Top
Image Alt

عائشة رضي الله عنها تستخدم مقياس: عرض الحديث على السنة، وردّها حديث: ((الماء من الماء)) بالنسخ، وعلى من قال بعدم حلّ الطيب بعد الحل الأول بالرمي والحلق

  /  عائشة رضي الله عنها تستخدم مقياس: عرض الحديث على السنة، وردّها حديث: ((الماء من الماء)) بالنسخ، وعلى من قال بعدم حلّ الطيب بعد الحل الأول بالرمي والحلق

عائشة رضي الله عنها تستخدم مقياس: عرض الحديث على السنة، وردّها حديث: ((الماء من الماء)) بالنسخ، وعلى من قال بعدم حلّ الطيب بعد الحل الأول بالرمي والحلق

عائشة رضي الله عنها  تستخدم مقياس عرض الحديث على السنة:

ننتقل إلى مقياس آخر استخدمته السيدة عائشة في توثيق السنة، وهو مقياس عرضها على السنة التي سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على ما رأته منه صلى الله عليه وسلم أي: من فعله، والأمثلة فيه كثيرة:

أ. رد عائشة رضي الله عنها  حديث ((الماء من الماء))، بالنسخ:

من هذه الأحاديث التي نقدتها تطبيقًا لهذا القياس، حديث: ((الماء من الماء)) أو ما هو في معناه، أي: أن الغسل إنما يجب بالإنزال، وليس بمجرد المعاشرة الزوجية.

روى الطحاوي في (شرح معاني الآثار) بسنده، عن عبيد بن رفاعة الأنصاري، قال: “كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فِيهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَتَذَاكَرْنَا الْغُسْلَ مِنْ الْإِنْزَالِ. فَقَالَ زَيْدٌ: مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إذَا جَامَعَ فَلَمْ يُنْزِلْ إلَّا أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ، وَيَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَجْلِسِ، فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ لِلرَّجُلِ: اذْهَبْ أَنْتَ بِنَفْسِك فَائْتِنِي بِهِ حَتَّى يَكُونَ أَنْتَ الشَّاهِدَ عَلَيْهِ. فَذَهَبَ فَجَاءَ بِهِ، وَعِنْدَ عُمَرَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ عَدُوُّ نَفْسِك، تُفْتِي النَّاسَ بِهَذَا؟ فَقَالَ زَيْدٌ: أَمْ وَاَللَّهِ مَا ابْتَدَعْته وَلَكِنِّي سَمِعْته مِنْ عَمَّايَ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ وَمِنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ. فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : مَا تَقُولُونَ؟ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَمَنْ أَسْأَلُ بَعْدَكُمْ وَأَنْتُمْ أَهْلُ بَدْرٍ الْأَخْيَارُ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: فَأَرْسِلْ إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ إنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، ظَهَرَتْ عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَ إلَى حَفْصَةَ فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها  فَقَالَتْ: إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ.

فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه عِنْدَ ذَلِكَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَعَلَهُ، ثُمَّ لَمْ يَغْتَسِلْ إلَّا جَعَلْته نَكَالًا”. أخرجه مسلم في الصحيح، لكن لم يذكر أن عمر هو السائل، بل هو ذكر عن أبي موسى الأشعري قال: اختلف رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا في الدفق أو من الماء، أي: الإنزال، فقال المهاجرون: بل إذا خالط وجب الغسل، فقال أبو موسى: أنا أشفيكم من ذلك، قال: فقمت فاستأذنت على عائشة. الحديث نحو ما سبق. وقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا جلس بين شُعَبِها الأربع، ومس الختانُ الختانَ؛ فقد وجب الغسل)). وقد رواه مالك في الموطأ موقوفًا على عائشة بلفظ: ((إذا جاوز الختانُ الختانَ؛ فقد وجب الغسل)) فقال أبو موسى: لا أسأل عن هذا أحدًا بعدك.

لكن قال أبو عمر بن عبد البر: هذا وإن لم يكن مسندًا بظاهره؛ فإنه يدخل في المسند، أي: المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: ليس هذا موقوفًا في الحقيقة، وإنما هو من قبيل المرفوع، ثم قال: وقد رُوي حديثها هذا عنها مسندًا، أي: مرفوعًا، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكره بسنده عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)) ثم قال: تسليم أبي موسى لعائشة في هذه المسألة؛ دليل على صحة رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن مثل هذا لا يقال من جهة الرأي.

وقد حمل بعض العلماء قول عائشة رضي الله عنها : ((إذا جاوز الختان الختان)) على حكاية فعلها مع النبي صلى الله عليه وسلم لا أن هذا هو شرط الغسل، وإنما يجب الغسل بمجرد التقاء الختانين، يعني: وليس بمجاوزة الختان الختان، وقد ثبتت الروايات الصحيحة بذلك.

روى مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: “خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب عتبان، فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعجلنا الرجل، فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمنِِ، ماذا عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنما الماء من الماء)) ذكره مسلم في كتاب (الحيض) في باب: إنما الماء من الماء، في رقم ثمانين على ثلاثمائة وثلاث وأربعين.

قال النووي في شرح حديث عائشة: اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالإجماع، وإن لم يكن إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع. وأما حديث: ((الماء من الماء)) فالجمهور من الصحابة ومن بعضهم قالوا: إنه منسوخ.

ب. عائشة رضي الله عنها  ترد على من قال بعدم حل الطيب بعد الحل الأول بالرمي والحلق:

حديث عمر رضي الله عنه قال: ((إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء، إلا النساء والطيب)) هذا أخرجه البيهقي بسنده عن ابن عمر، قال: سمعت عمر يقول: “إذا رميتم وحلقتم فقد حل كل شيء، إلا النساء والطيب” ورأت السيدة عائشة أن ما عندها من السنة يخالف بعض هذا؛ فبعد الظن والحلق يحل الطيب، قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحلِّه وإحرامه، قال سالم: الذي روى الحديث عن أبيه ابن عمر: وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع.

وقد أخرج الشيخان عن القاسم عنها رضي الله عنها  قالت: ((طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله حين حل، قبل أن يطوف بالبيت)). وقد تابعها على ذلك ابن عباس، فيما أخرجه البيهقي أيضًا من جهة الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العُرَني، عن ابن عباس، قال: إذا رميتم الجمرة حل لكم كل شيء إلا النساء، حتى تطوفوا بالبيت، فقال رجل: والطيب يا أبا العباس؟ فقال له: ((إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمِّخ رأسه بالسكِّي، أوَطيب هو أم لا؟)) والاستفهام هنا تقريري، وإذا كان عمر رضي الله عنه كان يقول: “إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب”. فقد كان ابن عمر يكره الطيب قبل الإحرام أيضًا، وقال فيما رواه عنه مسلم: لأن أطلى بقطران أحب إليّ من أن أتطيب ثم أصبح محرمًا.

وقد رواه البخاري أيضًا، وقد أنكرت عائشة عليه ذلك في حديثها السابق، كما أنكرت على عمر، وكان ابن عمر يتبع في ذلك أباه؛ فإنه كان يكره استدامة الطيب بعد الإحرام.

وقد روى سعيد بن منصور بسنده أن عائشة كانت تقول: “لا بأس بأن يمس الطيب عند الإحرام. قال سالم: فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر، فأرسلته إليها، وقد علمت قولها، ولكن أحببت أن يسمعه أبي، أي: ابن عمر، فجاءني رسولي، فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإحرام؛ فأصب ما بدا لك”. وفي رواية: “يرحم الله أبا عبد الرحمن، أي: ابن عمر، كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه، ثم يصبح ينضح طيبًا”.

وهكذا ردت السيدة عائشة ما يراه عمر وما يراه عبد الله بن عمر رصي الله عنهما بما عندها من السنة، أي: عرضت ما جاءها من السنة على السنة التي عندها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا سيكون له أثره فيما بعد، حين تروى أحاديث تخالف الثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأيناه كثيرًا عند علي بن المديني، وكما رأيناه كثيرًا عند مسلم بن الحجاج.

ومن أثر ذلك أيضًا: قيام العلماء بالتوفيق بين الأحاديث والجمع بينها، وما ذاك إلا لوثوقهم فيما روت عائشة، واستنباطهم الأحكام منه، ولم تكن عائشة رضي الله عنها  هي التي تقف هذا الموقف؛ فكانت أم حبيبة لها هذا الموقف، ولو شك أنها علمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية ذلك ما يبين موقف عمر رضي الله عنه فعن محمد بن عباد بن جعفر قال: “أقبلنا مع عمر، حتى إذا كنا بذي الحُلَيفة أهل وأهللنا، فمر بنا ركب ينفح عنه ريح الطيب، فقال عمر: من هذا؟ قالوا: معاوية، قال: ما هذا يا معاوية؟ قال: مررت بأم حبيبة بنت أبي سفيان ففعلت بي هذا، فقال: لعمري، أقسم بالله لترجعن إليها حتى تغسله؛ فوالله لأن أجد من المحرم ريح القطران أحب إلي من أن أجد منه ريح الطيب”. قال البيهقي: يحتمل أنه لم يبلغه حديث عائشة، أو كره ذلك لئلا يغترَّ به الجاهل فيتوهم أن ابتداء الطيب يجوز للمحرم. وذكره الحازمي في ناسخه، ثم قال: ولم يبلغ عمر حديث عائشة، يعني: “طيبت النبي صلى الله عليه وسلم فأصبح وإن وبيص المسك -أي: لمعان المسك، وهو طيب أو أطيب الطيب- في مفارقه”. وقال: ولو بلغه لرجع إليه؛ وإذا لم يبلغه فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، وهكذا قال سالم بن عمر رضي الله عنه في هذا الشأن.

قال الزركشي: وحديث عائشة مقدّم لا محالة؛ لأنها نقلت النص، وعمر رضي الله عنه إنما منع استدامة الطيب بالاستنباط من قوله صلى الله عليه وسلم : ((الحاج الشعِث التَّفِل)) هكذا قال الزركشي، ولكن ربما يكون عند عمر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه إلى القول بهذا؛ لأنه محال أن يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من باب سد الذرائع، وهو أن يستديم الطيب والمحرم قد أحرم. ونقول: إنه ينبغي أن يغلب ما ذهب إليه عمر في أيامنا هذه؛ لأنه يمكن الحاج أن يستعمل الطيب، ولسرعة المواصلات في أيامنا هذه تجعله ينفح طيبًا كما يقولون، وهو يطوف أو وهو واقف بعرفة. قال ذلك الإمام الزركشي في كتابه (الإجابة لإيراد ما استدركته السيدة على الصحابة)، في صحيفة ثمان وستين، في تحقيقنا لهذا الكتاب.

قال عمر في رواية البزار لمعاوية: ارجع فاغسله عنك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الحاج الشعث التفل)) فعمر يرى أن الطيب يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعائشة رضي الله عنه ترى أنه لا يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك استدركت عليه؛ سواء أكان ذلك قبل الإحرام أو بعد رمي جمرة العقبة الكبرى والحل الأول.

error: النص محمي !!