Top
Image Alt

عرض الحديث على أقوال الصحابة وفتاويهم، وعمل الراوي وفتواه، وعمل بعض الصحابة، وموقف الإمام الشافعي وابن حزم من هذا المقياس

  /  عرض الحديث على أقوال الصحابة وفتاويهم، وعمل الراوي وفتواه، وعمل بعض الصحابة، وموقف الإمام الشافعي وابن حزم من هذا المقياس

عرض الحديث على أقوال الصحابة وفتاويهم، وعمل الراوي وفتواه، وعمل بعض الصحابة، وموقف الإمام الشافعي وابن حزم من هذا المقياس

1. عرض الحديث على أقوال الصحابة وفتاويهم:

هناك مقياسان أيضًا اتّخذهما العلماء في نقد السنة، وأخذ بهما بعض العلماء، قال بعض العلماء: الحديث الذي تعمّ به البلوى والذي إليه تكون الحاجة ماسّة في عموم الأحوال لا بد أن يأتي بروايات مشهورة؛ ليكون مقبولًا وموثقًا، فإذا لم يكن كذلك يُرفض؛ لأنه لو صح لانتشر وشاع بين الصحابة ومن بعدهم، فالعادة تقتضي استفاضة نقل ما تعمّ به البلوى، ومعنى ذلك: أنهم -هؤلاء العلماء الذين يقولون بهذا- عرضوا الأحاديث على ما عليه الصحابة من قول أو عمل، والحديث الصحيح يأخذ به الأئمة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا أعرضوا عن حديث -وهم الأصول في نقل الشريعة- دلّ ذلك على انقطاعه أو نسخه، وذلك بأن يختلفوا في حادثة بآرائهم، ولم يحاج بعضهم في ذلك بحديث؛ كان ذلك الحديث غير صحيح؛ لأن استعمال الرأي والإعراض عن النص غير سائغ، ومن هنا يبرز دور مقياس آخر، وهو معرفة الصحابة بهذا الحديث أو لا، وهذان المقياسان كما يبدو واضحًا يرجعان إلى أصل واحد أو مقياس واحد، وهو الرجوع بالحديث وعرضه على عمل الصحابة وفتاويهم، ومدى نقلهم له، فإذا كانت العادة تقتضي أن يعلمه أكثرهم وأن يعملوا به، وحدث ذلك فعلًا ونقلوه قُبلُ وكان صحيحًا، أما إذا أعرضوا عنه والحالة هذه وواجب عليهم ألا يُعرضوا عمّا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليلًا على أنه لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تطبيق هذا المقياس في ردّ بعض الأحاديث:

وطبق الأحناف المقياس الأول، وهو الحديث الذي تعمّ به البلوى؛ لا بد أن يكون منتشرًا ومشهورًا بين الصحابة رضي الله عنهما وشاركتهم فيه المالكية -كما يقول ابن حزم- فقالوا: إن حديث مسّ الذكر ينقض الوضوء مثلًا ليس صحيحًا؛ لأنه مما تعمّ به البلوى، وهذا الحديث رواه أصحاب السنن الأربع، رواه أبو داود والنسائي من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عروة بن الزبير قال: دخلت على مروان، فذكر ما يكون منه الوضوء فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من مسّ ذكره فليتوضأ)) ورواه ابن ماجه من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، ورواه الترمذي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة -أي: مباشرة- قال الحنفية: إن هذا الحديث شاذّ؛ لانفراد بسرة بروايته مع عموم الحاجة إلى معرفته؛ فدلّ ذلك على زيافته -يعني: عدم كونه صحيحًا- إذ القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم خصّ بسرة بالتعليم في هذا الحكم مع أنها لا تحتاج إليه، ولم يعلم سائر الصحابة مع شدّة الحاجة إليه شبه المحال، وفي الحقّ أنه قد رُوي هذا الحديث عن صحابة آخرين غير بسرة كأبي هريرة، وجابر، وسالم، وزيد بن خالد، وعائشة، وأم حبيبة، وغيرهم.

ومن الأحاديث التي شذّت كذلك مع اشتهار الحادثة حديث الجهر بالتسمية، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم))، وروى أبو قلابة عن أنس رضي الله عنه : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم))، ولمّا شذ مع اشتهار الحادثة، ومع أنه معارض بأحاديث أقوى منه في الصّحة دالة على خلافه؛ لم يُعمل به في رأي بعض العلماء، وردّ هؤلاء العلماء أيضًا تطبيقًا لهذا المقياس خبر الوضوء مما مسّته النار، وخبر الوضوء من حمل الجنازة، وخبر رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه؛ لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفتها.

يقول الأحناف: إنه قد يعترض بعض الناس على قبولنا وجوب الوتر، ووجوب المضمضة والاستنشاق في الجنابة، مع أن هذا وذاك من خبر الواحد ممّا تعمّ به البلوى، ويردّون على ذلك بأن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمور ليس من الآحاد، وإنما هو من الأخبار المشهورة، أما الوجوب فقد قبلناه وإن كان من أخبار الآحاد؛ لأنه مما يجوز أن يُوقف عليه بعض الخواص لينقلوه إلى غيرهم، فإنما قبلنا خبر الواحد في هذا الحكم، فأما أصل الفعل فإنّما أثبتناه بالنقل المستفيض، يعني: بالنقل المتواتر، وأصل الفعل هو المضمضة والاستنشاق.

وأما الوجوب فهو الذي مما يجوز أن يوقف عليه بعض الخواص؛ لينقلوه إلى غيرهم، ونُذكّر بأن الخبر المشهور عند الأحناف يُخالف في مفهومه الخبر المشهور عند المحدّثين؛ فالخبر المشهور عند الأحناف: هو الذي يُشتهر بعد عصر الصحابة رضي الله عنهما، هذا وقد أسّس الأحناف المقياس الثاني، وهو أن أخذ الصحابة بالحديث دليلٌ على صحّته، وأن إعراضهم عنه مع الاختلاف بينهم في الحكم دليل على انقطاعه وعدم صحته، أسّسوه على أن الصحابة -وهم الأصول في نقل الدين- لم يُتّهموا بترك الاحتجاج بما هو حجّة، ولم يُتهموا بالكتمان والاشتغال بما ليس بحجّة، وعنايتهم بالحجج كانت أقوى من عناية غيرهم بها، فترك المحاجة بخبر الواحد وعدم العمل به عند ظهور الاختلاف فيهم، وجريان المحاجة بينهم بالرأي، والرأي ليس بحجّة مع ثبوت الخبر -هذا دليل ظاهر على أنه سهو ممن رواه بعدهم، أو منسوخ، وكلاهما لا يُعمل به، وليس بحجة.

وطبّق الأحناف هذا المقياس فردّوا حديث الطلاق بالرجال الذي تمسّك به الإمام الشافعي -رحمه الله- في اعتبار عدد الطلاق بحال الرجل، وهو ما رُوي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الطلاق بالرجال، والعدّة بالنساء)) والمراد به: أن إيقاع الطلاق إلى الرجال، فالكبار من الصحابة رضي الله عنهما اختلفوا في هذا، وأعرضوا عن الاحتجاج بالحديث أصلًا، فذهب عمر، وعثمان، وزيد، وعائشة رضي الله عنهما إلى أن الطلاق معتبر بحال الرجل في الرّقّ والحرية، بمعنى: أنه إذا كان حرًّا يملك ثلاثًا، وإذا كان عبدًا يملك اثنين، وذهب عليّ وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما إلى أنه معتبرٌ بحال المرأة، يعني: بحال المرأة ما إذا كانت حرّة فيملك الرجل عليها ثلاثًا، أو إذا كانت أمة فيملك الرجل عليها طلاقين، وهذا خلاف الحديث، ولم تحاج الطائفة الأولى الثانية بالحديث الذي يؤيّد رأيها ويقف بجانبه.

وهناك قول ثالث أُثِر عنهم أيضًا، وهو ما رُوي عن ابن عمر: أنه يُعتبر -أي: الطلاق- بمن رقّ منهما؛ حتى لا يملك الزوج عليها ثلاث تطليقات إلا إذا كان حرين، وتركوا أيضًا -أي: الحنفية- ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صدقة الصبي: ((ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا؛ كي لا تأكلها الصدقة)) ويقولون: لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهما في وجوب الزكاة على الصبي اختلافًا ظاهرًا، ومع هذا لم يُحاج بعضهم بعضًا بهذا الحديث، فذهب علي وابن عباس رضي الله عنهما إلى أنه لا زكاة في ماله، وذهب عبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهما إلى الوجوب بما يدلّ عليه هذا الحديث، وذهب ابن مسعود رضي الله عنه إلى أن الوصي يُعدّ السنون عليه، ثم يخبره وليه بعد البلوغ، إن شاء أدّى، وإن شاء لم يؤدّ، يقولون: ولو كان هذا الحديث ثابتًا لاشتهر فيهم، وجرت المحاجة به بعد تحقّق الحاجة إليه بظهور الاختلاف؛ لأنهم كانوا أولع بالنص، ولو احتجوا به لاشتهر أكثر من شهرة فتوى كل منهم في هذه المسألة، ولرجع المخالف إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يُخالفه؛ لأنهم رضي الله عنهما كانوا أشد انقيادًا للحق من غيرهم، ولمّا لم يثبت شيء من ذلك عُلم أنه غير صحيح.

2. عرض الحديث على عمل الراوي وفتواه:

ويتصل بهذين المقياسين أو شبيه بهما عرض الحديث على عمل الراوي وفتواه، وخاصة عمل الصحابي من حيث موافقته لما رواه، أو مخالفته له، فإن بعض الرواة قد رَوَتْ عنه أحاديث، وقال أو عمل بخلافها، ويقول الحنفية: إذا كان العمل أو القول المخالف للرواية قبلها فإن ذلك لا يقدح في الخبر، ويحمل على أن ذلك كان مذهبه قبل أن يبلغه الحديث، فلما بلغه الحديث رجع إليه، وكذلك إن لم يُعلم التاريخ ما إذا كان عمله، أو قوله المخالف قبل رواية الحديث أو بعدها؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يُتبين خلافه، وهو أن يكون منه قبل أن يبلغه الحديث ثم رجع إليه.

والاحتمالات الكثيرة التي تجعل الحديث غير موثوق به إنما تكون عندما يُعلم أنه خالف الحديث قولًا أو فعلًا بعد تاريخ روايته؛ ومن هنا يكون هذا الحديث غير حجّة؛ لأن فتوى الصحابي بخلافه، أو عمله بخلافه من أبين الدلائل على الانقطاع، وأنه الأصل للحديث، ولا يتصوّر أن يكون الصحابة -رضوان الله عليهم- عندهم حديث، ثم يذهبون إلى خلافه عملًا أو فتوى؛ فهم العدول البررة الأطهار الذين ضربوا السهم الوافر في توثيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريرها، والالتزام بها قولًا وعملًا؛ ومن أجل هذا فإن عمل أحدهم أو قوله بخلاف الحديث يُحمل على غير ما تقدم، وهو أنه عَلم نسخ حكم الحديث، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلمَ يروِهِ عندئذٍ وقد علم أنه منسوخ الحكم؟ والجواب على ذلك: أنه يرويه -كما يقول السرخسي- إبقاء للإسناد، وإبقاء لما صدر فعلًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ضير حينئذٍ من هذه الرواية؛ لأن قوله أو عمله بخلافها يكون دليلًا على النسخ وعدم العمل به، ولكن هذا لا يزيل توهّم النسيان أو الغلط، فهذا يمكن أن يقع لكل إنسان، يعني: إن نسي الراوي أو الصحابي هذا الحديث فعمل بخلافه، وباعتبار هذا التعارض بين الرواية، وبين القول أو العمل ينقطع اتّصال الحديث، ولا يكون حجة تبعًا لهذا.

ومثال ذلك: ما روى سليمان بن موسى لعبد الملك بن جريج، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها  عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل)) إن عائشة رضي الله عنها  زوّجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن المنذرَ بن الزبير، وكان عبد الرحمن أبو حفصة بالشام، ولم يعلم بهذا إلا بعد مجيئه؛ بدليل أنه غضب وقال: أمثلي يُصنع به هذا ويُفتات عليه، يعني: تُزوج ابنته وهو غائب، ولما علمت عائشة رضي الله عنها  غضبه قالت للمنذر: لتملكنّ عبد الرحمن أمرها، أي: أمر ابنته، فقال المنذر: إن ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أردّ أمرًا قضيتيه، فقرت حفصة بنت عبد الرحمن عند الذي زوجته عائشة، وهكذا رأت عائشة رضي الله عنها  أن تزويجها بنت أخيها بغير أمره جائز، وأن العقد صحيح؛ بدليل أنها أجازت التمليك الذي لا يكون إلا عن صحة النكاح، وهذا يثبت استحالة أن ترى ذلك مع صحّة ما رَوَت من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل)) فثبت -هذا في نظر الحنفية- فساد ما رُوي عن الزهري.

وأيضًا فإنها لمّا أنكحت فقد جوّزت نكاح المرأة نفسها دلالة؛ لأن العقد لمّا انعقد بعبارة غير المتزوجة من النساء، فلأن ينعقد بعبارتها أولى، والذي عقد العقد هو السيدة عائشة، والتي تزوجت هي حفصة بنت عبد الرحمن، فلأن ينعقد بعبارة حفصة أولى؛ فيكون فيه عمل بخلاف ما روت.

ومثل هذا ما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما في رفع اليدين قبل الركوع وبعد القيام منه؛ فقد روى جابر، عن سالم بن عبد الله: أنه رفع حذاء منكبيه في الصلاة حين افتتحها وحين رفع رأسه، فسأله جابر عن ذلك، فقال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك. هذا وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان لا يفعل ذلك، قال مجاهد: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، فعمله هذا بخلاف ما روى يدلّ على نسخ رفع اليدين قبل الركوع وبعده؛ فلا تقوم به الحجة.

وأنبّه هنا -وهذا نبهنا عليه أكثر من مرة- إلى أنه ليس من همّنا هنا أن نثبت هذا أو ذلك، أو نناقش هذا أو ذاك من العلماء، أو أن نثبت ما يقول الحنفية هو صحيح أو غير صحيح، إنما الذي نريد أن نثبته هو أنه حدث نقد لمتون الأحاديث، ينبغي ألا نَغفل عنها؛ حتى لا نُتهم بأننا في توثيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كنّا نهتم بالشكليّات وهو الإسناد، وإن كان الإسناد في حقيقته ليس شكليات، ولكن هكذا يقول المشوّشون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يقال: إننا نهتم بالشكليات ولا نهتم بالمتون التي هي الأساس في السنة.

كذلك من الأمثلة في نقد الحنفية لبعض المتون وعدم قبولها ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا)) ثم صحّ من فتواه: أنه يطهر الإناء بالغسل ثلاثًا.

3. عرض الحديث على عمل بعض الصحابة:

وشبيه بهذا أن يعمل بعض الأئمة من الصحابة بخلاف الحديث، وهو ممن يُعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث؛ فيخرج الحديث به من أن يكون حجة؛ لأنه لما انقطع توهّم أنه لم يبلغه هذا الحديث، كما لا يُظن به أنه يُخالف ما صحّ عنده من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ سواء رواه هو أو غيره، فأحسن الوجوه فيه أنه علم أنه نسخه.

ومثال هذا: ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة))، وقد صحّ عن بعض الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم، مع أنه كان لا يخفى عليهم الحديث؛ لشهرته لو صحّ، وصح عن عمر رضي الله عنه قوله: “والله لا أنفي أحدًا أبدًا” وقول علي رضي الله عنه : “كفى بالنفي فتنة” فدلّ هذا على أن هذا الحكم الذي يتضمّنه الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم، وكذلك ما يتضمّنه من النفي والتغريب منسوخ.

وممّا هو جدير بالذكر أن النسخ وإن كان لا يؤثر في صحة ثبوت الحديث ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه في مثل هذا الموقف وهو عرض الحديث على عمل الصحابي والقول به من وجهة نظر المعارضين انتقاص لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك له دون حجة، وعدم الثقة به، وهذا يجعل القائلين به -من وجهة نظر المعارضين أيضًا- مثل الذين يتركون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا دليل، بل هم يفتحون الباب لأعداء السنة الذين ينفذون منه لردها، يقول الإمام الشافعي: أفيجوز في كل خبر رويته عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال: قد كان هذا، ولعلّه منسوخ؟ فيرد علينا أهل الجهالة بالسنن بـ”لعله” يعني: يستخدمون “لعله” كثيرًا في نفي السنن الصحيحة.

أ. موقف الإمام الشافعي من هذا المقياس:

لقد ردّ الإمام الشافعي هذه المقاييس بما ردّ به المقياسين الأولين: عرض الآحاد على الكتاب، وعلى السنة المشهورة، ردّ هذه المقاييس في كونها تردّ أحاديث صحيحة رويت بأسانيد صحيحة، وهو يقول: إنه لا يهمّنا -في قليل ولا كثير- أن يوافق عمل بعض الصحابة أو رأيهم الحديث أو يُخالفه؛ لأن الحديث يثبت نفسه بأن يرويه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك ثبوته، وألا نقول على حديث ليثبت أن وافقه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يردّ لأن عمل بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عملًا يُخالفه؛ لأن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين كلّهم حاجة إلى أمر رسول الله، وعليهم اتباعه، لا أن شيئًا من أقاويلهم تبع ما رُوي عنه ووافقه يزيد قوله شدّة، ولا شيء خالفه من أقاويلهم يُوهن ما روى عنه الثقة، وإذا كان بعض الصحابة قد خالف الحديث فليس ذلك؛ لأنه لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن لأن كثيرًا منهم كان لا يبلغه الحديث؛ فيفتي برأيه، أو يختلفون لأنهم لم يبلغهم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضوع اختلافهم، فالخبر حجّة على كافة الأمة، والصحابي محجوج به كغيره؛ فإن قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] وقوله عز وجل : {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، وردًّا عامين من غير تخصيص لبعض الأمة دون بعض.

يقول الشافعي بعدما بين أن بعض الصحابة عمل بما يُخالف الحديث: وفي هذا ما يدلّ على أن الرجل يعلم الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم خلافه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول بما علم، ثم لا يكون في قوله بما علم، وروى حجّة على أحد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولًا، أو عمل عملًا ينسخ العمل الذي قال به غيره وعمله. ويذكر الشافعي أن غياب هذه الحقيقة عن بعض العلماء جعلهم يغلطون ويتخذونه مقياسًا لردّ الحديث وتضعيفه.

إذن، ثبوت الحديث أو ردّه ليس بمقياس عرضه على موقف الصحابة في موضوعه؛ ليُعلم: هل اشتهر بينهم أو لا؟ وهل الذين اختلفوا في موضوعه تحاجوا به أو لا؟ وإنما ثبوته -في نظر الإمام الشافعي- بأن يرويه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما يقول بعض متأخّري الحنفية الذين رفضوا هذه المقاييس: إن بعضًا مما تعمّ به البلوى صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلمه كثير من الصحابة، يقول ابن عمر رضي الله عنه : كنا نخابر أربعين سنة، حتى روى لنا رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن ذلك فانتهينا؛ فلا يلزم من عموم البلوى اشتهار حكمها؛ فإن حكم الفصد، والحجامة، والقهقهة في الصلاة، وإفراد الإقامة وتثنيتها، وقراءة الفاتحة خلف الِإمام وتركها، والجهر بالتسمية وإخفائها، وعامة تفاصيل الصلاة لم تُشتهر، مع أن هذه الحوادث عامة.

وإذا كان الشافعي -رحمه الله تعالى- قد عارض في أن يُؤخذ عمل الصحابة وفتاويهم مقياسًا لردّ الأحاديث الصحيحة -في رأيه- فإنه لم يرفض هذا المقياس تمامًا، كما فعل مع المقاييس الأخرى، ولكنه استخدم هذا المقياس بهدف آخر غير ما هدفوا إليه، وهو تأييد الأحاديث الثابتة، وتقويتها، والرّدّ على مخالفيها وتاركيها، مع ثبوتها من وجهة نظره ونظر من يسير في اتجاهه، وهو ينصّ على أن من أسباب الترجيح عنده، ومن أسباب تقوية الحديث: أن يعمل به عدد كبير من الصحابة } فيقول: أو يكون الذي ذهبنا إليه -أي: من صحة الحديث- أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بما سواهما من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أولى بما يعرف أهل العلم، أو أصح في القياس، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي هذا النص وهذه الكلمات القليلة من الإمام الشافعي ما يبيّن أنه استخدم كل هذه المقاييس في تثبيت وتوثيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ عرض السنة على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو القياس، أو الذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لم يستخدم هذا في ردّ الأحاديث التي ثبتت إسنادًا عنده، وقد تقدّم تطبيقه في تقوية الأحاديث بالعرض على كتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبق عرضها هنا على عمل أكثر الصحابة في حديثي الإسفار والتغليس، وقد سبق عرضنا لهذين الحديثين، وترجيح الشافعي لأحدهما بعد عرضهما على كتاب الله تعالى، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الشافعي مرجّحًا حديث التغليس والدخول في الصلاة في أول وقت الصبح، وإن تقديم صلاة الفجر في أول وقتها عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك، وغيرهم مثبت، كما فعل ذلك في باب الحجامة للصائم، فقد روى حديثين مختلفين وهما ما رواه بسنده عن شداد بن أوس: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم زمان الفتح، فرأى رجلًا يحتجم لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال وهو آخذ بيدي: أفطر الحاجم والمحجوم))، ثم روى بسنده عن ابن عباس: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم محرمًا صائمًا))، وهذان الحديثان وإن كانا مشتبهين في الإسناد، إلا أن الثاني -وهو حديث ابن عباس- أمثلهما إسنادًا؛ ولهذا اختاره ورجّحه الإمام الشافعي على حديث شداد بن أوس؛ لأنه -فوق ذلك- يحفظه عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، وعامة المدنيين.

ب. موقف ابن حزم من هذا المقياس:

وإذا كان الإمام الشافعي قد ردّ على الأحناف ردًّا هادئًا متأنيًا، فإننا نجد ابن حزم الظاهري -الذي توفّي سنة أربعمائة وست وخمسين- يردّ عليهم ردًّا عنيفًا في اتخاذهم هذين المقياسين وما يشبههما، ويجدر بنا أن نعرض لهذا الرّدّ؛ تأكيدًا لرأي الإمام الشافعي، وزيادة بيان لقيمة هذين المقياسين عند الآخرين، أي: الحنفية.

قال ابن حزم: إننا وجدنا الصاحب من الصحابة رضي الله عنهما يبلغه الحديث، ويأتي عمله لنا على خلافه، ولا يدل هذا على أنه ردّه، أو على أنه غير صحيح، فقد يكون متأولًا له، كما وجدناهم يقرّون ويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن، قد قال أبو هريرة: إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام في أموالهم. وقال البراء: ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حدثنا أصحابنا، وكانت تشغلنا رِعية الإبل.

ثم ذكر ابن حزم الأمثلة التي تدل على أن الأحاديث كانت تخفى على بعضهم، ثم قال: وهذا كله وما بعد هذا يبطل ما قاله من لا يبالي بكلامه من الحنفيين والمالكيين: إن الأمر إذا كان مما تعمّ به البلوى لم يُقبل فيه خبر الواحد. قال: والعجب أن كلتا الطائفتين قد قبلت أخبارًا خالفها غيرهم تعمّ بها البلوى، كقبول الحنفيين الوضوء من الضحك، وجهله غيرهم، وكقبول المالكيين اليمين مع الشاهد وجهله غيرهم، ومثل هذا كثير جدًّا.

واستطرد ابن حزم في ذكر الأمثلة التي تدلّ على أن بعض الصحابة والكبار منهم يتركون الحديث مع شهرته؛ للجهل به، ونكتفي بما أوردناه، على أنه إنصافًا للحنفية نقول: إن هذا الحشد من الأمثلة التي ذكرناها لا ينطبق عليها -من وجهة نظرنا- ما يهدف إليه وهو: كونها مما تعمّ به البلوى ولا يشتهر.

على أن الذي يعنينا هنا أننا أصبحنا على يقين من أن علماءنا الأجلاء -وعلى رأسهم: أبو حنيفة وصاحباه والإمام الشافعي ومالك- قد وثقوا متون الحديث، أو نقدوه، بعرضه على عمل الصحابة وآرائهم، ومدى شهرته بينهم، وإن تفاوتوا في درجات الأخذ بذلك، ولم يقفوا جامدين أمام موضوعات الأحاديث، وما تحمل من أدلة للاستنباط مكتفين بالثقة في أسانيدها ورجالها كما رماهم بذلك الجاهلون.

error: النص محمي !!