Top
Image Alt

عبد الرحمن شكري

  /  عبد الرحمن شكري

عبد الرحمن شكري

العلم الثاني من أعلام مدرسة الديوان: هو الشاعر عبد الرحمن شكري.

ولد عبد الرحمن شكري سنة ألف وثمانمائة وست وثمانين، وتعلَّم في المدارس المدنية، وتخرج في مدرسة المعلمين العليا سنة ألف وتسعمائة وتسع، وذهب إلى انجلترا في بعثة علمية، ثم عاد فتقلَّبَ في مناصبَ بوزَارة المعارف، ثم أحيل إلى المعاش سنة ألف وتسعمائة وخمس وأربعين، وتوفي سنة ألف وتسعمائة وثمان وخمسين.

وكان شكري ذا ثقافة عميقة وواسعة وقراءات متنوعة وعديدة، قرأ في التراث العربي والشعر العربي، وقرأ كذلك في الأدب الإنجليزي، وجمعته مع العقاد والمازني -في أول الأمر- الرغبة في تجديد الشعر وتجديد الأدب، وأن الثلاثة كانوا شعراء نقادًا، أصحابَ ثقافة تراثية وثقافة غربية؛ فهذا كله جمع بين هؤلاء الثلاثة -أول الأمر- وكانت وجهتهم واحدة في الدعوة إلى تجديد الشعر والأدب.

وكتب شكري في مقدمات دواوينه وفي مقالات نشرت له بالصحافة معبرًا عن رأيه في المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها تجديد الشعر والأدب، وكان شكري ذا طبيعة نفسية حساسة جدًّا ورقيقة جدًّا، ولم يكن -كزميله العقاد، أو المازني- ذا قدرة وصبر على المعارك الأدبية والمنازلات الفكرية؛ ولذلك بعد أن نقده زميله المازني في كتاب (الديوان)، وهذه من الأمور التي قد يستغربها بعض الناس؛ كيف تقع الخصومة بين اثنين من زعماء هذه المدرسة التي تسمى “مدرسة الديوان”؟ هذا حدث؛ فقد نقد المازني زميله شكري نقدًا عنيفًا في كتاب (الديوان)، وهذا النقد العنيف جعل شكري يعتزل الكتابة ويعتزل الحياة الأدبيةَ بعد أن صَدرت له عدة دواوين جُمعت كذلك في مجلد يسمى (شعر عبد الرحمن شكري).

وكان عبد الرحمن شكري يهتم في شعره بالفكرة، وكان له تطلُّع دائم إلى المجهول، وإلى أن ينميَ أفكاره، وأن يعرف أسرار الكون وأسرار الحياة، وقد عبر عن ذلك كله في قصيدة عنوانها “إلى المجهول” يقول فيها:

يحوطني منكَ بحر لست أعرفه

*ومَهْمَهٌ لست أدري ما أقاصِيه

أقضي حياتي بنفْسٍ لست أعرفها

*وحولي الكَون لم تُدرك مجالِيه

يا ليتَ لي نظرةً للغيب تسعدني

*لعلَّ فيه ضياءَ الحقِّ يُبديه

وليتَ لي خطوةً تدحو مجاهلَه

*وتكشف السترَ عن خافي مساعِيه

كأن روحي عودٌ أنتَ تَحكُمُه

*فابسطْ يديكَ وأطلقْ من أغَانِيه

وأكبرُ الظن أني هالِك أبدًا

*شوقًا إليك وقلبي فيه ما فيه

من حسرةٍ وإباءٍ لستُ أملكه

*يأبَى ليَ العيشَ لم تُدركْ معانيه

وأنتَ في الكون مِن قاصٍ ومقتربٍ

*قد استوَى فيك قاصيه ودانِيه

كأنني منك في نابٍ لمفترسٍ

*المرءُ يسعَى ولغزُ العيشِ يدميه

وكانت تطلعات شكري إلى التجديد تشمل موضوعاتِ الشعر، وأفكاره ومعانيَه، وبحوره، وأوزانه وقوافيَه، وطرائقَ التعبير والتصوير، وكان شكري من أوائل الشعراء -على الأقل- الذين حاولوا كتابة الشعر المرسل المتحرر من قيد القافية تمامًا، وله في ذلك قصيدة عنوانها: “كلمات العواطف” يقول فيها:

أرَى الدنيا تضيق بكل حُر

*فتلفِظه كما لُفِظ البصاق

أرى خِدَعًا تقاد بها الغَواني

*وفي أعقابها الذل المكين

أرى الثَّكلَى تكاد تسيلُ دمعًا

*وفي أحشائها النارُ الأكولُ

هواجسُ تعتريني لستُ أدري

*أأقتُلُها وأقنع بالجَهالة

أم التِّسْآل خيرٌ من سكوت

*وإن الرأي ينضجه الزمان

ولكنه لم يستمر في كتابة هذا النوع من الشعر المرسل المتحرر من القافية، ويبدو أنه رأى -كما رأى غيرُه- أن التحرر من القافية يُفقد القصيدةَ كثيرًا من أثرها النغمي، وسحرها الموسيقي؛ فلم يكثر من كتابة هذا الشعر المرسل.

ومن نماذج شعر عبد الرحمن شكري الذي يمثل نزعته في إساءة الظن بالناس وبالحياة، والتشاؤم منهم، قصيدة عنوانها: “حلم بالبعث” يقول فيها:

مرَّت عليَّ قرون لست أحفظها

*عدًّا كأن مَرَّ بيَ الآباد والقدمُ

حتى بُعِثْتُ على نَفْخ الملائك في

*أبواقهم وتنادت تلكُمُ الرِّممُ

يشير إلى البعث؛ حيث يبعث الله سبحانه وتعالىالناس من قبورهم، هو يقول: حلم بهذا البعث؛ لكنه سيذكر بعد ذلك مشاهد أراد بها السخرية من الناس، وأنَّ كثيرًا من الناس طُبِعَ على اللؤم وعلى سُوء الخلق، وأن هذه المساوئ لم تفارق هؤلاء الناس حتى بعد أن يموتوا، وحتى في يوم البعث، يقول:

وقام حولي من الأموات زعنفة

*هوجاء كالسيل جَمٌّ لَجُّهُ عَرِمُ

فذاك يبحثُ عن عينٍ له فُقِدَت

*وتلك تُعوِزُها الأصْداغُ واللِّممُ

وذاك يمشي على رِجلٍ بلا قدمٍ

*وذاك غضبانُ لا سَاقٌ ولا قدمُ

ورب غاصبِ رأسٍ ليس صاحبَه

*وصاحبُ الرأسِ يبكيه ويختصمُ

هكذا حلم الرجل:

جاءت ملائكة باللحم تَعرِضُه

*ليلبس اللحمَ من أضلاعنا الوَضَمُ

أي العظم.

رقدتُ مستشعرًا نومًا لأُوهمَهم

*أني عن البعث بي نوم وبي صَمَمُ

فأعجلوني وقالوا: قُمْ فلا كسلٌ

*ينجي من البعث إن الله محتكِمُ

أستغفر الله مِن لغوٍ ومن عبَثٍ

*ومن جنايةِ ما يأتي به الكَلِمُ

وواضح أن شكري في هذا الحلم الذي أسماه: “حلم البعث” كان معبرًا فيه عن إحساسه نحو هذا النوع من البشر الذي يتصور أنه لن تفارقهم رذائلهم حتى يوم البعث؛ ولكنه عندما تمادَى في تصوير فكرته ورأى أنه قد زاد عن حَده في تلك التأملات والتصورات؛ عاد يستغفر ربَّه مما جاء على لسانِه، أو ما جاء في شعره من تعبير فيه جرأة لا تتناسب مع هذا المقام المقدس: مقام البعث الذي جعل الله سبحانه وتعالىالإيمانَ به ركنًا من الإيمان به عز وجل فقال الشاعر في نهاية قصيدته:

أستغفر الله من لغوٍ ومن وعبَثٍ

*ومن جِنايةِ ما يأتي به الكَلِمُ

error: النص محمي !!