البَحْث العِلمي. وهنا نُشير إلى مسألة مُهمّة، وهي: أنه قد تَبدو للبَاحِث بعْض الانطباعات أثناء قِراءة النُّصوص، وهذه الانطباعات قد تكون موافِقة لما يَنْقُله، وقد تكون مُخالِفة له، وعليه في كل الأحوال أن لا يَستَهِين بهذه الانطباعات والخَواطِر والأفكار التي تَرِد على ذِهنِه أثناء القِراءة للنُّصوص؛ لأنها ستُمثِّل جُزءًا أساسيًّا من جُهد البَاحِث، وستَكون من الأدلة على وضوح شَخصيته العِلمية، وقد تَقود خُطاه في البَحْث نحو مجالات جَديدة، لم تَكُن قدْ خَطَرت على بالِه قَبل أن يقْرأ مثل هذه النُّصوص؛ وعندئذٍ عليه أن لا يَخْلِط أفكاره بتلك النُّصوص الأصلية التي يَجِب تَمييزُها بوضْعِها بين أقواس حتى لا تَخْتَلط بكلامه … البَاحِث يَضَع لنَفسه عَلامة أن هذا من كَلامه، يقول: “وأقول”، أو “قُلت”، أو نحو ذلك؛ حتى لا يُدْخِل كلامه في كلام السابقين، أو ضِمن النُّصوص التي يقوم بنَقْلِها، أيًّا كانت الصورة التي تبدو عليها.

في الأحوال السابقة كانت كل واحدة مُفردة.

الصورة السادسة: الجَمع بين أكثر من صورة من هذه الصوَر السابقة:

كالجَمع بين اقتِباس النَّص كَاملًا في الحالة الأولى، والتَّلخِيص، أو الاختصار، أو الشَّرح. وهنا سيَستَخدم البَاحِث صورة أو أكثر من الصوَر السابقة: فقد يذكر النَّص كاملًا ثم يَشْرحه، ويذكر جُزءًا من النَّصِّ، ثم يُلخِّص الباقي، أو أن يقوم باختصار هذا الجزء الباقي، وهكذا. وعليه عندئذٍ أن يَختار الإشارة المُلائمة في الهامِش، ويَغْلب في أكثر الأحوال أن تكون الإشارة هنا بلفظ: “انظر” أو بلفظ: “راجِع”.

الصورة السابعة: إجمال مَضمون كِتاب أو رسالة أو نَص:

قد يجد البَاحِث نفسه مضطرًّا أحيانًا إلى إجمال مَضمون كِتاب أو رسالة أو نَص، ويتحقّق ذلك بذِكْر الخُطوط والعناصِر الرئيسة لهذا الذي يَبْتَغي إجماله دون الدُّخول في تَفصيلات كَثيرة لا يكون مُحتاجًا إليها. وقد يكون ذلك في المُقدِّمة في بعض الأحيان، أو في التَّمهيد لبعْض الفُصول، أو في التمهيد لبعْض الأفكار، مثل مجال عَرض الدِّراسات السابِقة على البَاحِث، لا يُعْقَل أن يُشِير إلى الدِّراسات السابقة بذْكر مَضمونها كُلّه، وإلَّا لما وَجَد مكانًا يتَحدَّث فيه عن بحْثِه، ولكنه يقوم بالتَّلخِيص العام الكَبير المضغوط للدِّراسات السابقة؛ لكي يُبَيِّن للقارئ دِرايته بهذا المَجال الذي هو مُقْدِم عليه من جِهة، ثم ليُبَيِّن ما يتَفرَّد به بحْثُه من جِهة ثانية.

وعلى البَاحِث في كل هذه الأنواع والحالات السابقة أن يُشير إلى المَصدر، وأن يُوثِّق أفكاره تَوثيقًا علميًّا دَقيقًا يتَّفق مع الصورة التي لجأ إليها في بحْثِه. 

ملاحظات على طُرُق نقل واقتباس المَعْلُومات:

نُشِير إلى عدد من الملاحظات المهمة بعد ذِكْر هذه الصورة السابقة، وهذه الملاحظات لا بُدَّ من مُراعاتِها؛ لأن عَدَم الانتباه إليها سيؤدِّي بالبَاحِث إلى الوُقُوع في أخطاء مَنهَجيّة غَير مُستَساغة في هذا المستوى من البُحُوث العِلْمِية.

الملاحظة الأولى:

لا يُقْبَل في البَحْث العِلمِي القَويم المُستَقيم الآخذ بقَوانِين البَحْث العِلمِي ومناهِجه أنْ يَنْقُل كلام “مَصْدر” من “مَرجِع”، فلا يأخذ الكلام القَديم من كتاب حديث. ولعلّنا ما زِلنا نتذكّر التَّفْرِقة بين المَصْدر والمَرجِع. فلا يَصِح أن يأخذ كلام مؤلِّف من المؤلّفين القُدامى من مَرجِع حديث، بل يَجِب أن يَعود البَاحِث إلى المَصْدر الأصلي لمُراجَعة النَّص فيه، واقتباس النَّص منه مُباشَرة، وهذا هو الذي يتَّفِق مع الأمانة العِلمِية. ثم إنه يتَّفِق أيضًا مع الدِّقة المَطلوبة في البَحْث العِلمِي؛ لأن صاحب المَرجِع المَنْقول منه ربما يكون قد أخطأ في النَّقل عن المَصْدر الأصلي؛ وهذا وارد لأنه بَشر على كل حال، فيَقع البَاحِث الذي ينقل عنه في الخطأ تَبَعًا لهذا الذي أخذ مِنه. وربما يكون البَاحِث المُؤلف الذي يَنْقُل باحِثُنا عنه قد لخَّص النَّص الأصلي فأساء التَّلخِيص.

وربما يكون قد ضمّن أفكاره مع أفكار النَّص الأصلي، وخَلطَها بعْضها ببعْض دون أن يُشِير إلى ذلك قَصدًا، أو بسَبب أخطاء في الطِّباعة، فإذا ما جاء باحث فنقل عنه كلامه كما أثبته في كتابه، فإنه سيكون مُتابِعًا له فيما وَقَع فيه مِن خطأ، أو سُوء فَهم، أو خَلط. وللخَلاص من هذا كُله وللتَّحرُّز مِنه، يَنْبَغي الرُّجُوع إلى النَّص في المَصْدر الأصلي. فإذا كان الباحث يكْتُب كِتابًا عن ابن خلدون، أو عن الطبري، أو عن الإمام الشافعي، أو عن الإمام البخاري، وأورد بعْض أقوال هؤلاء ضِمن بَحْثه؛ فلا يَصِحّ أن يأخذها من هذا المَرجِع، وإنما يجب أن يرجِع إلى الكُتُب الأصلية، ولا بأس حينئذٍ من الإشارة في الهامش إلى المَرجِع الذي دَلَّه على هذا المَصْدر؛ لأنه صاحب فَضل عليه، ويَنْبَغي له أن يعْتَرف بالفَضل لأصحابه.

وهكذا يَجِب أن يَستَقِر في ذِهن البَاحِث أنه لا يَصِحّ له، ولا يُقْبَل مِنه أن يأخذ النُّصوص إلَّا مِن مَصَادِرها الأصلية. بعض البَاحِثين يُوهِم القارئ أنه رَجَع إلى النُّصوص الأصلية، ولكن القارئ الحَصيف للنَّص يَتَبيَّن له أن هذا البَاحِث لم يَرجِع إلى النُّصوص الأصلية، وخصوصًا إذا كان من المُخْتَصّين في المَجال؛ لأن الكلام قد يكون له أوّل، وقد يكون له آخِر، وقد يكون مَذكورًا على سبيل الحِكاية؛ ومن هنا فلا بُدَّ من مُراعاة هذه المسألة مُراعاة تامة.

يُستَثنى مِن هذه القاعدة المهمّة الأساسية بعض الصوَر والحالات التي يُمْكِن النَّقل فيها عن المَراجِع، مثلًا:

الحالة الأولى: في الحالات التي يَرجِع فيها صاحب المَرجِع إلى مَصَادِر نادرة ليست تحت أيدي البَاحِثين، هو بنَفسه رجَع إلى مَصَادِر لا يتَسنَّى لغَيره الوصول إليها، كالمخطوطات الموجودة في بلاد أجنبية لا يُتاح لباحِثنا أن يَذهب إليها بنَفسه، أو أن يُراسِلها لتُمِدّه بهذه المخطوطات، أو المخطوطات التي تَلِفَتْ أو ضاعَت، وأصبح من المُتَعذّر الوصول إليها. هذه حالة من الحالات، من الحالات.

الحالة الثانية: إذا كان صاحب المَرجِع قد رَجَع إلى بُحُوث مكْتوبة بلُغة لا يُتْقِنُها البَاحِث، مثل: أن يَعْرِف اللغة الرُّوسية، أو يَعْرِف اللغة الصينية، أو اليابانية، أو أي لُغة من اللغات التي لا يُجِيدها البَاحِث. قد تكون باللغة الفَرنسية وهو لا يَعْرِفها، أو باللغة الإنجليزية وهو لا يَعْرِفها، أو اللغة التركية، أو أي لُغة أخرى … إلخ. وصاحب المَرجِع رَجَع إلى هذه الكُتُب في لُغاتِها الأصلية، ثم أخذ منها نُصوصًا وتَرجَمها؛ فعندئذٍ يستطيع باحِثنا أن يَعْتَمد عليه ويَأخُذها منها.

الحالة الثالثة من الاستثناءات: إذا كان صاحب المَرجِع قد وصل إلى الفِكْرة التي يبَحْثها في محادثة شَفهية غَير مُدوَّنة في كِتاب، كأن يكون قد نَقَلها عن أستاذه مثلًا، أو أي أستاذ آخر، أو عن شَهادة في واقِعة حَضرها بنَفسه، أو نُقِلت إليه، وهكذا.

ففي هذه الحالات وما يُشابِهها، يُمكِن للبَاحِث أن يَنْقُل عن المَرجِع دون أن نُكَلِّفه بالقاعدة الأصلية، وهي: الرُّجُوع إلى المَصَادِر. فعليه عندئذٍ أن يُشِير إلى صاحب المَرجِع، وأن يقول إنه نقله عنه؛ حتى يعطي الحق لأهله، وحتى يَعْتَرف بالفَضل لأصحابه. ولا يَصِحّ تجاهُل المَرجِع هنا كما قد يَفْعَل بعض البَاحِثين؛ لأنه لولا هذا المَرجِع لما استطاع البَاحِث الرُّجُوع إلى هذه المَصَادِر وهذه الأفكار الأصلية.

هذه الملاحظة الأولى: ضَرورة الرُّجُوع إلى المَصَادِر، ولا يَصِح النَّقل عن المَراجِع في مثل هذه الحالة، إلا في الحالات التي ذكرناها على سبيل الاستثناء.

الملاحظة الثانية:

تتمثّل في أن البَاحِث قد يجد أنّ الكتاب الذي يبَحْث فيه ويقرؤه، ويريد الاقتباس منه مَطبوع طَبعَات مُتَعدِّدة، وهذا يحدث في أحيان كَثيرة؛ فكتب مثل: (صحيح البخاري)، و(مسند الإمام أحمد)، و(تفسير الطبري) و(إحياء علوم الدين) للغزالي، و(البداية والنهاية) لابن كثير، و(مدَارِج السالكين) لابن قيم الجوزية، و(مقدمة ابن خلدون)، و(الاعتصام) للشاطبي، ونحو ذلك من الكُتُب … هذه الكُتُب وأمثالِها تُوجَد في طَبعات كَثيرة مُتعدّدة، قد يكون بعْضها مُحقّقًا، وقد يكون بعْضها غَير مُحقّق، وقد يتسابق الناس إلى نَشر مثل هذه الكُتُب أكثر من مَرة دون أن يَكتفي بعضُهم بما قدَّمه السابقون عليه، وربما كانت هناك ضرورة من التَّعدّد، وربما لا تكون؛ لكن على أية حال، الظاهِرة مَوجودة؛ فكيف يتم للبَاحِث التَّعامل معها؟!

على البَاحِث في مثل هذه الحالات التي تتعدّد فيها طَبعات الكِتاب الواحد، أن يجْتَهد في الرُّجُوع إلى طَبعة واحدة فقط منها، وأن يَلتَزم ذلك قَدَر جُهْده وطاقته، فلا يَأخذ نَصًّا من طَبعة، ونَصًّا آخر من طَبعة ثانية، ونَصًّا ثالثًا من طَبعة ثالثة، ونَصًّا رابعًا من طَبعة خامسة وهكذا؛ لأن الرُّجُوع إلى الطبعات المتعدِّدة يُوقِع لا شك في الارتباك والحَيرة، والعَجْز عن تَحديد مواضِع النُّصوص التي رَجَع البَاحِث إليها، ولا سيما إذا أراد أن يُصحّح شَيئًا من نُصوصه، أو أن يَستَكمله. وقد يَحتاج البَاحِث نَفسه إلى التّأكّد من هذه النُّصوص، ومن ثَمَّ فالالتزام باستعمال طَبعة واحدة أمر شَديد الأهمية.

ولكن -كما نقول- كل قاعدة لها بعض الشواذ. القاعدة الأساسية: تَوحيد الطَّبعة، ولكن ربما اضطُر البَاحِث إلى ذلك اضطرارًا لأسباب مُتَعدّدة كالسفر مثلًا: أن يكون في مَوضِع وجد فيه كتابًا بطَبعة مُعَيَّنة، ثم اضطر إلى السفر إلى مكان آخر، وأراد الرُّجُوع إلى هذا الكتاب فوجده في طَبعة أخرى ولم يجد الطبعة السابقة التي اعتمد عليها عند اقتباسه للنُصوص في المرحلة الأولى. وقد يسافر إلى مكان آخر … إلخ. فهنا هو مُضطَر. ولكن إذا تيسر له بعد ذلك أن يَجِد المَرجِع الأوّل الذي رَجَع إليه في طبعته التي رَجَع إليه فيها، فإن عليه أن يقوم بتَعْديل الصفحات؛ حتى يعود إلى القاعدة الأصلية التي لا يَصِحّ العُدول عنها إلَّا للضرورة. قد تتعدّد مثلًا من غير سفر ولا شيء، قد تتعدّد المكتبات التي يذهب البَاحِث إليها. يعني: ذهب إلى مكتبة فيها طبعة مُعَيّنة للكتاب، ثم ذهب إلى مكتبة أخرى لكي يُكَمِّل قِراءاته، فوجد فيها طبعة ثانية، وهكذا. أو ربما اختلفت الكُتُب على حَسَب الرُّجُوع إلى الأقراص الممغنطة التي تتضمّن هذه الكُتُب، وأحيانًا يكون فيها طبعات غير الطبعات التي بدأ البَاحِث في قراءتها في مرحلة من مراحل البَحْث.

وعلى كل حال، القاعدة الأساسية تَوحيد الطَّبعة، وعلى البَاحِث أن يَلتزم بها قَدْر الإمكان وقَدْر الجُهد، ولكن إذا اضطر إلى الرُّجُوع إلى طَبعات متعدّدة لأسباب واقعية، وليس لأسباب التَّضليل، وهذا يقع من بعْض البَاحِثين أنه لم يَرجِع إلى النَّص في طبعته الأصلية، ولكنه أخذه عن طريق بعْض المَراجِع التي قد تتعدّد من باحث إلى آخر، وعليه عندئذٍ أن يُشِير عند كل اقتِباس إلى الطبعة التي أخذ النَّص عنها، فيذكر أن هذه طبعة في لبنان، وهذه طبعة في السعودية، وهذه طبعة في مصر، وهذه طبعة في تونس، أو في المغرب … إلخ. حتى يَسهُل عليه الرُّجُوع إليها عند الحاجة، وحتى يُمْكِن لمن أراد التأكد من هذه النُّصوص أن يَرجِع إليها في طَبعاتها الحَقيقية.

الملاحظة الثالثة:

وهي تتعلّق بالإجابة على سؤال عن المَدى أو الحجم الذي يمكن أن يَصل إليه اقتباس النُّصوص في جُملة البَحْث … وللإجابة على هذا السؤال، يُمْكِن القَول بأن الآراء مُخْتلفة في هذه المسألة فيها اجتهادات، وفيها آراء تتعلّق بالحَجم الذي يُمْكِن أن يَصل إليه الاقتِباس في جُملة الرِّسالة ليس في نُقْطَة مُحدّدة، بل أن بَعْضَهم ربما كان له موقِف من الاقتباس بصفة عامة، وسيَتَبيَّن هذا من عَرض الآراء:

الرأي الأول: يقول به فَريق من العلماء من القُدامى ومن المُحدَثين، هؤلاء يرون أن الاقتباس من المَصَادِر والمَراجِع ليس فيه أي فَضيلة -هكذا- بل إنه مَظهر من مَظاهر الضَّعْف في التأليف، وبخاصة إذا كانت الاقتباسات طَويلة أو مُكرّرة؛ لأن هذا الوَضع يؤدّي إلى اختفاء شَخصية الكاتب وطَمسها بتأثير هذه النُّقول والاقتباسات المُطوّلة؛ ولذلك لا يميلون إلى ذلك. وكان ممّن يرون هذا الرأي من القُدماء: عالم جليل كبير، يُلقّب بـ”إمام الحرميْن” أبي المعالي عبد الملك الجُويني، وهذا شيخ من شيوخ الإمام الغزالي، وجاء ذلك في مَعْرِض حديثه عن مسألة يَجري الحديث عنها بين الفِرق الكَلامية: هل تَصِح إمامة المَفْضول مع وجود الفاضِل؟ على أي مستوى من مستويات الإمامة؟ أو مع وجود الأفضل؟ وهل تَصِح هذه الإمامة أو لا تَصِح؟ وعندما وصل الجُويني في كتابه الذي خصّصه لدراسة موضوع الإمامة المُتَعلّقة بمَنصِب الرئيس الأعلى في الدولة الإسلامية، بيّن أن المَسألة فيها آراء مُتفاوِتة، ومُخْتلفة، وكَثيرة، ولكل صاحب رأي أدلَّته، وأنه لو ذهب يَذْكر كلّ هذه المَقالات منسوبة إلى أصحابها مع استقصاء أدلّتهم وحُجَجِهم؛ فإن الأمر سيطول جدًّا، وسيؤدّي هذا إلى طول الكلام في البَحْث، وسيَقع هو نفسه عندئذٍ في عَيبيْن لا يُريدُهما لنفسه.

العيب الأول: طول النَّقل عن الآخرين، والتَّشيُّع لعُلوم الأوّلين، والإغارَة على مُصنّفاتِهم … فمثلًا: سأفتح قَوسيْن لأنني سأنقل كَلامًا عن الجُويني نفسِه، وأرجو أن يَكون واضِحًا، يقول الجُويني: “وحقّ على كل من تتقاضاه قَريحته تأليفًا -يعني على من يُريد أن يُؤلف- أن يَجْعل مَضمون كتابه أمرًا لا يُلفى في مَجموع -يعني: أمرًا جَديدًا ليس مَوجودًا في غَيره من الكُتُب السابقة- وغَرضًا لا يُصادَف في تَصنيف” انتهى النَّص.

وإذًا، فهو هنا حَريص على الأصالة والابتِكار، وإظهار آرائه واجتهاداته الشخصية، والتزامِه بتَقديم الإضافات الجديدة التي تَرْفَع من قِيمة رأيه، وكِتابه، وفِكره؛ ومن ثَمَّ ففي رأيه أنَّ النَّقل عن الآخرين يُطْفِئ لهَب هذه الشُعلة، ويُغَطِّي عليها، ولذلك لا يَميل إليها؛ حتى لا يقع في هذا العَيب.

العَيب الثاني: يقول فيه الجُويني: “إن النقل عن الآخرين -بمعنى كلامه- يُوقِع في الإسهاب والإطناب”. ولقد كان حَريصًا على اجتناب ذلك في كِتابه.

ومعنى هذا الرأي: أن أصحابه يتوقّفون ويتحفّظون تجاه النقل والاقتباس، فهم لا يُفَضِّلونه ولا يَميلون إليه. هذا مَوقِف.

الرأي الثاني: رأي من يَرى: أن الاقتباس هو دليل على القِراءة الوَاسِعة، والمعْرفة التامة بالأفكار والبُحُوث القَديمة والحَديثة؛ وهذا يؤدي إلى الثِّقة والطُمأنينة فيما يُورده البَاحِث من الآراء والأفكار؛ لأن البَحْث -وخصوصًا في البُحُوث الإنسانية- يعْتَمِد دائمًا على مَراجِعة المَصَادِر القديمة، وإذا رجعنا إلى المَصَادِر القديمة فإنه لا يَصِحّ تجاهُلها وإغفالُها؛ لأنه قد يكون فيها من الآراء الثَّمينة ما يَحْتَفِظ بجِدَّته وأصالته على امتداد العُصور؛ ومِن ثَمَّ، فإنه لا يَصِحّ إغفالُه ولا تجاهُله. وأيضًا لأنه يمثل مستوىً فِكريًّا وعَقليًّا، يمثّل مَرحَلة بعَينِها من التاريخ؛ ومن هنا فلا يَصِح تَجاهُل القِراءة أو الاقتباس من كُتب السابقين والأقدمين؛ ومن هنا يَميل أصحاب هذا الرأي إلى عكس ما يراه أصحاب الرأي الأول الذي يمثله الإمام الجُويني في هذه النُّقطة من البَحْث بالذات.

ومن أجل ذلك نقول: إن هذا الأمر بَيْنَ بَين، لا نحن مع الرأي الأول الذي يُلغِي الاقتِباس ويعْتَمد على الأصالة وَحدَها، ولا نَحن مع الرأي الثاني الذي يَرى ضَرورة الاقتِباس؛ لأنه دليل على القِراءة والإلمام بمَوضوع البَحْث، ولكننا نَقف في مَوقِف وَسط بينهما؛ ذلك أن الرُّجُوع إلى آراء السابقين في موضوع البَحْث أمر لا بُدَّ منه. نحن لا نَبدأ العلْم من الصِّفر؛ لأنَّ المَعرفة وبِناء المَعْرفة -كما هو مَعْروف- بِناء يَقوم على التَّراكُم ويقوم على الإضافَة مِن كل جيل من الأجيال السَّابِقة، ومن عالِم من العلماء المتخصّصين؛ فلا بُدَّ من الرُّجُوع إلى آراء السابقين في موضوع البَحْث، ولا يَصِحّ تجاهل هذه الآراء أو الإغضَاء عنها؛ لأن ذلك ليس مَوقفًا سَليمًا تَمامًا.

وإذا كان البَاحِث يورده، فإنما ذلك لضَرورة الإحاطَة به قَبل التَّوصُّل إلى آراء جَديدة. لكن مع التَّسليم لهذا الأمر، وضَرورة المَراجِعة لآراء السابِقين، والاقتباس مِن أقوال السابقين، فإنه لا يَنْبَغي أن يكون الاقتباس بتَوسُع وإسهاب وإطناب؛ حتى لا يَطغى النقل في البَحْث على جانب الابتكار فيه، ولئلا يغطيَ القديم على الجديد.

ومعنى ذلك: أن يتمّ النَقل باعتِدال ودون إسراف، مع مراعاة أن لا يَطغَى النَّقل على شَخصية البَاحِث، بل أن يكون حافِزًا له على إضافة الجَديد. الرأي الوسط هو خَير الآراء في هذه المسألة، وخَير الأمور الوسط، وخصوصًا في العُلوم الإنسانية، والاجتماعية، التي يَنْبَغي التَّعَرف فيها على آراء السابقين، والإفادة منها؛ لأن بعض الآراء القَديمة -على الرَّغم من قِدمها- تظل ذات قِيمة كُبرى في البَحْث وفي التَّوصُّل إلى الحَقائق، وهي جَديرة بأن يُضَاف إليها وأن يُبْنَى عليها، لكن مع عدم تجاهلها من جهة، ولعدم الغَرق في مُحيطها الواسع أو مُحيطها العَميق. ومن ثَم، فإنه يَنْبَغي التَّوسُّط في هذه المسألة حتى لا نَحرم البَحْث من المَزايا القائمة على الاطّلاع والمَراجِعة للأفكار، مع الحِرص من البَاحِث أن لا يَضيع ضِمن الأقوال هذه القديمة؛ لأن ذلك يُقلّل من قيمة بَحْثه.

وعلى البَاحِث المُبتدئ أن يتخذ من هذه التوجيهات السابقة مُرشدًا ودَليلًا يَدلُّه على التعرف على مواطن أقدامه وهو في مجال البَحْث العِلمِي، لكنه في كلّ الأحوال هو الذي سوف يختار ما سيَعْتَمد عليه في البَحْث. وعليه أن يقوم بالموازنة بين تلك الطُّرق التي يقدّمها له البَاحِثون، وأن يَلتَزِم بهذا الأمر؛ لأن ذلك سيؤدّي إلى أن يتقدّم تقدّمًا مَحمودًا في البَحْث العِلمِي.

error: النص محمي !!