Top
Image Alt

طُرق معرفة الناسخ والمنسوخ: المتفق عليها، والمختلف فيها

  /  طُرق معرفة الناسخ والمنسوخ: المتفق عليها، والمختلف فيها

طُرق معرفة الناسخ والمنسوخ: المتفق عليها، والمختلف فيها

تابع آراء العلماء في نسخ المنطوق ومفهوم الموافقة:

نسخ حكم الأصل: هل يبقى معه حكم الفرع أو لا؟

فنقول: إن القياس يشتمل على أركان أربعة: هي “الأصل” -ويسميه العلماء: بالمقيس عليه أو محل الوفاق، و”الفرع” ويسميه العلماء: بالمقيس أو محل الخلاف الذي يراد معرفة حكمه عن طريق إجراء القياس، و”حكم الأصل” وهو الحكم الذي ثبت بنص أو إجماع، و”العلة” وهي الوصف الظاهر المنضبط الذي يجمع بين الأصل وبين الفرع.

فإذا ورد نصٌّ يفيد حكم في محل ما، وقد علل هذا النص بعلة وهذه العلة قد تكون منصوصة، وقد تكون مستنبطة.

ومعنى العلة المنصوصة: التي نصّ الشارع عليها.

ومعنى العلة المستنبطة: العلة التي اسـتخرجها المجتهد أو الفقيه بعد نظر وتأمل وبحث.

فإذا ما ورد نصٌّ يفيد حكم في محل، وقد علل بعلة منصوصة أو مستنبطة ثم وجدت هذه العلة في محل آخر، فحكم فيه بحكم الأصل؛ لأن هذا معنى القياس: إلحاق مسألة أو واقعة لا نصّ فيها بواقعة فيها نص. ثم ورد بعد ذلك نصٌّ فنسخ حكم الأصل، فهل يبقى بعد ذلك حكم الفرع أو لا؟

مثال: ثبت في الشرع حرمة الخمر، والعلة هي: الإسكار، وقاس العلماء النبيذ على الخمر، فقالوا: شرب النبيذ حرام قياسًا على الخمر بجامع الإسكار، فهب مثلًا -هو مثل افتراضي- أن حكم الخمر نسخ، هل يبقى حكم النبيذ الذي هو فرع أم لا يبقى؟

أظنكم الآن قد تصورتم المسألة، فإذا ما ورد نصٌّ ينسخ حكم الأصل فهل يبقى بعد ذلك حكم الفرع أو لا؟

اختلف الأصوليون في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: وهو مذهب جمهور الأصوليين قالوا: إنه إذا نسخ حكم الأصل فإن حكم الفرع ينسخ تبعًا له، فلو نسخنا الحرمة مثلًا في الخمر تنسخ الحرمة كذلك في النبيذ، واختار هذا المذهب علماء كثيرون كالكمال بن الهمام من الحنفية، والشيرازي والآمدي وابن السبكي من الشافعية، وابن الحاجب من المالكية وابن قدامة من الحنابلة.

ابن قدامة يرى: أن نسخَ حكم الأصل يؤدي إلى نسخ حكم الفرع لا محالة.

المذهب الثاني: وإليه ذهب بعض الشافعية وبعض أصحاب أبي حنيفة، ويرون أنه لا يلزم من نسخ حكم الأصل نسخ حكم الفرع، فلو نسخ مثلًا حكم الحرمة في الخمر هذا لا يلزم منه نسخ الحرمة في النبيذ، فهم يقولون: لا يلزم من نسخ حكم الأصل نسخ حكم الفرع، بل يجوز بقاء حكم الفرع مع نسخ حكم أصله، هذا هو المذهب الثاني في المسألة.

وبقي أن ندلل لكل مذهب من المذهبين:

دليل الجمهور: على أن نسخ حكم الأصل يؤدي إلى نسخ حكم الفرع، فقالوا: إن الحكم في الفرع إنما ثبت بالعلة التي اعتبرت لحكم الأصل، وقد نبهتكم قبل ذلك أن العلة من أهم أركان القياس؛ لأنه متى وجدت العلة الجامعة بين الأصل وبين الفرع عدينا ونقلنا حكم الأصل إلى الفرع، لذلك الجمهور يقولون: إن الحكم في الفرع إنما ثبت بالعلة التي اعتبرت لحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل للدليل الناسخ له، أو ورد دليل ناسخ لحكم الأصل فقد زال اعتبار أي علة لهذا الحكم، ومتى زال اعتبار العلة فقد زال اعتبار الحكم الذي ثبت بها، لأن العلة هي أهم ركن من أركان القياس، فإذا وجدت علة تم القياس إذا انتفت العلة انتفى القياس.

فالجمهور يقولون: متى زال اعتبار العلة فقد زال اعتبار الحكم الذي ثبت بها، وبذلك يكون رفع حكم الأصل مستلزمًا رفع حكم الفرع؛ لأن الفرع في الحقيقة تابع للأصل فلو رفعنا حكم الأصل فلابد أن نرفع حكم الفرع.

قلنا: هل عندكم مثال شرعي يوضح هذا المعنى؟

قالوا: نعم، بيان ذلك أنه قد ثبت في حديث الأعرابي المشهور، ومعنى الحديث: أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم وقال: يا رسول الله واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه  وسلم: ((أعتق رقبة)) فهذا حكم من واقع امرأته في نهار رمضان، ففهم العلماء من هذا الحديث: أن الجماع في نهار رمضان يوجب الكفارة، وثبت عند المجتهد أن العلة ما هي العلة التي من أجلها أوجب النبي صلى الله عليه  وسلم على من جامع امرأته في نهار رمضان أن يعتق رقبة.

ما العلة؟

فجائز أن تكون العلة هي: كون هذا الأعرابي بذاته أو بعينه هو الذي واقع هذه المرأة -يعني زوجته- بعينها، وإلا لو قلنا: أن هذه العلة فلغير هذا الأعرابي أن يواقع امرأته ولا نلزمه  بكفارة.

وجائز أن تكون العلة -مثلًا-: أنه واقع امرأته في هذا العام، وإلا فالأعوام التي تليها لا تجب فيها كفارة.

وجائز أن تكون العلة: لأن هذا أعرابي؛ وعليه فأهل الحضر لهم أن يجامعوا.

و جائز أن تكون العلة: لأن هذه المرأة بعينها هي التي وقع عليها، فبقي أن تكون العلة هي: انتهاك حرمة الشهر الفضيل.

إذًا: بقي أن تكون العلة هي: انتهاك حرمة شهر رمضان، وعلى ذلك فالمجتهد له أن يلحق من أكل أو شرب متعمدًا في نهار رمضان بمن جامع امرأته في نهار رمضان؛ لوجود العلة، فالعلة هنا هي: انتهاك حرمة الشهر فيمن جامع، والعلة فيمن أكل أو شرب متعمدًا موجودة أيضًا وهي انتهاك حرمة الشهر، فالكفارة في الأكل تكون ثابتة بالقياس على الجماع؛ فالذي جامع متعمدًا في نهار رمضان ألزمناه بعتق رقبة، ومن يأكل ويشرب متعمدًا في نهار رمضان نلزمه بعتق رقبة، قياسًا، يعني على الجماع، بناءً على العلة التي استنبطها المجتهد.

فإذا فرضنا أن الشارع نسخ وجوب الكفارة في الجماع -يعني: ورد نص فرضًا من الشارع- قال: من جامع امرأته فلا كفارة عليه، نحن قد أثبتنا الكفارة الآن على من أكل أو شرب، فهذا فرع والأصل عندي هو الجماع، فهب أنه قد ورد نصُّ من الشارع ونسخ وجوب الكفارة في الجماع، فهل تبقى الكفارة في حق من أكل أو شرب، فقالوا: فإن وجوب الكفارة في الأكل يرتفع تبعًا لذلك، هذا كلام الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله.

الجمهور يقول: إن ورد نصٌّ نسخ وجوب الكفارة في الجماع فإن وجوب الكفارة في الأكل يرتفع تبعًا لذلك؛ لأن العلة وهي: انتهاك حرمة الشهر قد زال اعتبارها بواسطة رفع الحكم الذي استنبطت منه، هذا حاصل دليل الجمهور وهو كما ترى دليل قوي ودليل واضح وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.

دليل المخالف:

المخالف الذي قال لا يلزم من نسخ حكم الأصل نسخ حكم الفرع، بل يجوز بقاء حكم الفرع مع نسخ حكم أصله.

والمخالف قد منع أن يرتفع حكم الفرع لارتفاع حكم الأصل وذلك لأمرين:

الأمر الأول: إن هذا إثبات نسخ في الفرع بالقياس عليه، فكما جاز نسخ الأصل نسخنا الفرع، والنسخ بالقياس لا يجوز.

والأمر الثاني: إن الفرع لما ثبت فيه الحكم صار أصلًا، فلما ثبتت الحرمة فيمن أكل أو شرب ووجوب الكفارة في حقه صار الأكل أو الشرب عمدًا بمنزلة الأصل، صحيح هو كان فرعًا لما قسناه على الجماع، لكن لما ثبت فيه الحكم صار أصلًا يعني قائمًا بذاته، ولك أن تقيس عليه، هذا حاصل كلامهم، فيجب ألا يزول الحكم فيه بزواله في غيره، وقد أجاب الجمهور عن ذلك.

أما الجواب عن الدليل الأول للمخالف: فقال الجمهور: إنا لا نقول إن ذلك نسخ بالقياس، وإنما هو إزالة الحكم لزوال موجبه، فالحكم زال فيمن أكل أو شرب متعمدًا في رمضان لزوال موجبه وهو زوال الحكم في الجماع، ولو كان ذلك نسخًا بالقياس لوجب أن يُقَال: إن ذلك نسخ من غير ناسخ وهذا لا يجوز، ولما لم يصح أن يقال هذا في العلة إذا أزيلت لم يصح أن يُقال ذلك في الأصل إذا ما زال، هذا الجواب عن الدليل الأول للمخالف.

وأما الجواب الثاني، عن الدليل الثاني، فقال الجمهور: لا نسلم أنه صار أصلًا بذلك، يعني الفرع لم يصر أصلًا بقياسه على غيره، وإنما هو تابع لغيره، فلا تسموه أصلًا وإن كان لكم أن تسموه فسموه تابعًا فقالوا: لا نسلم أنه صار أصلًا بذلك وإنما هو تابع لغيره ثبت الحكم فيه لأجله، يعني لأجل هذا الغير، لما ثبت وجوب الكفارة في الجماع، ثبت وجوب الكفارة في الأكل معتمدًا، فإذا ما زال وجوب الكفارة في الجماعة زالت وجوب الكفارة في الأكل، فإذا سقط حكم المتبوع سقط حكم التابع، إلى هنا انتهى الكلام عن مسألة حكم نسخ حكم الأصل: هل يبقى معه حكم الفرع أو لا؟ وقد عرفتم أن في المسألة مذهبين؛ مذهب للجمهور ومذهب لبعض العلماء، وقد رجحنا والحمد لله مذهب الجمهور لقوة دليله.

المسألة الرابعة:

والآن ننتقل إلى المسألة الرابعة والأخيرة في نسخ المنطوق ومفهوم الموافقة، وهذه المسألة الرابعة التي ذكرها ابن قدامة في (روضته): هي نسخ الحكم في المنطوق: هل يعتبر نسخًا للحكم الثابت بدليل خطابه؟ بمعنى: مفهوم المخالفة من نص من النصوص إذا نسخ هذا النص، هل يعتبر هذا نسخًا للحكم الثابت بمفهوم المخالفة؟

اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن نسخ الحكم في المنطوق به يستلزم نسخ الحكم الثابت بمفهوم المخالفة، أو دليل الخطاب كما سماه ابن قدامة في (الروضة)، وهذا هو مذهب ابن قدامة، حيث قال -رحمه الله-: أو بدليل خطابه. وهو مذهب الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله.

ودليله ما سبق مما قلناه وهو: إن مفهوم المخالفة يعتبر فرعًا تابعًا للأصل، فإذا سقط حكم الأصل وهو حكم المنطوق به سقط حكم الفرع، هذه مسلمة، أو تقول في الاستدلال بطريقة أخرى: إن نسخ الأصل يستلزم نسخ مفهومه الذي هو مخالف له حكمًا؛ لأنه إنما يدل على ضد الحكم باعتبار القيد المذكور، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما ينبني عليه، ولك أن تقول في الدليل أيضًا: إن الدليل إنما هو تابع للفظ فهو تابع له وفرع عنه، فيستحيل أن يسقط الأصل ويكون الفرع باقيًا، هذا هو المذهب الأول بدليله.

أما المذهب الثاني، فقال أصحابه: يجوز أن ينسخ الحكم في المنطوق به مع بقاء الحكم الثابت بدليل الخطاب وهو مفهوم المخالفة، وقد ذهب إلى ذلك بعض الشافعية، وهو وجه لبعض الحنابلة، وقد احتجوا بمثل ما احتج به أصحاب المذهب الثاني، من المسألة الثالثة التي ذكرناها وأجبنا عن ذلك هناك فليراجع. هذا تمام القول في مفهوم الموافقة بمسائله الأربعة.

وأما مفهوم المخالفة:

هل يجوز نسخه والنسخ به أو لا يجوز؟

فنقول: أما كون مفهوم المخالفة يأتي منسوخًا يعني ينسخه غيره، فهذا جائز، سواء نسخ الأصل أو لم ينسخ، وهو قول جمهور العلماء، بمعنى يجوز نسخ حكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل ودونه، وأما مثال نسخ المفهوم المخالف مع أصله فهو واضح؛ حيث إنه إذا نسخ الأصل وهو النص ينسخ معه جميع ما يفهم منه.

بقي أن نمثل بمثال توضيحي لهذه المسألة، مثال: نسخ مفهوم المخالفة مع نسخ أصله: نسخ وجوب الزكاة في السائمة ونفيه في المعلوفة، الدالّ عليهما -أي على الوجوب والنفي- قوله صلى الله عليه  وسلم: ((في سائمة الغنم زكاة))، فبعد نسخ هذا الدليل الخاص بالسائمة يرجع الأمر في المعلوفة إلى ما كان قبل الدليل الخاص مما دل عليه الدليل العام بعد الشرع مع تحريم الفعل وهو إخراج الزكاة إن كان مضرة أو إباحته إن كان منفعة، فالأشياء قبل ورود الشرع ينظر فيها، إن تحقق من ورائها منفعة فهي مباحة وإن تحقق من ورائها مضرة فهي منهي عنها أو محرمة، وعلى ذلك يرجع الأمر في سائمة الغنم إلى مسألة نسخ الوجوب أو إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، هذا مثال توضيحي لنسخ مفهوم المخالفة مع نسخ أصله.

وأما مثال نسخ المفهوم المخالف مع بقاء أصله: فهو ما أخرجه الإمام مسلم والترمذي وأبو داود والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((إنما الماء من الماء)) يعني: إنما يجب الغسل من إنزال المني، فقد نسخ مفهومه بما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد جميعًا عن عائشة رضي الله  عنها أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)).

فالحديث الأول: ((إنما الماء من الماء)) يدل على أن الغسل لا يجب إلا من الإنزال.

والحديث الثاني: يدل على أن مجرد التقاء الختانين ولو بلا إنزال يوجب الغسل، فيقولون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فهنا بقي الأصل وهو وجوب الغسل بالإنزال.

أما كون مفهوم المخالفة يأتي ناسخًا، فقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب.

إذًا قررنا الآن أن مفهوم المخالفة يأتي منسوخًا هذا جائز، وقد مثلنا بمثال لنسخ المفهوم المخالف مع أصله، ومثال آخر لنسخ المفهوم مع بقاء أصله، أما كون مفهوم المخالفة يأتي ناسخًا؛ فالعلماء اختلفوا في ذلك على مذاهب:

المذهب الأول: أنه لا يجوز أن يأتي مفهوم المخالفة ناسخًا، ولكم أن تستحضروا مفهوم المخالفة وقد ذكرت لكم في الدروس السابقة قول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((في الغنم السائمة زكاة أو في سائمة الغنم زكاة))، منطوق الحديث: أن الغنم السائمة يعني غير المعلوفة أي: التي لا ينفق عليها صاحبها في الأكل هذه تزكى إذا بلغت النصاب، ومفهوم المخالفة: أن المعلوفة لا زكاة فيها، فهذا حاصل مفهوم المخالفة، فهل مفهوم المخالفة يكون ناسخًا يعني لغيره؟

اختلف العلماء في ذلك: المذهب الأول: يرى أصحابه أنه لا يجوز أن يأتي مفهوم المخالفة ناسخًا؛ لأن النص أقوى منه، النص أقوى من مفهوم المخالفة بمعنى أن مفهوم المخالفة يضعف عن مقاومة النص؛ لأن مفهوم المخالفة إنما أخذ معناه من النص أصلًا، فالنص لا شك أقوى منه، فإذا كان مفهوم المخالفة أضعف من النص فإنه لا يستطيع أن يقاوم النص، وهذا المذهب هو الصحيح أن مفهوم المخالفة لا يكون ناسخًا لغيره، وقد قطع به ابن السبكي -رحمه الله- في كتابه (جمع الجواب).

أما المذهب الثاني: فيرى أصحابه أنه يجوز أن يأتي مفهوم المخالفة ناسخًا؛ يعني: مفهوم المخالفة يكون ناسخًا لغيره لدليلٍ آخر، لماذا؟

قالوا: لأن مفهوم المخالفة في معنى النص، يعني: أنا صحيح استفدت مفهوم المخالفة من النص لكنه في معنى النص، وإذا كان في معنى النص فيجوز أن ينسخ وأن ينسخ به، لأن النص ينسخ وينسخ به، فكما أن النص يأتي ناسخًا كذلك مفهوم المخالفة يأتي ناسخ ولا فرق في ذلك، وهذا مذهب بعض الشافعية، كأبي إسحاق الشيرازي وغيره.

والمذهب الثالث: نفرق بين المفاهيم، فإن كان نوع المفهوم المخالف من المفاهيم القوية كمفهوم الصفة، ومفهوم الشرط ونحوهما، فيجوز أن يكون ناسخًا؛ لأنه قريب من المنطوق، فكأن المذهب الثالث يفرق بين مفهوم المخالفة القوي ومفهوم المخالفة الضعيف، فإن كان مفهوم المخالفة قوي كمفهوم الصفة، ومفهوم الشرط يجوز أن يكون ناسخًا لغيره، ودليلهم على ذلك أنه يكون قريبًا من المنطوق، والمنطوق يكون ناسخًا ومنسوخًا، قالوا: وإن كان من المفاهيم الضعيفة: كمفهوم العدد، ومفهوم اللقب، ونحوهما، فلا يجوز أن يكون ناسخًا لماذا؟ قالوا: نظرًا لضعفه وعجزه عن مقاومة النص.

معرفة الناسخ والمنسوخ لا تكون إلا عن طريق الشرع:

انتهينا والحمد لله من الكلام عن مبحث النسخ وما يتعلق به من أحكام، والآن ننتقل إلى جزئية مهمة جدًّا تتعلق بموضوع النسخ، ألا وهي جزئية طرق معرفة الناسخ والمنسوخ، وكل من كتب في النسخ من أهل العلم جعل طرق معرفة الناسخ والمنسوخ خاتمة لهذا الموضوع، وطرق معرفة الناسخ والمنسوخ متعددة فلك أن تسميها وسائل ولك أن تسميها طرق، وبعض أهل العلماء يقول: ما يعرف به النسخ، كما صنع ابن قدامة -رحمه الله- في (روضته): فاعلم -وفقني الله وإياك- أنه إذا تعارض نصان فالناسخ هو المتأخر وبمناسبة كلمة تعارض نصان اعلموا جيدًَا أنه لا يوجد تعارض حقيقي في الواقع، ونفس الأمر في الشريعة الإسلامية فهي شريعة كاملة لكن التعارض قد يقع في نظر المجتهد.

وبعد بحث وتأمل وتدبر يستطيع المجتهد أن يدفع هذا التعارض، فإذا ما تعارض نصان –يعني: في نظر المجتهد- فالناسخ هو المتأخر، ولا يعرف تأخره يعني تأخر الناسخ بدليل العقل ولا بقياس الشرع بل بمجرد النقل.

فأهل السنة يرون: أن العقل لا مدخل له في الشرع، وعلى ذلك فمعرفة الناسخ لا تتم أبدًا عن طريق العقل ولا عن طريق قياس الشرع، وإنما تعرف عن طريق النقل، ويدل على ذلك أن النسخ -كما قلت لكم- إما رفع الحكم الشرعي أو بيان مدة انتهاء العمل به، وكل واحدٍ منهما لا طريق إلى العقل لمعرفته، ولو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل، وليس الأمر كذلك.

ومما يدل على أنه لا يعرف النسخ عن طريق العقل والقياس أن النسخ لا يكون إلا بتأخر الناسخ عن زمن المنسوخ، هذا أمر ضروري: الناسخ لابد أن يكون متأخرًا عن المنسوخ، ولا مدخل للعقل في ذلك، ولا القياس، فالقياس أيضًا: لا يعرف المتقدم من المتأخر.

فإن قلت: كيف نعرف الناسخ والمنسوخ؟ أو ما طرق معرفة الناسخ والمنسوخ؟ معرفة الناسخ والمنسوخ تكون عن طريق النقل المجرد.

حاجة المجتهد لمعرفة الناسخ و المنسوخ:

ويعتبر لصحة النسخ أن يتأخر الناسخ عن المنسوخ، ولهذا طرق كثيرة بعض أهل العلم سماها: “وسائل”، فقال: إذا ورد في التشريع نصان متناقضان لا يمكن الجمع بينهما فلابد أن يكون أحدهما منسوخًا، لأن التشريع محكمٌ متقنٌ لا تناقض فيه عند التحقيق.

فالمجتهد مضطر إلى معرفة الوسائل أو الطرق الصحيحة الدالة على الناسخ والمنسوخ، ولذلك فالمجازفة في الحكم بالنسخ ليست من دأب العلماء المتورعين المحققين،وعلم أصول الفقه قد بين هذه الوسائل، وميز الصحيحة من الفاسدة، وهذه الوسائل أو الطرق بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه. 

الطرق المتفق عليها في معرفة الناسخ والمنسوخ:

ولنبدأ بالطرق أو الوسائل المتفق عليها، قال ابن قدامة -رحمه الله-: فصل فيما يعرف به النسخ: اعلم أن ذلك لا يعرف بدليل العقل، ولا بقياس، بل بمجرد النقل، وذلك من طرق:

1. أحدها: أن يكون في اللفظ، كقوله صلى الله عليه  وسلم: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها))، ((كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا)) يعني: لا تنتفعوا بها، هذا هو الطريق الأول أو الوسيلة الأولى من الوسائل التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ، وهذه الطريقة يسميها العلماء: “التنصيص من الشارع على أن أحد الأمرين المتعارضين بخصوصه ناسخ للآخر”، وقد مثّل ابن قدامة -رحمه الله- بقول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة)) فقد نص النبي صلى الله عليه  وسلم في هذا الأمر على أن الأمر بالزيارة جاء بعد النهي عنها، فيكون الأمر بالزيارة متأخر عن النهي عن الزيارة، وقال بعض أهل العلم: يعلم الناسخ والمنسوخ من اللفظ، أي من النطق بمعنى: أن يعلم من اللفظ تقدم أحد الحكمين على الآخر، وحينئذ يكون المتقدم منسوخًا والمتأخر ناسخًا.

فالتقدم يعني في التنزيل، وليس في التقدم في التلاوة.

ومن أمثلة ذلك في القرآن: قول الله تعالى: {الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66]، فإن هذا اللفظ قد علمنا منه أنه يقتضي أن الله تعالى نسخ عن الصحابة أن يصابر كل واحد عشرة إلى أن يصابر كل واحد منهم لاثنين فقط، فقوله: { الْآَنَ} فيه دليل على ذلك.

ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ } [البقرة: 187]، فإن هذا اللفظ يفيد ويقتضي نسخ الإمساك بعد الفطر.

وأيضًا: قول الله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ }  [المجادلة:13]،  فإنه يفيد نسخ الصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه  وسلم.

ويلحق بهذا أيضًا: ذكر الصحابي لتقدم أحد الحكمين أو يذكر قرينةً قوية، يعني الصحابي رضي الله  عنه يذكر أن هذا الحكم متقدم على هذا الحكم، وعليه فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم وهذا إنما يكون عند التعارض.

مثال: في الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم قال: ((كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238])) يعني: حتى نزلت آية: { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فكان الكلام في الصلاة في بادئ الأمر جائز، على حد قول زيد بن أرقم: ((كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام)) الحديث متفق عليه.

ومن ذلك أيضًا: تصريح الصحابي بآخر الأمرين أو نحوه، فالصحابي يقول: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه  وسلم كذا، وهذا الذي يسميه العلماء أن يذكر الراوي تاريخ سماعه، فيقول: سمعت عام الفتح كذا، ويكون المنسوخ معلومًا تقدمه، وله مثال في الشرع وهو ما رواه الأربعة وابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر قال: ((كان آخر الأمر من رسول الله صلى الله عليه  وسلم ترك الوضوء مما مست النار)). وروى الإمام أحمد عن السيدة فاطمة رضي الله  عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أكل في بيتها عرقًا فجاءه بلال فآذنه بالصلاة -يعني أعلمه بالصلاة- فقام صلى الله عليه  وسلم يصلي فأخذت -يعني السيدة فاطمة- بثوبه -يعني بثوب النبي صلى الله عليه  وسلم- فقالت: يا أبتِ ألا تتوضأ، فقال: مِمَّ أتوضأ أي بنية؟ قالت: فقلت: مما مست النار -لأن النبي صلى الله عليه  وسلم كان قد أكل شيئًا عندها مسته النار- فقال: أوَليس أطهر طعامنا ما غيرت النار)) فهذا الحديث دليل على أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه  وسلم  أنه ما كان يتوضأ مما مست النار، فهذا مثال أيضًا: يدل على معرفة المتأخر والمتقدم، فالمتأخر في هذه الحالة ينسخ المتقدم، فتصريح الصحابي بآخر الأمرين أو نحوه دليلٌ على أن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم.

2. الثاني: وفي هذا يقول ابن قدامة -رحمه الله-: الثاني: يعني من الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه فيقول: سمعت عام الفتح، ويكون المنسوخ معلومًا تقدمه، فمثلًا إذا قال الراوي: سمعت عام فتح مكة أو يقول: سمعت عام غزوة أحد ونحو ذلك، فيكون المنسوخ هو الذي تقدم على ذلك التاريخ بمعنى يكون المنسوخ هو الذي ورد قبل ذلك في تلك المسألة مثلًا.

مثال: العلماء يمثلون لذلك بما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد عن شداد بن أوس: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) فهذا الحديث منسوخ بما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والبيهقي والهيثمي عن ابن عباس: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم احتجم وهو محرم صائم)) وعليه فإن ابن عباس إنما صحبه صلى الله عليه  وسلم محرمًا في حجة الوداع سنة عشر، وفي بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان في زمن الفتح وذلك في سنة ثمانٍ، فتح مكة في سنة ثمان، والنبي صلى الله عليه  وسلم احتجم وهو محرم وهو صائم في حجة الوداع، وكانت في السنة العاشرة، فعلم بذلك صحة الاحتجام في الصوم وفي الإحرام.

3. الثالث: الإجماع؛ ولذلك يقول ابن قدامة -رحمه الله-: الثالث: يعني من الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ، أن تجمع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ وأن ناسخه متأخر، لا أن الإجماع هو الناسخ؛ لأننا قد انتهينا من مسألة نسخ الإجماع والنسخ به.

ومثلوا له في نسخ رمضان لصيام عاشوراء ونسخ الزكاة لسائر الحقوق في المال، واتفقت الصحابة رضي الله  عنهم على ترك استعمالهم هذا؛ فدل عدولهم عنه على نسخه.

ومن ذلك أيضًا: ما روي أن الأمة أجمعت على نسخ قتل شارب الخمر في المرة الرابعة كما يفيد حديث معاوية مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه  وسلم، فالإجماع على نسخ قتل شارب الخمر في المرة الرابعة إذا لم يؤثر فيه الجلد ثلاث مرات، ولم يجدوا له نصًّا ناسخًا فالإجماع إذًا هو الذي دل على أن قتل شارب الخمر في المرة الرابعة منسوخ.

ومثلوا لذلك بنسخ رمضان لصيام عاشوراء، فالأمة مجمعة على أن صيام رمضان ناسخ لصيام يوم عاشوراء، وكذلك أجمعوا على نسخ الزكاة لسائر الحقوق في المال، واتفقت الصحابة رضي الله  عنهم على ترك استعمالهم هذا فدل عدولهم عنه على نسخه.

4. الرابع: أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ، فيقول: “رخص لنا في المتعة فمكثنا ثلاثًا ثم نهانا عنها”.

فهذا هو الطريق الرابع من طرق معرفة الناسخ والمنسوخ وهو من الطرق المتفق عليها.

وحاصله: أن يخبر الراوي بذلك.

وبيانه: أن يقول الراوي عن الناسخ والمنسوخ أو يخبر عن الناسخ والمنسوخ فيفهم ذلك من كلامه صراحةً، وقد مثل العلماء لذلك بقول بعض الرواة: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم في المتعة يعني: في نكاح المتعة فمكثنا ثلاثًا يعني: ظل نكاح المتعة مباحًا ثلاث سنوات ثم نهانا عنها صلى الله عليه  وسلم، فهذا دليل على معرفة الناسخ والمنسوخ، وهو إخبار الراوي بذلك، ومن ذلك أيضًا ما رواه الإمام مسلم والترمذي والإمام مالك والبيهقي عن عليٍ رضي الله  عنه أنه قال: ((أمرنا النبي صلى الله عليه  وسلم بالقيام للجنازة ثم قعد)).

ومعنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه  وسلم نهى إذا رأوا جنازة أن يقوموا، ثم قعد بعد ذلك صلى الله عليه  وسلم فيُعلم من هذا أن قعود النبي بعد الأمر بالقيام دليل على أن القعود ناسخ للقيام.

وفي هذا يقول ابن قدامة رحمه الله: الرابع: أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ فيقول: رخص لنا في المتعة فمكثنا ثلاث ثم نهانا عنها أو رخص لنا، يعني: الرسول صلى الله عليه  وسلم في المتعة فمكثنا ثلاثًا ثم نهانا عنها.

5. الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي صلى الله عليه  وسلم، والآخر لم يصحب النبي صلى الله عليه  وسلم إلا في أول الإسلام.

فهو أن ينقل راوٍ من الرواة خبرًا من الأخبار في مسألة فقهية، ثم ينقل راو غيره خبرًا آخر ضده في نفس المسألة ويعلم أن الراوي الثاني أسلم في آخر حياة النبي صلى الله عليه  وسلم ويعلم أيضًا أن الراوي الأول لم يصحب النبي صلى الله عليه  وسلم إلا في أول الإسلام، ثم انقطع، فإن نقل الثاني يعلم أنه متأخر عن الأول فيكون هو الناسخ، وما نقله الأول يكون منسوخ.

وفي هذا يقول ابن قدامة -رحمه الله-: الخامس -يعني الطريق الخامس من الطرق التي يعرف بها الناسخ من المنسوخ-: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي صلى الله عليه  وسلم، والآخر لم يصحب النبي صلى الله عليه  وسلم إلا في أول الإسلام؛ كرواية طلق بن علي الحنفي، وأبي هريرة في الوضوء من مس الفرج، فما هو هذا المثال الذي ذكره ابن قدامة في (روضته)؟ نقول: هذا المثال هو ما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم عن طلق بن علي ((إن النبي صلى الله عليه  وسلم سئل عن الوضوء من مس الذكر))  فلو أن إنسانًا مس ذكره فهل يتوضأ أو لا يتوضأ؟ رواية طلق بن علي يقول: ((إن النبي صلى الله عليه  وسلم سئل عن الوضوء من مس الذكر، فقال: هل هو إلا بضعة منك)) ويفهم من هذا: أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، فهذا الخبر يفيد عدم وجوب الوضوء من مس الذكر.

وأخرج البيهقي والشافعي وأحمد والحاكم عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه  وسلم قال: ((ومن أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء)) فهذا الخبر بمنطوقه أفاد وجوب الوضوء من مس الذكر.

إذًا:ً عندي تعارض وتضاد وتناقض، حديث طلق يدل على أنه لا يجب الوضوء من مسّ الذكر، وحديث أبي هريرة يدل على أنه يجب الوضوء من مسّ الذكر، فما هو موقف المجتهد في دفع هذا التعارض، وقد علم بهذا أن حديث أبي هريرة متأخر عن حديث طلق؟ فحديث أبي هريرة متأخر عن حديث طلق؛ لأن أبا هريرة أسلم في آخر حياة النبي صلى الله عليه  وسلم وبعد وفاة طلق بن علي، وبهذا يكون حديث أبي هريرة ناسخًا لحديث طلق.

ولأجل هذا التعارض بين هذين الحديثين، وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم مسّ الذكر؛ هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء، وسبب الخلاف كما عرفت الآن هو التعارض بين حديث طلق وحديث أبي هريرة، وهي المسائل الفرعية الفقهية ولأجل ذلك اختلف الفقهاء.

وكان خلافهم على مذهبين:

المذهب الأول: أن مسّ الذكر باليد ناقض للوضوء، فمن مسّ ذكره بيده دون سترٍ انتقض وضوءه، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، منهم: الإمام الشافعي، والإمام مالك في المشهور عنه، ورواية عن الإمام أحمد -رحمه الله- غير أن الشافعي يخص ذلك بالمسّ بباطن الكف فقط، أما ظهر الكف فلا ينقض الوضوء عند الشافعي، والإمام مالك يشترط اللذة والعمد.

فكأن مسّ الذكر ينقض الوضوء عند الإمام مالك وعند الإمام الشافعي لكن بشروط، عند الشافعي أن يكون بباطن الكف، وعند مالك بشرط اللذة والعمد، وقد استدل هؤلاء بحديث أبي هريرة هذا الذي سقناه منذ لحظات، وهو صحيح، ورجح بعض أهل العلم هذا المذهب، وأيدوه بما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة ومالك وأحمد عن بسرة بنت صفوان رضي الله  عنها أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((من مس ذكره فليتوضأ)) فهذا الحديث مع حديث أبي هريرة يؤيد مذهب جمهور أهل العلم في أن مس الذكر ينقض الوضوء، وقد أجابوا عن حديث طلق بجوابين: حديث طلق كما عرفنا يدل على عدم وجوب الوضوء من مسّ الذكر، وحديث أبو هريرة وحديث بسرة يدل على وجوب الوضوء.

فما قول جمهور العلماء في حديث طلق؟

أجابوا عن حديث طلق بجوابين:

الجواب الأول: أنه منسوخ بالأحاديث التي دلت على نقض الوضوء كما قررنا، وبخاصة حديث أبي هريرة رضي الله  عنه كما سبق، لأننا بينا أن حديث أبي هريرة ناسخ لحديث طلق، لأن أبا هريرة أسلم في آخر حياة النبي وبعد وفاة طلق بن علي.

الجواب الثاني: قالوا: إن حديث طلق ضعيف لا ينهض لمعارضة الأحاديث الأخرى، كما قال البيهقي وأبو حاتم والدارقطني وأبو زرعة وابن الجوزي، هذا حاصل المذهب الأول، ويرى أصحابه: نقض الوضوء بمسّ الذكر.

المذهب الثاني: فهو مذهب الحنفية: فيرون أن مس الذكر غير ناقض للوضوء وقد احتجوا بحديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي الذي ذكرناه لكم الآن، بقي أن يجيبوا عن حديث أبي هريرة، فأجابوا عن حديث أبي هريرة بأنه ضعيف، لا يقوى على معارضة حديث طلق بن علي، وأجابوا كذلك عن حديث بسرة بنت صفوان بأنه خبر واحد، وخبر واحد فيما تعم به البلوى ويكثر؛ لذلك قال السرخسي -رحمه الله- في كتابه (المبسوط): وحديث بسرة لا يكاد يصح، فقد قال يحيى بن معين: ثلاث لا يصح فيهن حديث عن رسول صلى الله عليه  وسلم منها هذا، يعني حديث: ((من مس ذكره فليتوضأ)) ثم قال: وما بال رسول الله صلى الله عليه  وسلم لم يقل هذا بين كبار الصحابة حتى لم ينقله أحد منهم وإنما قاله بين يدي بسرة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه  وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها، انتهى كلام السرخسي.

وبه يعلم أن المسألة خلافية في نقض الوضوء بمسّ الذكر بناء على التعارض الحاصل بين حديث طلق وحديث أبي هريرة، وقد عرفت الآن وجهة نظر كل مذهب، وكيف أجاب عن أدلة خصومه وبالله التوفيق.

الطرق المختلف فيها في معرفة الناسخ والمنسوخ:

الأول:  قول الراوي: “كان الحكم كذا ثم نسخ” فإنه لا يثبت به النسخ عند الجمهور، لجواز أن يكون قوله عن اجتهاد لا عن توقيف من النبي صلى الله عليه  وسلم، والمجتهد لا يكلف بالعمل بقول مجتهد آخر.

خلاف بين العلماء على رأيين:

الرأي الأول وهو للشافعية قالوا: إن قول الراوي: كان الحكم كذا ثم نسخ، لا يثبت به النسخ؛ لجواز أن يكون قوله عن اجتهاد، يعني قول الراوي قاله عن اجتهاد منه، لا عن توقيف من النبي صلى الله عليه  وسلم والمجتهد لا يكلف بالعمل بقول مجتهد آخر، وهذا الكلام معناه: أن المجتهد لا يقلد مجتهدًا غيره.

الرأي الثاني: رأي الحنفية: فإنهم يثبتون النسخ بذلك؛ لأن إطلاق الراوي العدل النسخ من غير أن يعين الناسخ مشعر بأنه توقيف من الرسول صلى الله عليه  وسلم فيقبل قول الراوي فيه.

هذا الرأي الثاني في المسألة وهو للحنفية، ويثبتون بقول الراوي: كان الحكم كذا ثم نسخ، يثبتون بذلك النسخ، ودليلهم في ذلك أن إطلاق الراوي العدل تأملوا هذا لابد في الراوي أن يكون عدلًا، إطلاق الراوي العدل النسخ من غير أن يعين الناسخ هذا الإطلاق مشعر بأنه توقيف من الرسولصلى الله عليه  وسلم، أي كأن الراوي لا يقول هذا الكلام إلا وقد سمعه من رسول الله صلى الله عليه  وسلم، وعلى ذلك فقول الراوي: كان الحكم كذا ثم نسخ، يثبت به النسخ.

الثاني:  كون أحد النصين المتعارضين مثبتًا في المصحف بعد النص الآخر:

انتبهوا لهذا، كون أحد النصين المتعارضين مثبتًا في المصحف، يعني: مكتوب في المصحف، بعد النص الآخر، يعني: هم ينظرون الآن إلى ترتيب المصحف، ترتيب الكتاب، فيرون أنه إذا كان النص مثبتًا في المصحف بعد النص الآخر.

فبعض أهل العلم يرى: أن المتأخر في الإثبات ناسخ للمتقدم، فدليلهم أن التأخير كتابةً في المصحف دليل على أن المتأخر ناسخ للمتقدم، وهذا رأي بعض أهل العلم وهو رأي ضعيف، كما سيتضح الآن.

أما الجمهور: فلا يرون ذلك، ودليلهم: أن ترتيب الآيات في المصحف ليس على ترتيب النزول، بل قد يكون المتقدم في الترتيب متأخرًا في النزول.

مثال: فعندي ترتيب آية عدة المتوفى عنها زوجها؛ فالآية الناسخة متقدمة في المصحف عن الآية المنسوخة، ولنبين ذلك، آيتي عدة المتوفى عنها زوجها؛ الله تعالى قال في سورة البقرة في الآية الرابعة والثلاثين بعد المائتين: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } [البقرة: 234] وقال –سبحانه- في الآية الأربعين بعد المائتين من نفس السورة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240] فإن الآية الناسخة هنا هي الأولى وهي متقدمة في المصحف عن الآية المنسوخة وهي الآية الثانية، وعليه فالجمهور لا يرى أن أحد النصين المتعارضين إذا كان مثبتًا في المصحف بعد النص الآخر يكون ناسخًا؛ لأن ترتيب الآيات في المصحف ليس على ترتيب النزول.

الثالث: كون الراوي لأحد الحديثين المتعارضين أصغر سنًّا من الراوي الآخر أو متأخرًا في الإسلام عنه.

وهذا الطريق محل خلاف؛ فبعض العلماء يرى: أن الحديث الذي رواه الأصغر سنًّا، أو المتأخر في الإسلام يكون ناسخًا للحديث الآخر؛ لأن الظاهر أنه متأخر في الزمن عن الحديث الآخر، هذه وجهة نظر من قال: إن الراوي لأحد الحديثين المتعارضين إن كان أصغر سنًّا كان حديثه ناسخًا أو متأخرًا في الإسلام.

أما جمهور أهل العلم: فلا يرون ذلك، ودليلهم قالوا: لجواز أن يكون الأصغر سنًّا قد روى عمن هو أكبر منه بمعنى ليس بالضرورة أن يكون الراوي الأصغر سنًّا قد سمع الحديث مباشرةً من النبي صلى الله عليه  وسلم؛ بل قد يكون سمعه من راوٍ أكبر منه سنًّا وحينئذٍ يزول الكلام في مسألة السن، قالوا: وأن يكون المتأخر إسلامًا قد روى عمن تقدمه في الإسلام.

الرابع: كون أحد النصين المتعارضين، موافقًا للبراءة الأصلية والآخر مخالفًا لها.

فهو ما يقول عنه الأصوليون: كون أحد النصين المتعارضين موافقًا للبراءة الأصلية، ومعنى البراءة الأصلية: أن المكلف ذمته بريئة قبل شغلها بالتكاليف الشرعية؛ فالإنسان قبل أن يكلف بتكاليف من قبل الشارع ذمته بريئة من كل تكاليف أو من كل حقوق للغير، فلو كان أحد النصين المتعارضين موافقًا للبراءة الأصلية والآخر مخالفًا لها فيرى بعض العلماء أن النص الموافق للبراءة متأخر عن النص المخالف لها، لكونه مفيدًا فائدة جديدة؛ وهي رجوع الفعل إلى البراءة الأصلية بعد نسخ الحكم الذي شرع بعدها، ولو جعل متقدمًا على النص الآخر لم يكن مفيدًا فائدة جديدة، فهم يرتبون على تأسيس فائدة جديدة فما يؤسس فائدة جديدة هو الذي يوافق البراءة الأصلية بخلاف المخالف للبراءة الأصلية.

قالوا: لأن البراءة الأصلية مستفادة قبله، ومتى جعل الموافق متأخرًا كان ناسخًا للمتقدم، هذا رأي بعض العلماء.

وهل هذا الرأي صحيح؟

الجمهور قال: هذا الرأي غير صحيح؛ لأن جعل أحد النصين بعينه متقدمًا والآخر بعينه متأخرًا ليس أولى من العكس لعدم المرجح، وقد ذكرت لكم: أن الترجيح بدون مرجح باطل، أو ترجيح أحد المتساويين كذلك باطل، وبيان عدم وجود الترجيح لتقدم أحدهما وتأخر الآخر.

قالوا: إن الموافق للبراءة الأصلية كما أنه قد يأتي بفائدة جديدة عند تأخره وهي رجوع الفعل إلى البراءة الأصلية، كذلك قد يأتي عند تقدمه بفائدة جليلة وهي أن الشرع جاء موافقًا للعقل وغير مخالف له، لكن أي عقل؟ العقل الصحيح السليم، فالنصوص الصحيحة لا تتعارض مع العقول السليمة، وهذا منهج تشريعي وخاصية من خصائص التشريع الإسلامي.

error: النص محمي !!