Top
Image Alt

طعن الإمام أبي الفرج بن الجوزي في بعض أحاديث المسند

  /  طعن الإمام أبي الفرج بن الجوزي في بعض أحاديث المسند

طعن الإمام أبي الفرج بن الجوزي في بعض أحاديث المسند

ذكر العلماء أن ابن الجوزي حكم على ست وأربعين حديثًا، في مسند الإمام أحمد بالوضع، ذكر الحافظ العراقي تسعة أحاديث حكم عليها ابن الجوزي بالوضع، وذكر الحافظ ابن حجر خمسة عشر حديثًا حكم عليها ابن الجوزي بالوضع، استدركها على شيخه الحافظ العراقي.

وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذه الأحاديث الأربعة والعشرين في كتابه (القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد) جوابًا شافيًا منصفًا، ظهرت فيه عبقريته الحديثية، وتجرده للحق الذي هُدي إليه، وبيَّن -رحمه الله تعالى- أن هذه الأحاديث لم تصل إلى درجة الوضع، ثم أجاب عن كل حديث على وجه التفصيل، وذكر الحافظ السيوطي في كتابه (النكت البديعات على الموضوعات) أن في موضوعات ابن الجوزي ثمانية وثلاثين حديثًا من مسند الإمام أحمد رضي الله عنه.

وقد ذكر صاحب (ذيل القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد) قاضي المُلك محمد صبغة الله: الأحاديث التي ذكرها الحافظ السيوطي، وفاتت الحافظ ابن حجر، وعددها اثنان وعشرون حديثًا ودافع عنها.

قال الحافظ السخاوي وهو يتحدث عن مسند الإمام أحمد: “والحق أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها أشد في الضعف من بعض، حتى إن ابن الجوزي أَدخل كثيرًا منها في موضوعاته، ولكن قد تعقبه في بعضها الحافظ العراقي، وفي سائرها أو جلها شيخنا الحافظ ابن حجر، وحقق -كما سمعتُه منه- نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاءً وتحريرًا من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جميعها”.

قال الحافظ ابن حجر بعد أن أجاب على الأحاديث التسعة، التي ذكرها الحافظ العراقي، والتي ذكرها ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات): “والحكم على الأحاديث التسعة بكونها موضوعة محل نظر وتأمل، ثم إنها كلها في الفضائل أو الترغيب والترهيب، ومن عادة المحدِّثين التساهل في مثل ذلك، وفي الجملة لا يتأتى الحكم على جميعها بالوضع”.

قال الحافظ ابن حجر: “ليس في المسند عن الكذابين المتعمِّدين شيء، بل ليس فيه من الدعاة إلى البدع شيء، فإن أُريد بالموضوع ما يتعمد صاحبه الكذب، فأحمد لا يعتمد رواية هؤلاء في مسنده، ومتى وقع منه شيء فيه ذهولًا أمر بالضرب عليه حال القراءة، وإن أريد بالموضوع ما يُستدل على بطلانه بدليل منفصل فيجوز، والله أعلم. وما حررنا من الكلام على الأحاديث المتقدمة يؤيد صحة هذا التفصيل، ولله الحمد”.

وقد تحرر من مجموع ما ذكرنا أن المسند مشتمل على أنواع الحديث، لكنه مع مزيد انتقاء وتحرير بالنسبة إلى غيره من الكتب، التي لم يلتزم أصحابها الصحة في جميعها، والله أعلم.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر ما ذكره الإمام أحمد عقب حديث عبد الرحمن بن عوف، وأنه يدخل الجنة حبوًا، وأن الإمام أحمد قال عقب هذا الحديث: “هذا حديث كذب منكر، ثم قال الحافظ: فقد أبان علته، ولا حرج عليه في إيراده مع بيان علته، ولعله مما أمر بالضرب عليه؛ لأن هذه عادته في الأحاديث التي تكون شديدة النكارة، أو يكون مما غفل عنه وذهل؛ لأن الإنسان محل السهو والنسيان، والكمال لله تعالى”.

وهنا نذكر ثلاثة أحاديث من الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات)، والجواب عليها -إن شاء الله تعالى-:

الحديث الأول:

قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل في زيادات المسند له: “حدثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، قال: حدثنا عبد القاهر، قال: حدثني ابن كِنَانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه أن أباه العباس بن مرداس حدَّثه: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء فأجابه الله عز وجل أن قد فعلت وغفرت لأمتك إلا من ظلم بعضهم بعضًا، فقال: يا رب إنك قادر أن تغفر للظالم وتثيب المظلوم خيرًا من مظلمته، فلم يكن في تلك العشية إلا ذا، فلما كان من الغد دعا غداة المزدلفة فعاد يدعو لأمته، فلم يلبث النبي صلى الله عليه وسلم أن تبسم، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ضحكت في ساعة لم تكن تضحك فيها، فما أضحكك، أضحك الله سنك؟! قال: تبسمت من عدو الله إبليس، حين علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي وغفر للظالم -أهوى يدعو بالثبور والويل، ويحثو التراب على رأسه، فتبسمت مما يصنع جزعه”.

قال الحافظ ابن حجر عقب هذا الحديث: “أورده ابن الجوزي في (الموضوعات) من طريق المسند أيضًا، ونقل عن ابن حبان أنه قال: كنانة منكر الحديث جدًّا، ولا أدري التخليط منه أو من أبيه”.

قلت: وحديث العباس بن مرداس هذا قد أخرجه أبو داود في السنن، في أواخر كتاب الأدب منه، في باب: قول: “أضحك الله سنك”. قال أبو داود: “حدثنا عيسى بن إبراهيم، وسمعته من أبي الوليد، وأنا لحديث عيسى أحفظ قال: قال: أخبرنا عبد القاهر -يعني: السلمي- ثنا ابن كنانة بن عباس بن مرداس، عن أبيه عن جده، قال: “ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر: أضحك الله سنك…” وساق الحديث”. انتهى كلام أبي داود، ولم يَذكر في الباب غيره وسكت عليه، فهو صالح عنده.

وأخرجه ابن ماجه في كتاب الحج قال: “ثنا أيوب بن محمد الهاشمي، حدثنا عبد القاهر السلمي، ثنا عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي، أن أباه أخبره عن أبيه، نحو سياق إبراهيم بن الحجاج، وقال في آخره: فأضحكني مما رأيت من جزعه”. انتهى.

وأخرجه أيضًا الطبراني من طريق أبي الوليد وعيسى بن إبراهيم جميعًا بتمامه، وأخرجه أيضًا من طريق أيوب بن محمد به، وأما إعلال ابن الجوزي له تبعًا لابن حبان بكنانة، لم يصب ابن الجوزي في تقليده لابن حبان في ذلك؛ فإن ابن حبان تناقض كلامه فيه، فقال في (الضعفاء) ما نقله عنه ابن الجوزي وذكره في كتاب (الثقات في التابعين)، وقال ابن منده في تاريخه: “يقال إن له رؤية، وعبد الله بن كنانة أكثر ما يقع في الروايات مبهمًا، وقد سمي في رواية ابن ماجه وغيرها، ولم أر فيه كلامًا، إلا أن البخاري ذكر الحديث المذكور، وقال: لم يصح”. انتهى.

ولا يلزم من كون الحديث لم يصح أن يكون موضوعًا، وقد وجدت له شاهدًا قويًّا، أخرجه أبو جعفر بن جرير في التفسير في سورة البقرة، من طريق عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع عن ابن عمر، فساق حديثًا فيه المعنى المقصود من حديث العباس بن مرداس، وهو غفران جميع الذنوب لمن شهد الموقف، وليس فيه قول أبي بكر وعمر، وقد أوسعت الكلام عليه في مكان غير هذا.

وأورد ابن الجوزي الطريقة المذكورة أيضًا، وأعلها ببشار بن بُكير الحنفي راويها، عن عبد العزيز فقال: “إنه مجهول. قال الحافظ: ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا، وقد تابعه عبد الرحيم بن هانئ الغساني، فرواه عن عبد العزيز نحوه، وهو عند الحسن بن سفيان في مسنده، والحديث على هذا قوي؛ لأن عبد الله بن كنانة لم يتهم بالكذب، وقد روي حديثه من وجه آخر، وليس ما رواه شاذًا، فهو على شرط الحسن عند الترمذي”.

وقد أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في (الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين) والله الموفق، ثم وجدت له طريقًا أخرى من مخرج آخر بلفظ آخر، وفيه المعنى المقصود، وهو عموم المغفرة لمن شهد الموقف. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ومن طريقه أخرجه الطبراني في معجمه، عن إسحاق بن إبراهيم الدُّبَرِي عنه، عن معمر عمن سمع قتادة يقول: حدثنا خَلَّاس بن عمرو، عن عبادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: ((أيها الناس، إن الله عز وجل قد تصدق عليكم في هذا اليوم، فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، فادفعوا بسم الله، فلما كان بجمع قال: إن الله قد غفر لصالحيكم، وشفع صالحكم في طالحكم، يُنزل المغفرة فيعممها، ثم يفرق المغفرة في الأرض، فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده، وإبليس وجنوده على جبل عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم، فإذا نزلت المغفرة دعا وهو جنوده بالويل يقول: كيف أستفز بهم حقبًا من الدهر، ثم جاءت المغفرة فعمتهم يتفرقون وهم يدعون بالويل والثبور)).

رجاله أثبات معروفون إلا الواسطة الذي بين معمر وقتادة، ومعمر قد سمع من قتادة غير هذا، ولكن بَيِّنٌ هنا أنه لم يسمعه إلا بواسطة، لكن إذا انضمت هذه الطرق إلى حديث ابن عمر عُرِف أن لحديث عباس بن مرداس أصلًا، ثم وجدتُ لأصل الحديث طرقًا أخرى أخرجها ابن منده في الصحابة، من طريق ابن أبي فُدَيك، عن صالح بن عبد الله بن صالح، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن زيد، عن أبيه عن جده زيد قال: “وقف النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة فقال: أيها الناس إن الله قد تصدق عليكم في يومكم هذا، فوهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى محسنكم ما سأل، وغفر لكم ما كان منكم”، وفي رواية هذا الحديث من لا يُعرف حاله، إلا أن كثرة الطرق إذا اختلفت المخارج تزيد المتن قوة، والله أعلم.

الحديث الثاني:

قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: “حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن آدم صلى الله عليه وسلم لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب، أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال إني أعلم ما لا تعلمون. قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى يُهْبَط بهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان. قالوا: ربنا، هاروت وماروت، فأُهْبِطا إلى الأرض، ومُثلت لهما الزُّهرة: امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تَكَلَّما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله أبدًا، فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: والله لا نقتله أبدًا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها قالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا مما أبيتماه عليَّ إلا قد فعلتما حين سكرتما، فخُيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا”.

قال الحافظ ابن حجر عقب هذا الحديث: “أورده ابن الجوزي من طريق الفرج بن فُضالة عن معاوية بن صالح عن نافع وقال: لا يصح، والفرج بن فضالة ضعفه يحيى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة. قال الحافظ: وبيْن سياق معاوية بن صالح وسياق زهير تفاوت، وقد أخرجه من طريق زهير بن محمد أيضًا: أبو حاتم بن حبان في صحيحه، وله طرق كثيرة جمعتها في جزء مفرد، أكاد أقطع بوقوع هذه القصة؛ لكثرة الطرق الواردة فيها وقوة مخارج أكثرها، والله أعلم”.

الحديث الثالث:

قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى: “حدثنا حسين وأحمد بن عبد الملك قالا: حدثنا عبيد الله -يعني ابن عمرو- عن عبد الكريم، عن ابن جبير قال أحمد: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد” قال حسين: كحواصل الحمام”.

قال الحافظ ابن حجر: “أورده ابن الجوزي في (الموضوعات) من طريق أبي القاسم البغوي، عن هشام بن الحارث، عن عبيد الله بن عمرو به، وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتهم به عبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية البصري، ثم نقل تجريحه عن جماعة.

قال الحافظ: قلت: وأخطأ في ذلك ابن الجوزي؛ فإن الحديث من رواية عبد الكريم الجزري الثقة، المُخَرَّج له في الصحيح، وقد أخرج الحديث المذكور من هذا الوجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه وغيرهم. قال أبو داود في كتاب الترجل: حدثنا أبو توبة، ثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة”.

وأخرجه النسائي في الزينة، وابن حبان والحاكم في صحيحهما من هذا الوجه، وقال أبو يعلى في مسنده: حدثنا زهير، حدثنا عبد الله بن جعفر هو الرِّقِّي، حدثنا عبيد الله بن عمرو به، وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في (الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين) من هذا الوجه أيضًا”.

error: النص محمي !!