Top
Image Alt

طرق ووسائل تدوين المعلومات

  /  طرق ووسائل تدوين المعلومات

طرق ووسائل تدوين المعلومات

أحبّ أن أُذكِّر إلى أننا قد تحدّثنا من قَبْل عن عدد من المَوضُوعات المهمّة، تأتي على التوالي مَوضُوعًا بعد مَوضُوع وتَوصّلنا إلى تَهيئة البَاحِث لكي يَدْخُل إلى مجال البَحْث العِلمِي. الآن كل شيء أصبح عند الباحث واضحًا: عنده مَوضُوع، وعنده عُنْوان، وعنده مراجِع، وعنده خُطَّة أوّليّة، وينبغي أن ينطلق لكي يجْمع مادته العِلمِية التي سيتكوّن منها صُلب البَحْث. وتتكون هذه المرحلة -وهي صُلب البَحْث- من عَدد مِن الخُطوات التي ينبغي أن تتحقّق بكُلّ دِقّة، ولكن على طَريقة التَّدريج في القيام بهذه المَوضُوعات، سنتحدث في هذه الخُطْوة عن أمريْن:

الأمر الأول: طُرق ووسائل تَدْوين المَعْلُومات.

الأمر الثاني: طُرق وكيفية نقل واقتباس المَعْلُومات من المَصادِر والمَراجِع التي سنرجع إليها.

الأمر الأول: فأمّا فيما يتعلق بوسائل تَدْوين المَعْلُومات، فإننا يمكن لنا أن نقول: إن هذه الطُّرق قديمًا كانت منحصرة في كتابة المَعْلُومات يدويًّا؛ كان الناس يكتبون بأيديهم بطريقتيْن، يخْتَلف الدَّارسون في تَفضيل إحداهما على الأخرى، والوسيلتان هما: كتابة النُّصوص المُقْتبَسة أو المَنْقولة على بِطاقَات مُنفصلة. وكتابة النُّصوص المُقْتبسة ضِمن كُراسَة، أو مَلفّ … بعْض البَاحِثين يُفَضِّل الطريقة الأولى: طريقة الكتابة على بِطاقَات، وسنشرحها. وبعْض البَاحِثين يُفَضِّل كِتابة المَعْلُومات ضِمن مَلفّ.

فأما الكتابة على البِطاقَات المستقلّة: التي يُفَضِّلها الجُمهور الأكبر من البَاحِثين، فإنّ هذه البِطاقَات تتميّز بأنها سَميكة إلى حدٍّ ما، وهي تُباع بالمكتبات للكتابة عليها، وهي ذات أحجام مُخْتلفة، يختار البَاحِث منها ما يناسبه، وبعْض البَاحِثين يقوم بتوفيرها لنفسه ولا يريد أن يذهب إلى المكتبة لشراء البِطاقَات، ولكنه يأتي بأوراق “فلسكاب” مثلًا، ثم يقوم بتقسيمها قِسميْن، أو أربعة أقسام على حسب الحجم الذي يُريده.

وربما يختار بعْض البَاحِثين الطريقة الثانية: في أنه هو الذي يصنع البِطاقَات بنفسه على أوراق عادية؛ ولكن في الحقيقة، الطريقة الأولى وهي البِطاقَات السَّميكة التي تشترى جاهزة أفضل، مع أنها غالية السِّعْر؛ لأنها تتحمّل التَّداول، وتتحمّل الزمن؛ ولذلك يُنصح بالاعتماد على هذا النوع الذي يُشترى جاهزًا مسطورًا مهيَّأً للكتابة عليه، دون أن يقوم بهذه البِطاقَات التي يصنعها بنفسه؛ لأن هذه المشتراة تكون أكثر تحملًا وأطول عمرًا.

كما ذكرنا أن كثيرًا من البَاحِثين يُفَضِّل الكتابة على تلك البِطاقَات، سواء كانت مشتراة أو مصنوعة، ويُقْبِلون على استخدامها أكثر ممّا يُقبلون على الكتابة في المَلفّات -وهي الطريقة الأخرى- لأن البِطاقَات المستقلّة تُعْطي للبَاحِث قَدرًا أكبر من حُرية الحَركة. يستحضر البِطاقَات أمامه، ويستطيع أن يُقارن بين نُصوصها، لكنه إذا كان يكتب في ملف، فإنه يتعذر عليه أن يقوم بمثل هذا الأمر؛ فالبِطاقَات أسهل. وربما يُفَضِّل بعْض البَاحِثين -على العَكس- الكِتابة في مَلفّات، يقسّمها البَاحِث إلى أبواب وفصول على حَسَب البَحْث. وكِلْتا الطريقتيْن مُسْتَعملة في البَحْث العِلمِي، وللبَاحِث أن يخْتار منهما ما يَرتاح إليه، وإن كان جُمهور البَاحِثين يُفَضِّل طَريقة الكتابة على البِطاقَات أكثر من الكتابة ضِمن مَلفات.

وإذا اختار البَاحِث أن يكْتب مَعْلُوماته على بِطاقَات، ونصوصه على بِطاقَات، فعليه أن يُراعي ما يأتي:

أولًا: يُفَضَّل الحَجم الكبير من البِطاقَات، لا يأخذ ربع الورقة، أو ما هو في حجْمِها، أو مثل حجم الكَف، وإنما يُفَضَّل أن يخْتار حَجمًا كَبيرًا لتستوعب البِطاقَات ذات الحجم الكبير النَّص المقتبس مهما كانت مساحته، دون حاجة إلى بطاقة أخرى، ودون أن يلجأ إلى الكتابة على ظهر البِطاقة، فيختار حجمًا كبيرًا.

ثانيًا: الكتابة على البِطاقة من الوجهيْن لا غُبار عليها، لكن الأفضل -وهذه مسألة ينبغي أن توضع في الاعتبار- الكتابة على وجه واحد، ليتمكّن البَاحِث من قراءة النَّص كلّه بنظرة شاملة دون حاجة إلى تَقْليب البِطاقَات.

ثالثًا: أن يُخَصّص لكلّ بِطاقة فِكرة واحدة، أو مَوضُوع واحد؛ حتى لا يحدث تَداخل في الأفكار، ثم لكي يكون من المُمكن أن يضيف البَاحِث إلى هذه البِطاقة ما يتعلّق بها من المَصْدَر نفسه. قد يقرأ فيجد أنّ فكرة تتّصل بالمَوضُوع فيكتبها على نفس البِطاقة، أو من مَصْدَر آخر يتحدّث عن نفس المَوضُوع، وقد تكون الإضافة تأكيدًا للفكرة المكتوبة، أو إضافة، أو نقدًا لها، ثم لكي تتّسع البِطاقة لذكْر بيانات المَصادِر، والمَراجِع، والصفحات، على النحو الذي سبقت الإشارة إليه.

رابعًا: أن يُوضع عُنْوان لكل فِكرة؛ بحيث يَسْهُل وَضْع الفِكرة في مَوضِعها المناسب من البَحْث، مع نظائرها من البِطاقَات المتصلة بنفس المَوضُوع.

خامسًا: يستعمل وسَط البِطاقة من أعلى لعَنْونة المَعْلُومات التي تحتويها البِطاقة، ويتمّ ذكْر المَصادِر والمَراجِع في أسفل البِطاقة. يعني: في الجزء العلوي قبل النَّص، يضع العُنْوان، أو يترك مكانًا للعُنْوان حتى يَكْتبه، ثم بعد أن ينتهي من النَّص، يذكر المَصادِر، والمَراجِع التي رجع إليها.

سادسًا: يُفَضَّل أن يكون تَدْوين المَعْلُومات في البِطاقة بالحبر الجاف؛ حتى لا تتعرّض المَعْلُومات للمحْو أو الطَّمْس بفعْل الزمن، أو بكَثرة التَّدَاول.

سابعًا: يمكن للبَاحِث أن يكتب تعليقاته على المَعْلُومات التي ينقلها في أسفل البِطاقة بعد النَّص المنقول، أو في بِطاقَات خاصة بتَدْوين آرائه هو، وهذه سوف يحتاج إليها عند كتابة البَحْث.

ثامنًا: إذا نقل البَاحِث مَعْلُومات مهمّة للبَحْث، فإنّ من الأفضل أن يَكْتب على أعلى البِطاقة ما يُشْعِر بهذه الأهمية، يعني يَكْتب عليها “مهمّ” مثلًا، أو “لاحظْ هذا النَّص”، أو “تنبّهْ”، أو أي إشارة. وكذلك يفعل إذا نقل نصوصًا صَعْبة، أو غَامِضة؛ حتى يستطيع أن يُعاود النَّظَر والتأمل في هذه البِطاقَات لحلّ غُموضها، وإزالة صعوباتها.

تاسعًا: على البَاحِث أن يحْرص على أن يحْمل معه دائمًا بِطاقَات صالِحة للكتابة عليها؛ فكلّما ذهب إلى مكان، عليه أن يَحْمل معه عددًا من البِطاقَات التي تَصلُح للكتابة عليها كلّما عزم على القراءة في مَوضُوع بَحْثه؛ حتى يتيسّر له استعمالها مباشرة. وتتأكّد هذه الأهمية عند ذهابه إلى المَكتبات، أو إلى زيارة بعْض أصدقائه أو زملائه ممّن عِندهم مَكتبات، أو من المَعْنيِّين بالبَحْث العِلمِي؛ لأنه قدْ يَجِد عندهم بعْض الكُتب فينتهز الفرصة وهو موجود عندهم حتى يَنْقُل منها ما يُحِبّ وما يشاء، دون أن يُضْطر إلى استعارة الكتاب؛ لأن بعْض الناس لا تُوافق على إعارة الكتب، ويروْن أن الإعارة طريق إلى ضَياع الكُتب. فإذا كان صديقه من هذا النوع، فإنّه يمكن له هذا وهو عنده، وهكذا.

عاشرًا: على البَاحِث أن لا ينسى تَدْوين بيانات المَصادِر التي رَجَع إليها على البِطاقة نفسها؛ لأنه لو لم يفْعَل ذلك، فَسيجِد نفسه أمام نُصوص ومَعْلُومات لا يستَطيع الانتفاع بها لعَدم معْرفته بمصادرها، ولن يُقْبَل منه في البَحْث أن يَذْكر نصًّا بغَير مَرجِع، ومن ثَمَّ فعليه أن يُعْنى بهذا الأمر عِناية بالِغة؛ حتى لا يُضْطَرّ إلى إعادة البَحْث مَرة أخرى.

أحد عشر: يُفَضَّل أن يقوم البَاحِث أولًا بأوّل بتَوزيع البِطاقَات على مَواضِعها من البَحْث -وهذه مسألة مهمّة- وفيها اختلاف في وجهات نَظَر الدارسين؛ لكننا نوصي بما هو مجرّب ومعلوم وهو ذو فائدة مؤكّدة للبَحْث العِلمِي: أن يقوم أولًا بأوّل بتوزيع البِطاقَات على مواضعها من البَحْث، ولا ينتظر كثيرًا إلى أن تتضخّم البِطاقَات عنده؛ لأن هذا سوف يُسَبّب له مُشكِلة.

أمّا التوزيع أولًا بأوّل، فيُمَثل طَريقة مفيدة؛ لأن البَاحِث يستطيع أن يُقدِّر قيمة ما جَمعه من مَعْلُومات، إذا هو وزّعها توزيعًا تَدريجيًّا. وهو يستطيع أن يَحكم -بناءً على ذلك- بأنّ ما جمَعَه حول فكرة من الأفكار يكفي لكي يبدأ الكِتابة فيها، أو بأنه ما يزال بحاجة إلى القراءة. وإذا ظلّت البِطاقَات مُكَدَّسة دون تَصْنيف ودون تَوزيع، فإنه لا يستطيع أن يَتوصّل إلى هذا الحُكم. وإذًا فتصنيف البِطاقَات تدريجيًّا أمر مهمّ جدًّا، وهو يدلُّ دَلالة واضِحة على وضوح عناصر الخُطَّة في ذهن البَاحِث، ويَسمح له بالاستمرار في القِراءة إذا بدا له أنّ المَوضُوع ما زال بحاجة إلى نُصوص، أو بالانتقال إلى مرحلة الكتابة؛ لأن ما جَمَعه من النُّصوص يكفي لبناء فِكْرة مِن الأفكار، أو عُنصر من العناصِر، أو فَصل من الفُصول، أو باب من الأبواب.

القارئ في مرحلة البَحْث يقرأ قراءة عامة، أمامه مَرجِع كامل وصل إليه، سيقرأ فيه ويَجِد مَعْلُومات يُمكن أن تَرجِع إلى الفصل الأوّل من الباب الأول، ومَعْلُومات يُمكن أن تَرجِع إلى الفصل الثالث من الباب الثاني، ومَعْلُومات من الفصل الأول من الباب الثاني مثلًا، عليه أن لا يُكَدس هذا كلّه، ويجمعه بعْضه إلى بعْض؛ حتى يتكوّن لديه أكوام من البِطاقَات؛ لكن عليه أنْ يَقوم بالتَّوزيع أولًا بأول، يعني من الممكن أن يقوم بهذا الأمر كلّ أسبوع، أو كلّ أسبوعيْن: يستحضر كلّ ما جَمعه من البِطاقَات، ثم يُوزّعها على مَوضُوع البَحْث: الذي ينْتسب إلى الباب الأول يجْعله في الباب الأول، والذي ينتسب إلى الباب الأول يُقَسِّمه أقسامًا، بحَسب الفصل الأول، الفصل الثاني، الفصل الثالث، وهكذا. هذا يَدُلنا على وضوح عناصر الخُطَّة في ذِهن البَاحِث، ويَدُلنا على تَمكُّنه من مَوضُوع البَحْث، وأنّ لديه عَقلية مَنهجية، وأنه يستثمر وقته بطريقة جَيّدة … لكي يتحقق ذلك، يمكن عَمَل أدْراج مُخصصة لهذا الشأن، يقوم أصحاب المَكتبات بصناعَتها للبَاحِثين، ثم يقوم بتقسيمها، مثلًا الدُّرج رقم (1) للباب الأول، ثم يُقَسِّم هذا الدُّرج نفسه إلى أقسام بحَسَب فصول البَحْث، فيضع ما يتَعلّق بالفصل الأول في قِسم، وما يتَعلّق في الفصل الثاني في قِسم، وما يتَعلّق بالفصل الثالث في قِسم.

ثم يجْعل الدُّرج الثاني للفصل الثاني، ويقسّمه كذلك أقسامًا على حَسَب الفصول، والدُّرج الثالث للباب الثالث … إلخ. ويجعل دُرجًا مخصّصًا للمَراجِع والمَصادِر التي رَجع إليها. وهكذا يقوم بتقسيم مادّته العِلمِية أولًا بأوّل، فيُعِينه ذلك أنْ يتوصل بنَظرة سَريعة على الحُكم على كَمية ما جَمعه من المَعْلُومات مُوزَّعًا على الأبواب والفُصول. هذا هو الذي نوصي به، وهذا هو الذي يُوصي به كِبار البَاحِثين.

ولكن بعْض البَاحِثين وخصوصًا الذين لا يتنبّهون لهذه المَسألة يُؤخِّرون مرحلة التصنيف تأخيرًا كبيرًا؛ حتى يتكوّم لديه أكداس وأكوام من البِطاقَات، ثم يقوم بالتَّوزيع والتَّصنيف دفعة واحدة، وهي طريقة تؤدِّي إلى الارتباك، كما تؤدي إلى العَجْز عن تقدير المَوقِف بصورة واقعية؛ ولعله يكون قد قرأ في قسم من أقسام البَحْث أكثر من حاجة البَحْث إليه، أو كَرر مَعْلُومات سَبق له أن قرأها في أكثر من مَصْدَر، وهي لا تُقدِّم للبَحْث العِلمِي شيئًا جَديدًا، على حين أنه قَصَّر في قِسم آخر. أما التَّوزيع التَّدريجي للبِطاقات، فإنه يُفيد في هذه المسائل فائدة جديدة مُؤكّدة.

هذه هي الطريقة الأولى التي كان يَعْتَمِد عليها البَاحِثون، قَبل وجود الآلات الحَديثة للطباعة، طريقة النَّقل باليد على بِطاقَات أو في مَلفات، لكن عندما تقَدَّم العلْم ووسائله وتقنياته، أمكن الوصول إلى وسائل أخرى لجمْع المادة العِلمِية، والمعرفة بما كَتبه السابقون حول المَوضُوع الذي يكْتب فيه الكاتب، أو البَاحِث، ومن هنا أضيفت وسيلتان أخريان.

الوسيلة الثانية: هي: التصوير عن طَريق آلات التَّصوير، يعني: أذهب بالكِتاب إلى آلة التَّصوير، وأحدّد الصفحات التي أريدها في البَحْث، ثم أقوم بنَفسي، أو عن طَريق عامِل مُعَيَّن أو مُتَخصّص بتصوير الصفحات التي أحتاج إليها من الكتاب بعد قراءته وتحْديد الصفحات التي أحتاج إليها. هذه الطريقة من الطُّرق الجَديدة بعد اختراع آلات التَّصوير، و”ماكينات” التصوير.

هذه الطريقة مُفيدة فائدة كُبرى، ولها عدد من المَزايا؛ منها:

  1. تقْليل الجُهد؛ لأنه بَدلًا مِن أنْ أكتب بيدي سوف أصوّر ما أحتاج إليه.
  2. ومنها اختصار الوقت لنفس المعنى، يعني: إذا كنت أريد أن أكتب نصًّا مكونًا من صفحة، فهذا سوف يَستَغرق مني على الأقل رُبع ساعة، أو ثِلث ساعة، لكن عندما أصوّرها، ستُصَوّر في ثوان.
  3. ثم من مَزايا هذه الوسيلة الحَديثة: جَمع المادة العِلمِية بسرعة وسُهولة. وإذا اعتمدت على التصوير فمن الممكن أن أجمع مادتي العِلمِية في وقت يسير جدًّا، بَدلًا من أن أعتمد على الكِتابة باليد كما كان الشأن في الحالات القَديمة للبَاحِثين. وأجيالنا والأجيال السابقة علينا كم عانت وتَعِبت في جَمع المادة العِلمِية، واستغرقت وقتًا طويلًا وذهابًا مُتكررًا إلى المكتبات … لكن بفضل الله يهْتدي الإنسان بما يُيَسر له أمور الحياة، ويتمكن الناس من الوصول إلى مثل هذه الوسائل المُعِينَة على البَحْث العِلمِي.
  4. ثم من مَزايا هذه الطَّريقة أنها تَتّسِم بالدِّقة؛ لأن النَّص يُصوَّر كما هو دون أخطاء. أنا عندما أكتب بنفسي أقع في بعْض الأخطاء، ربما أترك نُقطة، ربما أترك حَرفًا، ربما يلتَبس عليّ شَكْل كَلمة … لكن التصوير يُظهِرها كما هي تمامًا بغَير أخطاء.
  5. من مزايا هذه الوسيلة: أن التصوير يمكن أن يَشتمل على مَعْلُومات سابقة على النَّص المراد اقتباسه، ومَعْلُومات أخرى تأتي بعده، وهذا يضع النَّص في سياقه ويؤدِّي إلى حُسنِ فَهمه؛ لأني إذا كنت سأنقل بيدي سأقتصر على الضروري جدًّا من أجل الوقت، ومن أجل الجُهد، لكن عندما أصوّر سأصوِّر صَفحة بأكملها، وعندئذٍ سأعرف السياق الذي جاء فيه النَّص؛ وهذه الطريقة في الحقيقة هي طَريقة مُهمّة ومُفيدة جدًّا -كما هو واضح- ولكن على البَاحِث إذا استعمل هذه الطَّريقة عَليه أن يقوم بتصوير غِلاف الكِتاب الذي يُصوِّر منه؛ لأن عليه مَعْلُومات النشر الخَاصة بالمُؤلّف، ورقم الطبعة، وتاريخها، ومكان الطبع، وهي مَعْلُومات مُهمّة لا بدَّ من معْرفتها وتَدْوينها.

الوسيلة الحَديثة الأخرى: التي تَوصَّل إليها العِلم الحَديث هي: استخدام الحاسب الآلي؛ وهذه مسألة مُهمة جدًّا. والحاسب الآلي، يُمِدّ البَاحِثين الآن بمزايا عظيمة جدًّا، لا تتيسّر في أيّة وسيلة من وسائل العلْم التي توصّل إليها الإنسان حتى الآن. وهو يساعدنا إلى سُرعة الوصول إلى المَعْلُومات، ثم يساعدنا على الدِّقة في تَصوير هذه المَعْلُومات. وإذا تحدثنا على سبيل المثال عن بَاحِث يعْمل في مجال الحَديث النبوي، أو في التَّفسير، أو في غيرهما من التَّخَصصات التي دخلت مَعْلُوماتها، وبُرمِجت مَعْلُوماتها على الحاسب الآلي، فسوف نَجِد أن البَاحِث الآلي يُقَدم له مَعْلُومات عَظيمة جدًّا في وقت يَسير، وبطريقة لا يستطيع البَاحِث أن يَصِل إليها بنفسه إلَّا بعْد وقْتٍ طَويل، ومن الممكن جدًّا أن لا يصل إليها بهذه الدِّقَة.

مثلًا: لنفرض أنه أراد أن يُخَرِّج حديثًا من الأحاديث النبوية، فإنه عن طريق استحدام الشرائح المُمَغْنَطة المُجَهّزة والمُعَدّة للحديث النبوي، هو يَكْتَفي بأن يَكتب جُزءًا من الحديث أو بعْض ألفاظ الحديث، ثم يطالب “الكمبيوتر” باستدعاء المَعْلُومات المُتعلّقة بهذا الأمر، فيأتي له الحديث كَاملًا في كُتب السُّنة التي أوردت هذا الحَديث، بطُرقها المُختلفة، وأسانيدها المتنوّعة، وبرجال إسنادها، وبالحُكْم عليها، وبكلّ المَعْلُومات المُتَعلّقة بالرجال الواردين في الأسانيد. وإذا أراد البَاحِث أن يَقوم بهذا الجُهْد، فإنه يُمضي وقتًا طويلًا جدًّا، ولا يتمكن من الوصول إلى كلّ تلك الكُتب المُسجّلة على المَوسوعات الحَديثية.

وإذا عَلمنا على سبيل المثال: أنه توجد الآن أقراص مُمَغْنَطة، وشرائح مُمَغْنَطة عليها مثلًا (2.000.000) بيت من الشِّعْر. كم يحتاج الإنسان من الوقت حتى يصل إلى (2.000.000) بيت من الشِّعْر؟ إذا كان نَصّ يحققه على سبيل المثال، وأراد أن يُخَرِّج بيتًا من الشِّعْر، كيف يتسنَّى له أن يَرجِع إلى كلّ تلك الأعداد الهائلة من أبيات الشِّعْر؟ لكنه بلَمْسَة يَد على جهاز “الكمبيوتر”، بعد وضْع الأسطوانة الخاصة بهذا الأمر، يَستَطيع أن يَرجِع إلى كلّ تلك الأبيات، وأن يقول: هذا البيت من شِعْر فلان، وموجود في الدِّيوان أو في المجموعة الشِّعْرية رقم كذا، أو في كِتاب كذا … إلخ.

فهذه وسيلة من الوسائل الهائلة التي يمكن اعتبارها تُقَدِّم فائدة عظمى جدًّا للبَاحِثين. ولكن على البَاحِث أن يتعلّم كَيفية التَّعامل مع هذه الأجهزة حتى يُحْسن استثمار الوَقت والجُهد. وبعْض أجيالنا لم تَتمكّن حتى الآن مِن القِيام بهذا الأمر، وهي تفْقِد في الحَقيقة مصادر عِلمِيّة هَائِلة.

أمّا البَاحِثون المُحْدَثون، فإن عليهم أن يَبدءوا مُبكِّرًا في إدراك هذه الآلة السِّحْرية التي تُوصلهم إلى المَعْلُومات بطَريقة مُؤكَّدة ومُحقّقة للفائدة التي يسعى هؤلاء إلى اكتسابها في وقت يَسير وبقَدْر عالٍ جدًّا من الدِّقة.

قبل أن نترك هذه الفِكرة، أقول: ينبَغي أن نؤكِّد أنه على البَاحِث أن لا يُهْمِل ما يَطرأ على ذِهْنه مِن أفكار موافِقة لما نقَله، أو مُخالفة له، وأن يكتبها هي الأخرى على نَفْس البِطاقَات؛ لكي تتضمّن هذه البِطاقَات المَعْلُومات والأفكار التي أدّت إلى انبثاق هذه الأفكار في ذِهنه. وعليه أن لا يَستهين بهذا الأمر؛ لأن هذا سوف يُمَثّل نَموذَجًا من نماذج الأصالة التي يقوم هذا البَاحِث بها، وقد تُؤدي به إلى أفكار قَيِّمة تَجْعل بَحْثه من البُحُوث المُتميِّزة.

وعَليه -على كل حال- أن يستخدم كل الوسائل المُعاونة، التي تساعده على تَدْوين أفكاره، سواء أكانت عن طَريق الكتابة باليد، أم عن طريق التصوير، أم عن طريق التعامل مع تلك الأجهزة الحديثة التي توصَّل العلْم إليها.

error: النص محمي !!