Top
Image Alt

ظهور الفِرَق وطريقة مواجهتها للإسلام

  /  ظهور الفِرَق وطريقة مواجهتها للإسلام

ظهور الفِرَق وطريقة مواجهتها للإسلام

ولو انتقلنا تاريخيًّا إلى بدايات العصر العباسي، سوف نجد أنّ اليهودَ كانوا قد بدءوا يكوِّنون ما يمكن أن يُسمَّى بالفِرَق. هذه الفِرَق حاولت أن تضع لأنفسها منهجًا لمواجهة الإسلام، وكيفية مواجهته. كانت قد ظهرت طائفة الباطنية، الذين ينتسبون إلى ميمون القدّاح، وهذا الرجل من يهود سبأ، أو من يهود اليمن جنوب الجزيرة العربية، وانتسب إلى بيت الإمام جعفر الصادق، وظهر على الناس بمظهر أنه ابن الإمام جعفر الصادق. سَمَّى نفسه محمد بن جعفر الصادق أحيانًا، وأحيانًا كان يظهر على الناس بأنه خادم محمد بن جعفر الصادق. وهذا الرجل وضع منهجًا للدعوة إلى المذهب الباطنيِّ رسمه رسمًا محكمًا بحيث ينتقل الداعية من خلال هذا المنهج خطوة خطوة في دعوة الأفراد والجماعات إلى الفكر الباطني، وإلى المذهب الباطني. هذا المنهج دوّنه علماء الكلام من أهل السُّنة والجماعة في كُتبهم.

ومن المفيد أن أشير هنا إلى: أنّ هذا المنهج الذي وضَعه ميمون القدّاح نجد بعض ملامحه في منهج الماسونية العالمية الموجودة على الساحة الثقافية الآن، وربما طبقت الماسونية العالمية في القرن العشرين كثيرًا من خطوات هذا المنهج؛ وهذا يبيِّن لنا العلاقة التاريخية بين اليهود وبين الماسونية التي ظهرت خلال القرون المتأخّرة، والتي واجهت أهل الأديان عمومًا بإثارة كثير من الشكوك والشبهات.

ميمون القداح هذا ربّى أبا عبد الله الشِّيعي مؤسس الدولة العبيدية -المشهورة بالفاطمية- في مصر. ربّاه على عيْنه، ولقّنه المنهج الباطني، وأرسله هو وجماعة إلى شمال إفريقيا. ولقّنه الدروس المهمّة لنشر المذهب الباطني في شمال إفريقيا، وقال له عبارته الشهيرة: “اذهبْ إلى هذه البلاد؛ فإنها أرض بِكْر تنبت فيها أفكارنا كما تنبت بذور الحب في الأرض الخصبة”. وفعلًا ذهب أبو عبد الله الشيعي إلى شمال إفريقيا، ومنها جاء إلى مصر، وأسّس الدولة العبيدية الخبيثة التي يمكن أن نسمِّيها: دولة الفكر الإسماعيلي، أو الدولة الباطنية.

في هذه الأثناء هناك فرقة أخرى واجهت الإسلام بإثارة الكثير من الشكوك والشّبهات في القرن الثالث الهجري، هذه الفرقة تُسمّى: فرقة القرامطة. وهي وفرقة الباطنية مشربهما واحد، وهدفهما واحد. هؤلاء القرامطة طلعوا على الناس بمجموعة من الأفكار التي توهم البعض بأنَّهم يبحثون عن مصلحة الفقراء، وعن حقوق الفقراء في مال الأغنياء؛ ولذلك البعض يسمّونهم: فرقة اجتماعية، أو فكر اجتماعي، لكنهم -في واقع الأمر- فرقة من الباطنية حاولت أن تكيد للإسلام، بدليل: أنها أبطلت التكاليف الشرعية -كما سوف نرى فيما بعد.

فرقة القرامطة تنتسب إلى حمدان بن الأشعث القرمطي. واجه الخلافة العباسية مواجهة عسكرية، وطرح عليها فكرة إبطال الشعائر الدينية، ومن أوائلها: إبطال فريضة الحج. وتنفيذًا لهذه الأهداف، وتطبيقًا لمكائده للإسلام، جاء هو ومجموعة من أصحابه إلى البيت الحرام وسرقوا الحجر الأسود. وظل في حوزتهم عقْديْن من الزمان في شرق الجزيرة العربية في الأحساء. وجسّدوا أهدافهم وشُبُهاتهم وشكوكهم التي وجّهوها إلى الإسلام في بعض القصائد الشعرية التي راجت عند الدهماء من الناس في هذه المنطقة؛ حتى إنّ شاعرهم كان يقف على المنبر ويردِّد هذه الأبيات:

خُذي الدُّفّ يا هذه والْعَبي


*وغَنِّي هذاريكِ ثم اطربي
   
تولّـــى نبــيُّ بَــــــــنـي هــــاشمٍ

*وهــذا نــــبـيّ بَـــنِـي يَــعْربِ

فقد حطّ عنّا فروضَ الصلاةِ

*وحطّ الصيامَ ولم يُتْعِبِ

إذا النـاسُ صـلّوْا فـلا تَنهضـــي

*وإن صَـــوّموا فكُلـــي واشرَبي
 
ولا تمنعـــي نفسَــــكِ المُعـــرسين

*مــن الأقربِيـــن ومـن أجْنَبي

فكيف تَحِـــلِّي لهــــذا الغريــــبِ

*وصِــــرْت مُحــــــــــرّمةً للأبِ

أليس الغــــراسُ لمــــــن ربّـــــــهُ

*وسقـــــاه في الزمــــــــنِ الأجدبِ

وفي رواية:

أليس الغـــراسُ لمـــــــن ربّــــــهُ


*وسقـــــاه في الزمـــــــــنِ المُجدِبِ


وفي نهاية القصيدة يقول:

وما الخمـرُ إلا كمــــاء السمــــاءِ

*حــــلال، فقُـــــدِّسْتَ مِن مَــــذْهبِ

هذا هو منهج القرامطة التي لخّصها وجسّدها شاعرهم في هذه الأبيات. وترتّب عليها: أن سرقوا الحجر الأسود من مكة ليبطلوا شعيرة الحج، وأعلنوا على الناس في هذه المرحلة القول بشيوعيّة المرأة تطبيقًا لمبدئهم القائل:

فكيف تَحِـــلِّي لهــــــذا الغريبِ

*وصِــــرْت مُحـــــــرّمــــةً للأبِ

فقالوا بنكاح المحارم، وأبطلوا الصلاة، وأبطلوا الصيام، وأبطلوا الزكاة. وعمّت الفوضى بين هؤلاء الفِرَق. وكان من أخطر الفترات التي واجهت الفكر الإسلامي في هذه المرحلة.

وللحقيقة، نجد أنّ خلفاء الدولة العباسية واجهوا هذه الفرقة بحَسمٍ وعزمٍ شديديْن، فاستعادوا الحجر الأسود، وأعادوه إلى الكعبة المشرفة.

لكن الذي أؤكد عليه في هذا السرد التاريخي: أنّ المواجهة الفكرية للإسلام لم تكن مرتبطةً أبدًا بظهور مصطلح “الغزو الفكري”، وإنما هي مواجهة تاريخية بدأت مع ظهور الإسلام، وتعدّدت وتنوّعت مع انتشار الإسلام. إذا انتقلنا تاريخيًّا مع ظاهرة المواجهة الفكرية للإسلام، نجد أنه ظهرت بعض الفِرَق في خضَمّ الخلاف القائم بين الباطنية والقرامطة من جانب، وبين أهل السُّنة والجماعة من جانب آخَر. بعض الفرَق التي غالت في كثيرٍ من العقائد، وحاولت أن تؤوِّل في ضوء عقائدها بعض نصوص القرآن الكريم، مما جعل أهل السنة والجماعة في هذه المرحلة بالذَّات يواجهون هذه الظاهرة -ظاهرة الغزو الفكري- بمجموعة من الكتب العقائدية التي ينبغي أن يتنبّه المسلمون لها الآن؛ لأننا في عصرنا الحاضر أحْوج ما نكون إلى بعثها من جديد، واحتضان هذه المؤلفات من جديد، وإعادة نشرها وإشاعتها بين الناس من جديد؛ لأنها تحمل معالم العقيدة الإسلامية الصحيحة المعتمدة في أصولها وفروعها على الكتاب والسُّنة.

error: النص محمي !!