Top
Image Alt

عبد الله بن المقفَّع

  /  عبد الله بن المقفَّع

عبد الله بن المقفَّع

لعل أول ما يلفت النظر هو هذا اللقب: “المقفَّع”، والمراد به -كما ذكرت كتب الأدب: أن أبا عبد الله هذا كان فارسيًّا، وكان يصنع من سعف النخل ما يسمى بالقِفاع، والقفاع: أوعية يُوضع فيها الطعام ونحوه، أو يُحمل فيها الشيء، ويمكن أن تكون نوعًا من الحقائب على هيئة ما نسميه نحن -الآن- “الجِوال” فسمي الرجل باسم صنعته.

وبعض الدارسين يذكر أن “المقفَّع” هذه سمي بها أبو عبد الله؛ لأنه كان يتولَّى بعض الأعمال للحجاج بن يوسف، فَخَانَ في بعض هذه الأعمال الموكولة إليه، فضربه على يده، فأصيبت أصابعه بنوعٍ من الاعوجاج وعدم الاستقامة، فسُمي أو لقب مقفعًا لذلك.

على أية حال، هذا الرجل كان فارسيًّا مجوسيًّا، وولد له ابنه -هذا الذي نتحدث عنه الذي هو عبد الله- فنشأ على دينه، وأوكل أبوه إلى المعلمين تعليمَه، وكان يريد له أن يكون ذا شأن بسبب إتقانه للعلوم والكتابة، فتعلم هذا الولد، وأخذ اللغةَ عن شيوخها في البصرة، حيث نشأ وتتلمذ على كِبار الأدباء والعلماء فيها، ولازم عبدَ الحميد الكاتب، وتعلم منه ما شاء الله له أن يتعلم.

وفي أخريات حياته أعلن إسلامه، وغيّر اسمه الفارسي، وتسمَّى بعبد الله، وكني بأبي محمد.

وقد اختلف المؤرخون في عقيدة عبد الله بن المقفع؛ فمنهم مَن يذكر أنه كان زنديقًا، وأنه قُتل بسبب هذه الزندقة -أي: الإلحاد- ويستدلون على ذلك بأنه كان مترجمًا لأكثر كُتُب الملاحدة من المانوية والمزدكية وغيرهما إلى اللغة العربية، ورووا عن المهدي أنه قال: مَا رأيتُ كتابَ زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع -أي: عبد الله.

كما رووا أن ابن المقفع مَرَّ على بيت نار للمجوس بعد أن أعلن إسلامه، فأنشد قول الشاعر:

يا دار عاتكةَ التي أتعزل

*حَذر العِدا وبها الفؤاد موكل

إني لأمنحك الصدود وإنني

*قسمًا إليك مع الصدود لأميل

فهؤلاء يذهبون إلى أن عبد الله بنَ المقفع كان فاسدَ العقيدة، كان زنديقًا ملحدًا، وأنه قُتل على زندقته في عهد الخليفة المنصور.

وبعضُ الدارسين يذهب إلى أنه لم يكن زنديقًا، وأن الزندقةَ تُهمة أُلصقت به بسبب السياسة، وأنه إنما قُتل بسبب العهد الذي كتبه على المنصور -عَهْدَ أمان- بعد أن خرج عبد الله بن علي عم المنصور وواليه على الشام على المنصور، وأعلن ثورته عليه، فلما أوشك المنصور أن يتمكن منه فرّ إلى أخويه سليمان وعيسى، فطلب هذان من المنصور أن يعفوَ عنه وطلبا من المنصور أن يكتبَ له أمانًا، فطلب هذان من عبد الله بن المقفع أن يكتب صيغة الأمان، فكتبه وتشدد فيه تشددًا أغضب المنصور وأحفظه عليه؛ إذ طلب إليه أن يوقع على هذا الأمان الذي كتبه والذي ورد فيه:

“وإِنْ أنا -أي: المنصور- نلت عبدَ الله بن علي أو أحدًا ممن أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير، أو أوصلت إلى أحد منهم ضررًا سرًّا أو علانيةً على الوجوه والأسباب كلها، تصريحًا أو كنايةً، أو بحيلة من الحيل، فأنا نَفِيٌّ من محمد بن علي بن عبد الله، ومولود لغير رِشدة، وقد حل لجميع أمة محمد خلعي وحربي والبراءة مني، ولا بيعةَ لي في رقاب المسلمين ولا عهد ولا ذمة، وقد وجب عليهم الخروج من طاعتي وإعانة من ناوأني من جميع الخلق، ولا موالاةَ بيني وبين أحد من المسلمين، وهو متبرئ من الحول والقوة، ومدّع إن كان أنه كافر بجميع الأديان ولقي ربه على غير دين ولا شريعة، محرّم المأكل والمشرب والمناكح والمركب، والرق والملك والملبس، على الوجوه والأسباب كلها، وكتبت بخطي ولا نيةَ لي سواه، ولا يقبل الله مني إلا إياه والوفاء به”.

فهذا الأمان المغلظ المشددُ -يقولون- هو الذي أغضب الخليفة المنصورَ عليه، وأمر بقتله.

على أننا نجد الدكتور شوقي ضيف كأنه يسلم بأمر الزندقة التي اتّهم بها ابن المقفع، فيقول:

“وكان مع زندقته نبيل الخلق، وقورًا، يترفع عن الدنايا، ولا يجعل للهوى سلطانًا على عقله، وكان يأخذ نفسه بكل ما يمكن من خصال المروءة والشعور بالكرامة”.

ثقافة عبد الله بن المقفع:

كان ابن المقفَّع يجمع بين الثقافات العربية والإسلامية والفارسية والهندية واليونانية، وقد نقل إلى العربية وترجم كثيرًا من الكتب الفارسية، كما نقل أيضًا عن اليونانية وغيرها إلى اللغة العربية، ومن أشهر كتبه التي تنسب إليه (الأدب الصغير) و(الأدب الكبير) و(كليلة ودمنة).

ومن كتابته ما جاء في (الأدب الصغير) إذ يقول:

“على العاقل ألا يستصغر شيئًا من الخطأ في الرأي والزلل في العلم والإغفال في الأمور، إن مَن استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيرًا وصغيرًا، فإذا الصغير كبير، وإنما هي ثُلم -والثلم جمع ثلمة وهي الخَلل- يشملها العجز والتضييع، فإذا لم تسد أوشكت أن تنفجر بما لا يطاق”.

ثم يقول:

“كلام اللبيب وإن كان نذرًا أدبٌ عظيم، ومقارفة المأثم وإن كان محتقرًا مصيبة جليلة، لا يمنعنك صِغر شأن امرئ مِن اجتباء ما رأيت من رأيه صوابًا، واصطفاء ما رأيت من أخلاقه كريمًا، فإن اللؤلؤة الفائقة لا تُهان لهوان غائصها الذي استخرجها، أَعْدَلُ السير أن تقيس الناسَ بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضَى أن يؤتَى إليك، حقّ على العاقل أن يتخذ مِرآتين، فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه، فيتصاغر بها، ويصلح ما استطاع منها، وينظر من الأخرى في محاسن الناس فيحكيهم بها، ويأخذ ما استطاع منها، عَمَلُ الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوًى، والهوى آفة العفاف، من أشدّ عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه، فإنه من خفيَ عيبه عليه خفيت عليه محاسن غيره، ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره، فَلَمْ يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها أبدًا، لا يتم حُسن الكلام إلا بحسن العمل، كالمريض الذي قد علم دواء نفسه، فإذا هو لم يتداوَ به لَمْ يغنه علمه، والرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال، كالأسد الذي يهاب وإن كان عقيرًا -أي: جريحًا- والرجل الذي لا مروءة له يُهان وإن كثر ماله، كالكلب الذي يهون على الناس وإن طُوِّقَ وخلخل”. وواضح ما يَمتاز به هذا الكلام من دقة الفكر، وعمق النظر، وحسن البيان، وقد كانت الثقافات التي تزوّد بها ابن المقفع لها أثر في ذلك كله؛ إذ جمع بين كل الثقافات التي كانت معروفةً في عصره، وهو بلا شك واحدٌ من أكبر الكتاب في تاريخ الثقافة العربية.

error: النص محمي !!