Top
Image Alt

عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة، وتطبيق ذلك عند الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة

  /  عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة، وتطبيق ذلك عند الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة

عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة، وتطبيق ذلك عند الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة

1. عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة:

ذكرنا كيف أن نقد الصحابة لمتون السنة قد كان له أثره الكبير عند العلماء فيما بعد ذلك في نقودهم لمتون السنة، وكما عرض الصحابة رضي الله عنهما الحديث على القرآن الكريم فقبلوا ما يُوافقه ورفضوا ما يُخالفه، كذلك كان العلماء وخاصة الفقهاء، فالفقهاء كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، استخدموا هذا المقياس.

ونوضح هنا مقياسًا آخر في نقودهم لمتون السنة، وهو مقياس: عرض أحاديث الآحاد على السنة المشهورة، فكما عرض الحنفية أخبار الآحاد على الكتاب -أي: القرآن الكريم- فقبلوا منها ما وافقه وردّوا ما خالفه، عرضوها أيضًا على السنة المشهورة، وعدّوا أخبار الآحاد هذه من الأخبار المنقطعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطاعًا باطنيًّا؛ ذلك لأن الأخبار المشهورة أفادت اليقين القلبي، أما أخبار الآحاد فتفيد العلم الظنّي في رأيهم، فالأولى أوثق صلة برسول الله صلى الله عليه وسلم من الثانية، فإذا تعارضتا دلّت المشهورة على أن غيرها لم يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد.

أ. تطبيق الأحناف لهذا المقياس:

وطبّقوا هذا المقياس على بعض الأحاديث، منها: حديث الشاهد واليمين، وقد ذكرناه سابقًا، فقد ردّوه هنا؛ لأنه مخالف كذلك للسنة المشهورة، وهي ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه)) وفي رواية: ((واليمين على من أنكر)) فاليمين خاص بالمدعى عليه، أما حديث اليمين والشاهد فيُطلب من المدعي مع شاهد واحد، أي: مع نصف بينة -إن صح هذا التعبير- فيكون مخالفًا لهذا الحديث المشهور، وبيان هذه المخالفة -كما أوضحوها- من وجهين:

أحدهما: أن الشرع جعل الأيمان كلها في جانب المنكر دون المدعي؛ لأن اللام تقتضي استغراق الجنس، فمن جعل يمين المدعي حجة فقد خالف النص، ولم يعمل بمقتضاه وهو الاستغراق.

وثانيهما: أن الشرع جعل الخصوم قسمين: قسمًا مدعيًا، وقسمًا منكرًا، كما جعل الحجّة قسمين أيضًا: قسمًا بينة، وقسمًا يمينًا، وحصر جنس اليمين في جانب، والبينة في جانب آخر، والعمل بخبر الشاهد واليمين يُوجب ترك العمل بموجب هذا الخبر المشهور؛ فيكون مردودًا، ومما يقوّي الشك عندهم في حديث اليمين مع الشاهد ويجعله لا يقوى أمام الخبر المشهور طعن بعض الأئمة فيه: يحيى بن معين، وإبراهيم النخعي، والزهري، فقد قال الزهري والنخعي: أول من أفرد الإقامة وقضى بشاهد ويمين معاوية، أضف إلى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي الذي امتنع عن استحلاف الكندي في دعوى أرض: ((ليس لك منه إلا ذلك)) فهذا يقتضي الحصر، ولو كانت يمين المدعي مشروعة لكان له طريق آخر غير الاستحلاف، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: ((شاهداك أو يمينه)).

ومن الأحاديث التي ردّها أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- عملًا بهذا المقياس وتطبيقًا له حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: ((أينقص إذا جفّ؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن)) يعني: فلا يصح هذا البيع، فالنبي صلى الله عليه وسلم أفسد البيع، وأشار بقوله: ((أينقص إذا جف؟)) إلى وجوب بناء معرفة المساواة على أعدل الأحوال، أي: عندما يجفّ ويصير مثل التمر الذي بيع به، وليست هناك مساواة حينئذٍ؛ ولهذا أفسد النبي صلى الله عليه وسلم البيع.

ردّ أبو حنيفة هذا الخبر؛ لأنه مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم : ((التمر بالتمر مثلًا بمثل)) فإنه يستدعي جواز بيع الرطب بالتمر؛ وذلك لأن التمر يُطلق على الرطب؛ لأنه اسم جنس للثمرة الخارجة من النخل من حين ينعقد إلى أن يُدرك، ولا يغيّر من اسم ذاتها تعدّد الأحوال وتغيّر الصفات عليها، كما لا يتبدّل اسم الآدمي بتغيير صفاته وتبدل أحواله، والدليل على ذلك ما رُوي: ((أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر حتى يُزهَى، فقيل: وما يُزهَى؟ قال: أن يحمرّ أو يصفرّ)) فسمّاه تمرًا وهو بسر، وقال شاعرهم:

وما العيش إلا نومة وتشرّق

*وتمر على رأس النخيل وماءُ

فعبّر بالتمر على الرطب؛ مما يدل على أن اسم التمر لا يختصّ بالجاف من ثمرة النخيل، وإذا ثبت أنه تمر وقد شرط العقد وهو المماثلة في المقدار حالة العقد جاز البيع؛ عملًا بالحديث المشهور، وتركًا لحديث الآحاد الذي يُخالفه، ولا يُنظر إلى المماثلة في أعدل الأحوال، أي: عندما يصير الرطب جافًّا فينقص مقداره لسببين:

السبب الأول: أن شرط العقد يعتبر عند نفاذه؛ فيجب أن تُعتبر المساواة في البدلين اللذين ورد عليهما العقد، وهما: الرطب والتمر، فأما اعتبار حالة مفقودة يُتوقع حدوثها فلا، فاعتبار الأعدل هنا كاعتبار الأجود، والأخير أسقطه الشرع؛ فلا يُنظر إلى التفاوت في الجودة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((جيدها ورديئُها سواء)) قال الزيلعي في هذا الحديث: غريب، ومعناه يُؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد الخدري المتقدّم، وهو يشير إلى حديث: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرّ بالبرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًّا بيد)).

السبب الثاني: أن التفاوت الذي لا يكون حادثًا بصنع العباد، مثل هذا التفاوت الذي يحدث بين الرطب والتمر بعدما يصير الأول جافًّا لا يكون معتبرًا ولا يفسد به العقد، أما التفاوت الذي ينبني على صنع العباد، كالحنطة والدقيق، والمقلي وغير المقلي، فإنه مفسد للعقد؛ ولهذا لا يجوز التفاوت بين النقد والنسيئة؛ لأنه حادث بصنع العباد، وهو اشتراط الأجل.

هذا، والحديث المشهور هنا يُوجب أحكامًا ثلاثة، والحديث المشهور الذي هو: ((التمر بالتمر مثلًا بمثل…)) إلى آخره:

أحدها: وجوب المماثلة شرطًا للجواز؛ فيجوز البيع حال وجود المماثلة بهذا النص.

ثانيها: أنه يدل على تحريم فضل قائم فعلا؛ لأن المراد منه الفضل على الزاد، يعني: على السلعة الموجودة.

ثالثها: أن الفضل المحرم -الزيادة المحرمة- هو الفضل الذي تنعدم به المماثلة في المقدار.

وخبر الواحد يُخالفه في هذه الأحكام الثلاثة؛ لأنه أوجب حرمة البيع حال وجود المماثلة في المقدار، وهو أن الرطب مثل التمر في المقدار، وأوجب حرمة فضل ليس قائمًا فعلًا، يعني: هذا الفضل لا يكون إلا بعد أن يصير الرطب تمرًا، أما في حالة البيع مباشرة فليس هذا الفضل موجودًا، وإنما يوجد بعد جفاف الرطب -أي: الفضل- وليس موجودًا حال العقد، بل هو موهوم غير قائم، فإذا خالف خبر الآحاد الخبر المشهور في هذه الأحكام لم يُقبل، وقد حاول أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- أن يؤيّد ما ذهب إليه بتضعيف حديث الآحاد من جهة روايته، فيُروى أنه لما دخل بغداد سألوه عن هذه المسألة، وكانوا أشدّاء عليه؛ لمخالفته خبر سعد المتقدم، فقال: الرطب لا يخلو إما أن يكون تمرًا، أو غير تمر، فإذا كان تمرًا جاز العقد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((التمر بالتمر مثلًا بمثل)) وإن كان غير تمر جاز أيضًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم)) فرُوي له حديث سعد كدليل عليه، فقال: هذا الحديث دار على زيد أبي عيّاش، وهو ممن لا يُقبل حديثه.

ويقول صاحب (كشف الأسرار) من الحنفية: واستحسن أهل الحديث منه هذا الطعن، حتى قال ابن المبارك: كيف يقال: أبو حنيفة لا يعرف الحديث وهو يقول: زيد أبو عياش ممّن لا يُقبل حديثه؟ لكنه يلزم على قول أبي حنيفة هذا أن الحنطة المقلية التي هي مثل الرطب إن كانت حنطة يجوز بيعها بغير المقلية كيلًا بكيل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل)) وإن لم تكن حنطة ينبغي أن تجوز أيضًا؛ لقوله: ((إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم)).

ومما هو جدير بالذكر: أن أبا يوسف ومحمدًا صاحبي أبي حنيفة عملا بحديث سعد رضي الله عنه وليس معنى ذلك أنهما لا يأخذان بنفس هذا المقياس، أي: لا يعرضوا أحاديث الآحاد على الأحاديث المشهورة؛ وإنما يريان أنه لا تعارض بين هذين الحديثين، فالمشهور تناول التمر، والرطب ليس بتمر عادة -أي: عرفًا- بدليل أن من حلف لا يأكل الرطب فأكله بعدما صار تمرًا لم يحنث، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون المشهور متناولًا لما تضمنه حديث سعد رضي الله عنه فلا تتحقّق المخالفة، فيجب العمل به على رأيهما.

ب. رفض الشافعي عرض السنة على السنة من أجل ردّ بعضها، والعمل ببعضها الآخر:

أما الإمام الشافعي فإنه لا يرى هذا المقياس، فإذا صحّ الحديث فلا يعرض على خبر مشهور ولا غيره بهدف تضعيفه، فهذا عنده يتعارض مع طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أمر الله عز وجل  بها في كتابه، يقول: وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويّه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض على الناس اتّباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يُخالف أمره؛ من أجل هذا رأى أنه من الواجب الأخذ بحديث سعد بن أبي وقاص الذي يُحرّم بين الرطب بالتمر، وأن هذا الحديث خُصّص به حديث: ((التمر بالتمر مثلًا بمثل)) ولا يتّسع المقام هنا لعرض وجهة نظر الإمام الشافعي، فهدفنا هنا فقط هو أن نبيّن أن مقياس عرض السنة على السنة قد اتبعه العلماء بعد الصحابة رضي الله عنهما الذين ابتدءوا به، والذي وجدناه واضحًا جليًّا عند السيدة عائشة رضي الله عنها ، ومن يريد الاستزادة من ذلك فعليه الرجوع إلى كلام الإمام الشافعي، ومناقشته في كتابه (اختلاف الحديث).

هذا، وإذا كان الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- قد أثبت حديث سعد في النهي عن بيع الرطب بالتمر، وبيّن ((التمر بالتمر)) أنه من الأخبار التي خصّصت أخبارًا أخرى عامة مثل حديث: ((التمر بالتمر)) فإنه يثبت بعض الأحاديث الأخرى التي رأى الحنفية وغيرهم أنها تتعارض مع أحاديث أخرى، ممّا لا سبيل لهم أمامها إلا القول بنسخها، وتعطيل العمل بها، ومن هذا: حديث المسرّاة.

وحديث المصراة رواه مالك فقال: عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصرّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعًا من تمر)) والتصرية: أن يترك صاحب الإبل أو الغنم مدّة معينة لا يحلبها فيها؛ حتى يمتلئ ضرعها باللبن، وحتى إذا رآها المشتري اعتقد أنها غزيرة اللبن، هذا الحديث صحيح، وقد رواه الشيخان وغيرهما.

وروى الشافعي حديثًا آخر بإسناد صحيح فقال: أخبرنا سفيان -أي: ابن عيينة- عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، إلا أنه قال: ((ردّها وصاعًا من تمر لا سمراء))، ومع صحّة هذين الحديثين لم يأخذ بهما أبو حنيفة رضي الله عنه وقال: إن هذا من المنسوخ:

أولًا: لمخالفتهما عموم كتاب الله في ضمان العدوان بالمثل، قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194]، وقال جلّ شأنه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل: 126]، والصاع الذي يردّ في مقابل اللبن ليس بمثلٍ، ولا قيمة لما أخذه المشترى من اللبن، وقد تقدّم القول في عرض الحديث على القرآن الكريم.

ثانيًا: هذا الحديث يُخالف حديثًا آخر مشهورًا، وأخذ به جمهور الفقهاء، وهو حديث: ((الخراج بالضمان)) والخراج: ما يحصل من غلّة العين المبتاعة، فإذا كان هناك ردٌّ للمبيع بعد ذلك فلا يردّ هذا الخراج؛ لأنه كان في ضمان المشترى في هذه الفترة التي لم يحدث فيها الرّدّ ((الخراج بالضمان))، وهذا الحديث رواه الشافعي فقال: أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الخراج بالضمان))، ويضيف الشافعي إلى هذا قوله -مبينًا سبب هذا الحديث- قال: وأحسب، بل لا شك -إن شاء الله- أن مسلمًا نصّ الحديث، ومسلم هو مسلم بن خالد الزنجي، وهو شيخ الشافعي رحمهما الله تعالى، فذكر أن رجلًا ابتاع عبدًا فاستعمله، ثم ظهر منه على عيب، فقضى له رسول الله صلى الله عليه وسلم بردّه بالعيب، فقال المقضي عليه: قد استعمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الخراج بالضمان)) وبمقتضى هذا الحديث لا يكون اللبن مضمونًا؛ حيث كانت المصراة -الشاة، أو الإبل المصراة- تحت ضمان المشترى مدّة بقائها عنده، فله أن يستفيد منها، ولا يردّ هذا الخراج؛ لأنها كانت في ضمانه.

إذن فقد خالف حديث المصراة كتاب الله وهذا الحديث المشهور؛ فيُرَدّ، وهذا ما فعله أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- ومحمد صاحبه، وفي بعض الروايات: أن أبا يوسف قد ذهب مذهبهما، وفي رواية أخرى يقول ما يقول به زفر من أصحاب أبي حنيفة أيضًا، والشافعي من العمل بالحديثين وعدم ردّهما: ((الخراج بالضمان)) وحديث المصراة.

وقد أثبت الإمام الشافعي صحّة حديث المسراة، وقعّد هنا قاعدة تقول: ما ثبت عن رسول لله صلى الله عليه وسلم يجب الأخذ به، ولا يقال: لِمَ، وكيف. ويقول: وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس منه إلا التسليم، فقولك قول غيرك فيه، ولم، وكيف.. خطأ، يعني: لا نقول: لم قدر الصاع كبدل عن اللبن؟ وهكذا. ولا يتسع المقام أيضًا إلى أن نفيض في هذا.

جـ.  استخدام الإمام الشافعي لهذا المقياس لترجيح الأحاديث:

ولكننا ننبّه إلى أنه إذا كان الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- قد رفض عرض السنة على السنة من أجل ردّ بعضها، والعمل ببعضها الآخر فإنه استخدم ذلك لترجيح بعض الأحاديث الصحيحة على بعضها، وعونًا على الفهم الصحيح لها، والمعنى الذي أراده صلى الله عليه وسلم منها، وهذا هو ما فعله أيضًا وبيّّنّاه عند كلامنا على عرض السنة على القرآن الكريم، فهو أيضًا قد استخدم هذا المقياس لتوثيق السنة وبيان أنها صحيحة وتقويتها، وكما قلنا: المسلك واحد، ولكن النتيجة مختلفة فيما ذهب هو وما ذهب غيره، فقد رويت أحاديث في الإسفار والتغليس بالفجر، ولا شكّ أن وقت التغليس أسبق من وقت الإسفار، فالوقت إذن مختلف، والأحاديث تبعًا لذلك مختلفة أيضًا.

روى الشافعي عن سفيان -أي: ابن عيينة- عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أسفروا بالصبح؛ فإن ذلك أعظم لأجوركم. أو قال: للأجر)) وهذا -كما نرى- في الإسفار.

وروى -أي: الشافعي- في التغليس: عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ((كنّ نساء من المؤمنات يصلّين مع النبي صلى الله عليه وسلم وهنّ متلفعات بمروطهنّ، ثم يرجعن إلى أهلهنّ ما يعرفهنّ أحد من الغلس)) قال: وروى زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يُوافق هذا، ورُوي مثله عن أنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

روى الشافعي في التغليس وفي الإسفار -كما رأينا- واختار التغليس فقال: إذا انقطع الشّكّ في الفجر الآخر وبان معترضًا -يعني: بان الضوء في الأفق معترضًا- فالتغليس بالصبح أحبّ إلينا، ورأى بعض الناس الإسفار بالفجر أحبّ إليهم، وبين سبب اختياره للتغليس فقال: إنه أولى الحديثين بمعنى كتاب الله، وأثبتهما عند أهل الحديث، وأشبههما بجمل سنن النبي صلى الله عليه وسلم وأعرفهما عند أهل الذّمّة، فالسنة هنا -أو جُمَل السنن كما عبّر- إنما هي عامل فقط من عوامل الترجيح مع معنى كتاب الله تعالى، ومع كون الحديثين أثبت من الآخر.

ثم بيّن السنة الأخرى التي رجّحت حديث التغليس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أول الوقت رضوان الله))، وسُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها))، وعقّب الشافعي على هذا بقوله: ورسول الله لا يؤثّر على رضوان الله وعلى أفضل الأعمال شيئًا.

ونقول: إن حديث: ((أول الوقت رضوان الله)) لم يثبته العلماء، وإنما الحديث الصحيح هو الحديث الثاني: ((أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها)) لكن الذي يعنينا هنا هو استخدام مقياس السنة لتوثيق السنة عند الإمام الشافعي، ويحرص الشافعي جهده ألا يترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت إسنادًا فيزيل ما بين الحديثين اللذين ظاهرهما الاختلاف، فيقول: الله تعالى أمرنا بالمحافظة على الصلاة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ذلك أفضل الأعمال، وإنه رضوان الله، فلعلّ من الناس من سمعه؛ فقدم الصلاة قبل أن يتبيّن الفجر, فأمرهم أن يُسفروا حتى يتبيّن الفجر الآخر، فلا يكون معنى حديث رافع الذي هو في الإسفار أن يؤخّر الفجر عن وقته الأول، ولا يكون مخالفًا لحديث التغليس حينئذٍ، ويكون كلاهما على هذا النحو ثابتًا -أي: ليس بينهما اختلاف- وممّا يدلّ على ذلك ويؤكّده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هما فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان)) يعني: الذئب ((فلا يحلّ شيئًا ولا يحرّمه)) يعني: من ناحية الصوم ((فأما الفجر المعترض فيحلّ الصلاة ويحرّم الطعام)) يعني: من أراد الصيام.

وقد أيّدت السنة سنةً أخرى عند الشافعي؛ حتى لا يقال: إنه ذهب -حين دعا إلى التغليس- إلى رأي مخالف للسنة التي هي أيضًا ثابتة، ومن ذلك أيضًا ما ذهب الشافعي إليه من أنه لا يجب الغسل إلا من الجنابة، وأخذ هذا الحكم من قوله تعالى:{ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ } [النساء: 43] وقال: إن الوجوب لا يتعدّى الغسل من الجنابة إلى شيء آخر، إلا أن تدلّ السنة على غسل واجب فنوجبه بالسنة بطاعة الله في الأخذ بها، والشافعي لم يعلم دليلًا من السنة على وجوب الغسل من غير الجنابة، ولكن ماذا يفعل فيما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ظاهره الوجوب كغسل يوم الجمعة، وفيه الأحاديث الصحيحة، ومنها ما رواه عن سفيان -أي: ابن عيينة- عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل)) وهذا أمر ظاهره الوجوب، وما رواه أيضًا عن مالك، عن صفوان بن مسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) وهذا أكثر صراحة من الأول في الوجوب، هل ترك الشافعي هذه السنة الصحيحة حينما قال: إن غسل يوم الجمعة غير واجب، وكيف يتركها وهو المدافع عن كل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن السنة الأخرى الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي تُعينه على الفهم الصحيح لهذه الأحاديث، وهو ما يعنينا هنا أنه استخدم سنة في إعانته على فهم سنة أخرى، وهذا نوع من التوثيق والتثبيت، فبعرض هذه السنة على تلك السنة يتبيّن أنه يأخذ بهما جميعًا ولا يترك منهما شيئًا، فما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث أخرى في غسل يوم الجمعة يؤكّد أن الوجوب هنا وجوب في الاختيار، وفي النظافة، وفي نفي الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل: وجب حقّك عليّ إذ رأيتني موضعًا لحاجتك، ولسان العرب واسع يحتمل هذا، ويحتمل أن الغسل واجب لا يجزي غيره؛ فكان الاحتمال الأول أولى معنييه:

الاحتمال الأول: أنه غسل واجب وجوب الاختيار، يعني: يُلزم الرجل به نفسه من غير أن يوجبه عليه الشرع؛ فكان الاحتمال الأول أولى معنييه؛ لموافقته ظاهر القرآن، وهذا هو استخدام سنة لتثبيت سنة أخرى، لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث، وخصوص الغسل من الجنابة، والدلالة عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم  في غسل يوم الجمعة أيضًا، يعني: الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن الغسل ليس واجبًا.

ولكن ما هذه الدلالة التي تدل على أن غسل يوم الجمعة غير واجب، على الرغم من ظاهر الأحاديث السابقة؟ يروي الشافعي عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: أيّة ساعة هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق، فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا؟! وقد علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل، وكان الرجل الداخل هو عثمان بن عفان رضي الله عنه ولم يزد الأمر على ذلك؛ مما يدل على أنهما فهما الأمر على الاستحباب لا على الوجوب، بدليل أن عثمان لم يخرج فيغتسل، ولم يأمره عمر بذلك، ولم ينكر عليهما من حضر الخطبة من الصحابة التي حدث في أثنائها الحوار بين عمر وعثمان رضي الله عنهما. 

وقد ذكر الشافعي بعد هذا حديثًا آخر ليؤكّد المعنى الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم وهو: أن الوجوب ليس معناه الفرض فتترك الأحاديث التي لا تدل على الوجوب، فقال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيآتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم؟ كما روى حديث البصريين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)).

وهكذا خرج الشافعي بعرض السنة على السنة بذلك الفهم لبعض الأحاديث، ولم يفعل كالذين أخذوا بظاهر الحديث الأول؛ من وجوب الغسل يوم الجمعة للصلاة، وهم بهذا خالفوا السنة الصحيحة، وتركوا ما تدل عليه، وهو بهذا وثقها جميعها، وأخذ بها كلها، ولم يترك منها شيئًا؛ لأنها ثابتة، ولا يجوز أن يُترك الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وندرك من هذا كلّه أن الأحناف استعملوا مقياس عرض السنة على السنة المشهورة؛ من أجل توثيقها أو عدم توثيقها، وهم في هذا يقدّمون عناية أخرى في نقد متن الحديث غير عنايتهم هم وغيرهم في نقد إسناده ورواته، وأن الإمام الشافعي وإن كان عارض في هذا المقياس؛ لأنهم تركوا به بعض الأحاديث التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رأيه، إلا أنه استخدمه لتأكيد ثبوت وتوثيق بعض السنن، وهي عناية تدل على أن الذين التزموا بأن صحّة السند دليل على صحة المتن لم يغفلوا العناية بالمتن، كالإمام الشافعي، ولم يغلقوا أنفسهم على الاهتمام فقط بالسند دون النظر في معاني الحديث وملاءمتها للأصول الإسلامية، والذي فعله الشافعي هنا هو ما فعله في عرض السنة على القرآن الكريم لتأكيد ثبوتها، وإن كان لم يأخذ مقياس القرآن الكريم لنفي سنة يرى أنها صحيحة، وخاصة في إسنادها، وما سيفعله في عرض السنة على القياس والمعقول وغير ذلك -كما سنرى إن شاء الله تعالى- إنما يريد به كله أن يثبت أحاديث صحيحة لا يصح أن نرفضها؛ لأنها قد تتعارض مع سنة أخرى ظاهرًا، وهي ليست كذلك في واقع الأمر، وحتى لا تهتزّ الثقة بما يقدّمه الرواة الموثوق بهم الذين ثبتت عدالتهم، وثبتت أمانتهم، وثبت ضدهم. ونحن هنا لا نركز اهتمامنا حول عرض وجهة نظر هؤلاء العلماء بالتفصيل؛ حتى نبيّن من هو على صواب ومن هو على غير صواب، أو حتى نرجّح بعض الآراء على بعض، بل نوضح هنا أن العلماء -رحمهم الله تعالى- بإخلاصهم كانوا يخدمون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء أثبتوا ما أثبتوا، أو نفوا ما نفوا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: أن نقد المتون اتّخذ مساحة ربما لو توفّرت لها الدراسات لوُجد أنها أكثر من مساحة نقد الأسانيد، والاهتمام بالأسانيد، ولكن للأسف لم تهتمّ الدراسات بهذا الجانب اهتمامًا كبيرًا، وخاصة عند الفقهاء؛ فالفقهاء أيضًا كانوا يعنون بهذا، بل المهم دراسة هذه الأمور، كي يتبين لنا العناية الحقيقية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسانيد ومتونًا.

error: النص محمي !!