Top
Image Alt

عالَميّة الدّعوة الإسلاميّة

  /  عالَميّة الدّعوة الإسلاميّة

عالَميّة الدّعوة الإسلاميّة

إنّ دعوات الأنبياء والمرسلين عبْر مسيرة البشرية كانت دعوات خاصّة تقتصر على قوم بعيْنهم، أو على أمم بذاتها، لا تتجاوز الدعوة حينذاك حدودَ تلك الأوطان والبيئات، إلاّ من خلال ما تتحدّث به القوافل والركبان، أو تنقله جهود بعض الأفراد أثناء الأسفار. ولقد ذكر القرآن الكريم أنّ من خصائص الدعوات السابقة: اقتصارها على قوم الرسول وعشيرته.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ إِنّي لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ} [هود: 25].

{وَإِلَىَ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 50].

{وَإِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 61].

{وَإِلَىَ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84].

وكذلك كوكبة أنبياء بني إسرائيل: يعقوب، ويوسف، وموسى، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى -عليهم جميعًا أفضل الصلوات- كانت دعواتهم تقتصر على بني إسرائيل خاصة.

فلقد كان مطلب موسى عليه السلام من فرعون: إنقاذ بني إسرائيل من بطْشه واستخلاصهم من ظُلمه. قال تعالى آمرًا موسى وهارون -عليهما السلام-: {فَأْتِيَاهُ فَقُولآ إِنّا رَسُولاَ رَبّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مّن رّبّكَ وَالسّلاَمُ عَلَىَ مَنِ اتّبَعَ الْهُدَىَ} [طه: 47].

وعيسى عليه السلام اختصّ ببني إسرائيل دون غيرهم من أمم الأرض، قال تعالى: {وَرَسُولاً إِلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رّبّكُمْ} [آل عمران: 49].

وقال تعالى عن عيسى عليه السلام:

{إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لّبَنِيَ إِسْرَائِيلَ} [الزُّخرُف: 59].

أمّا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد تجاوزت حدود الزمان والمكان، وتخطّت حواجز الأمم والشعوب، وانطلقت لتشمل كلّ الأجناس واللغات. فهي دعوة الله إلى الإنسانية جمعاء حتى قيام الساعة. بل تجاوزت عالَم الإنس إلى عالَم الجن. ولذلك كان القرآن الكريم، وهو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم ودليل نبوته، معجزةً معنويةً لا ترتبط بحياة الرسول كمعجزات الأنبياء السابقين، بل مستمرّة متجدِّدة، كلها عطاء إلى يوم الدِّين.

والأدلّة على عالَميّة الدّعوة وعمومها من القرآن الكريم، ما يلي:

  1. قال تعالى: {تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىَ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1].
  2. 2.  {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158].
  3. 3.  {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ: 28].
  4. 4.  {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

فالنصوص القرآنية تخاطب الناس جميعًا، لا تميّز قومًا على قوم، ولم تخاطب جنسًا دون جنس. ولقد كثر النداء في القرآن الكريم: بـ{يَأَيّهَا النّاسُ}، {يَابَنِيَ آدَمَ}؛ بل توجد أكثر من أربعين آية يُذكر فيها الله سبحانه وتعالى بـ{رَبّ الْعَالَمِينَ} التي تصدّرت بها سورة (الفاتحة)، وهي تُقرأ في ركعات الصلاة.

الأدلّة من السُّنّة على عالميّة الدّعوة وعمومها:

  1. قال صلى الله عليه وسلم: ((فُضِّلْتُ على الأنبياء بسِتٍّ: أعطيتُ جوامعَ الكلِم، ونُصرتُ بالرّعب، وأُحِلّت لي الغنائم، وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأُرسِلتُ إلى الخلائق كافّة، وخُتم بيَ النّبيّون)) رواه مسلم.
  2. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده لا يسمَع بي أحدٌ من هذه الأمّة -يهوديٌّ أو نصرانيّ- ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به، إلاّ كان من أصحاب النار)) صحيح مسلم.

ولقد خطا الرسول صلى الله عليه وسلم خطوات عمليّة لتحقيق عالَمية الدّعوة إلى الله، وذلك من خلال كُتبه ورُسله إلى الملوك والأمراء؛ فأرسل إلى كسرى ملِك الفُرس، وإلى هرقل إمبراطور الروم، والمقوقس عظيم القبط في مصر، وأمراء الشام واليمن.

ولم ينتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلاّ بعد أن ردّد الكون صدَى دعْوتِه، وفُتحت لها القلوب والأمصار.

وقد أخبر القرآن الكريم: أنّ الإسلام سينتشر ويعمّ أرجاء الكون؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ (105) إِنّ فِي هَـَذَا لَبَلاَغاً لّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 105-107].

وعن تحقيق عالَميّة الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم ما معناه: “إنّ الله طوَى لي مشارق الأرض ومغاربَها، وإنّ هذا الأمْر سيبلغ ما بلغ الليلُ والنهار، يُعز الله به عزيزًا، ويُذلّ به ذليلًا. يُعزّ به الإسلام وأهلَه، ويُذلّ به الكفر وأهلَه”.

وإن الواقع -والحمد لله- يُبشِّر بهذا الفتح المبين؛ فالإسلام رغم إمكانيات دُعاته المحدودة، بل المعدومة، ورغم ضراوة أعداء الإسلام له، وحرْبهم الشعواء عليه، فإنه ينتشر خيرُه وتعمّ هدايته للبشرية، وما من بقعة من بقاع الأرض إلاّ وصوت الإسلام يعلو فيها. قال تعالى: {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].

error: النص محمي !!