Top
Image Alt

عرض الحديث على الوقائع التاريخية الثابتة، وركاكة اللفظ وبُعد المعنى في الحكم على وضعه، ودلالة الحديث على مشابهة الخالق بالمخلوق

  /  عرض الحديث على الوقائع التاريخية الثابتة، وركاكة اللفظ وبُعد المعنى في الحكم على وضعه، ودلالة الحديث على مشابهة الخالق بالمخلوق

عرض الحديث على الوقائع التاريخية الثابتة، وركاكة اللفظ وبُعد المعنى في الحكم على وضعه، ودلالة الحديث على مشابهة الخالق بالمخلوق

1. عرض الحديث على الوقائع التاريخية الثابتة:

ومن المقاييس التي اتخذها ابن الجوزي للحكم على المتون بالوضع: عرض الحديث على الوقائع التاريخية الثابتة؛ فقد عرض بعض الأحاديث على الوقائع التاريخية الثابتة، فوجد أنه يخالفها.

ومن ذلك:

– حديث عائشة المتقدم في تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة، وفي الحديث: “أن جبريل أطعمه من تلك الشجرة ليلة الإسراء قال: فخلق الله عز وجل  في صلبي منها نطفة، فلما صرت إلى الدنيا واقعت خديجة؛ فحملت بفاطمة”. الحديث الذي تقدم قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع لا يشك المبتدئ في العلم في وضعه فكيف بالمتبحر؟! ولقد كان الذي وضعه من أجهل الجهال بالنقل والتاريخ، فإن فاطمة ولدت قبل النبوة بخمس سنين، وذِكْره الإسراءَ كان أشد لفضيحته، فإن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة بعد موت خديجة، فلما هاجر أقام بالمدينة عشر سنين، فعلى قول من وضع هذا الحديث يكون لفاطمة يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين وأشهر، وأين الحسن والحسين وهما يرويان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان لفاطمة من العمر ليلة المعراج سبع عشرة سنة فسبحان مَن فضح هذا الجاهل الواضع على يد نفسه.

قال ابن الجوزي: ولقد عجبت من الدارقطني كيف خرج هذا الحديث لابن غيلان، ثم خرجه لأبي بكرٍ الشافعي؛ تراه أعجبته صحته؟ ثم لم يتكلم عليه، ولم يبين أنه موضوع، وغاية ما يعتذر به أن يقول: هذا لا يخفى على العلماء؛ فمن أين يعلم الجهال الذين يسمعون هذا؟ وكيف يصنع بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((مَن رَوَى عني حديثًا يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين))؟ وإنما يذكر العلماء مثل هذا في كتب الجرح والتعديل يبين حال واضعه، فأما في (المنتقى)، و(التخريج) فذكره قبيح إلا أن يتكلموا عليه، فقد بين ابن الجوزي في هذا الحديث أنه مخالف للوقائع التاريخية المعروفة والثابتة.

ومن الأحاديث التي عرضها ابن الجوزي على الوقائع التاريخية الثابتة ما ذكره عن أنس بن مالك قال: “أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فاستقبله سعد بن معاذ الأنصاري، فصافحه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عما أثر في يديه، فقال: يا رسول الله، أضرب بالبرو -المسحاة- فأنفقه على عيالي. قال: فقبل النبي صلى الله عليه وسلم يده، وقال: هذه يد لا تمسها النار أبدًا”، قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، وما أجهل واضعه بالتاريخ، فإن سعد بن معاذ لم يكن حيًّا في غزوة تبوك؛ لأنه مات بعد غزاة بني قريظة من السهم الذي رُمي به في يوم الخندق، وكانت غزاة بني قريظة سنة خمسٍ من الهجرة، فأما غزاة تبوك فإنها كانت في سنة تسع، فلو كان عند الكذاب توفيق ما كذب، أي: هكذا.

وكذلك ما روي عن أبي هريرة قال: “لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة…” الحديث، وفيه: “فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزل أبي بكر فقرع الباب، ثم قال: يا أبا بكر، إن الله أمرني أن أصاهرك، وكان له ثلاث بناتٍ فعرضهن على رسول اللهصلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أمرني أن أتزوج بهذه الجارية وهي عائشة، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم “. قال ابن الجوزي: ما أبعد الذي وضعه عن العلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهو بمكة ولم يكن لأبي بكرٍ حينئذٍ ثلاث بنات ما كان له غير أسماء وعائشة، وإنما جاءت بنتٌ بعد وفاته يقال لها: أم كلثوم.

وعن أسماء بنت عميس: “قالت: يا رسول الله، خطب إليك فاطمة ذو الأسنان والأموال من قريش فلم تزوجهم وزوجتها هذا الغلام، فلما كان من الليل بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سلمان الفارسي فقال: ائتني ببغلتي الشهباء فأتاه بها فحمل عليها فاطمة وكان سلمان يقودها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسوقها”. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع لا شك فيه، ولقد أبدع الذي وضعه -يعني: أتى ببدعة لم تكن موجودة قبل ذلك- أتراها إلى أين ركبت وبين البيتين خطوات؟ وقوله: “رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوقها وسلمان يقودها” سوء أدب من الواضع وجرأة، إذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سائقًا ثم سلمان كان حينئذٍ مشغولًا بالرق ولم يكن يخلص من كتابته بعد.

وكذلك حديث عن ابن عباس في وقوع النجم في دار علي، وهذا قد مرّ، وفي حديثٍ آخر عن أنس بن مالك مثله، وقد تقدم كذلك. قال فيهما ابن الجوزي: ومن بلهه -أي: واضع الحديث- أنه وضع هذا الحديث على ابن عباس، وكان ابن عباس في زمن المعراج ابن سنتين، فكيف يشهد تلك الحالة ويرويها، وقد سرق هذا الحديث بعينه قوم، وغيروا إسناده وجعلوه من حديث أنس، فإن أنسًا لم يكن بمكة زمن المعراج، ولا حين نزول هذه السورة -يعني: سورة النجم- لأن المعراج كان قبل الهجرة بسنة وأنس إنما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة.

ومن هذه الأحاديث التي عرضها ابن الجوزي على الوقائع التاريخية فخالفتها: حديث عائشة في إحياء أم النبي صلى الله عليه وسلم ومروره بعائشة على عقبة الحجون، وقد تقدم هذا الحديث. قال ابن الجوزي ناقلًا كلام شيخه أبي الفضل بن ناصر: هذا حديث موضوع، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة ودفنت هناك وليس بالحجون.

ومن استعراض الأمثلة المتقدمة، نعرف أثر هذا المقياس فهو أحد أسلحة المحدثين في محاربة الوضع والوضاعين، وكشف كذبهم ومدسوساتهم، فالتاريخ مقياس صادق ما دامت تلك المعلومات التاريخية ثابتة صحيحة، أما إذا كانت غير ثابتة فيصعب الحكم بوضع الحديث المخالف لها حينئذٍ، وابن الجوزي في الأمثلة المتقدمة استخدم التاريخ في نقد متون تلك الأحاديث، ولم يتردد في الحكم بوضعها واختلاقها، ومن هذه الأمثلة نعرف مدى أثر استخدام هذا المقياس في نقد المتون حيث يظهر للناقد في متن الحديث ما لا يظهر له إذا اقتصر نظره على الإسناد، ومما هو معلوم أن المحدثين استخدموا التاريخ في نقد المرويات، ومعرفة عُمْرِ الراوي، وولادته، ووفاة شيخه، وثبوت لقائه له أو الرحلة إليه، وتلك أوجه أخرى للتاريخ تتعلق بالأسانيد خدمة لثبوت المتون أو عدم ثبوتها. أما هنا فوجه آخر من وجوه استخدام مقياس عرض الخبر على التاريخ لبيان أن المتون توافقه أو لا توافقه.

2. ركاكة اللفظ، وبعد المعنى في الحكم على وضعه:

وننتقل إلى مقياس آخر عند ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- وهو: ركاكة ألفاظ الحديث وبعد معناه. فركاكة ألفاظ الحديث وبُعد معناه، دليل على وضعه، وسنذكر الأحاديث التي حكم ابن الجوزي بوضعها أخذًا بهذا المقياس، ثم نبين حدوده وشروط استعماله.

من الأمثلة على نقل المتون، وبيان أنها لا تتلاءم مع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلاغته، وفصاحته، وسلاسة أسلوبه: ما روي عن عثمان: “أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }[الزُّمَر: 63] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما سألني عنها أحد، تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله لا قوة إلا بالله الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، أما أول خصلة فيحرس من إبليس وجنوده، وأما الثانية فيعطى قنطارًا في الجنة، وأما الثالثة فترفع له درجة في الجنة، وأما الرابعة فيزوجه الله من الحور العين، وأما الخامسة فله فيها من الأجر كمن حج واعتمر، فيقبل حجه وتقبل عمرته، فإن مات من يومه ختم له بطابع الشهداء”.

قال ابن الجوزي: وهذا الحديث من الموضوعات النادرة التي لا تليق بمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه منزه عن الكلام الركيك والمعنى البعيد.

وكذلك ما روي عن أبي بن كعب الحديث المشهور في فضائل القرآن سورة سورة وفيه: “ومن قرأ الأعراف جعل الله بينه وبين إبليس حجابًا، ومن قرأ الأنفال أكون له شفيعًا وشاهدًا وبرئ من النفاق، ومن قرأ يونس أُعطي من الأجر عشر حسناتٍ بعدد من كذب بيونس وصدق به، وبعدد مَن غرَقَ مع فرعون، ومن قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق نوحًا وكذب به…” إلى آخر الحديث في فضائل القرآن سورة سورة.

قال ابن الجوزي: وهذا حديث فضائل السور مصنوع بلا شك، فإنه قد استنفذ السور وذكر كل واحدة منها ما يناسبها من الثواب بكلام ركيك في نهاية البرودة لا يناسب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وما روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب { قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَن دَعَا بهذه الأسماء استجاب الله له: اللهم أنت حي لا تموت، وندي لا تنفد، وقريب لا تبعد، ووفي لا تُخلِف، ومعروف لا تنكر، ووكيل لا تحقر، وغالب لا تغلب، ووتر لا تستأمر، وفرد لا تستشير، ومحتجب لا ترى، ومن دعا بها عند منامه بعث الله عز وجل  بكل حرفٍ منها سبعمائة ألف ملك من الروحانيين وجوههم أحسن من الشمس والقمر”.

قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي طرقه كلمات ركيكة يتنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثلها وأسماء لله يتعالى الحق عنها.

وعن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من أبصر سارقًا سرق سرقة صغرت أو كبرت فكتم عليه ما سرق، ولم ينذِر به، كان عليه من الوزر مثل الذي على السارق، ولا يسرق السارق حتى يخرج الإيمان من قلبه، ولا يكتم عليه من رآه حتى يخرج الإيمان من قلبه، ويبرأ الله منهما وكلاهما في النار إلا أن الذي نظر إليه وكتم عليه، يدعك بالعذاب دعكًا”. ثم نقل ابن الجوزي كلام ابن عدي في هذا الحديث وهو قوله: وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل، وهذه الألفاظ لا تشبه ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إذا نظرنا إلى الأحاديث السابقة وجدنا ابن الجوزي قد حكم بوضعها وعلل ذلك بكونها لا تليق بمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشبه ألفاظه فكلامها ركيك، ولا بد من إيضاح المقصود بركاكة اللفظ والمعنى، فاللفظ الركيك هو المختل التركيب، والمعنى الركيك هو الهابط الذي لا يناسب مقام قائله، وقد تدخل ركاكة المعنى في ركاكة اللفظ عند إطلاقها، فنقول: هذا كلام ركيك، وأنت تقصد سخف المعنى وانحطاطه، وإن كان اللفظ فخمًا جزلًا، ويمكن أن نلاحظ في جميع الأمثلة المتقدمة قوله: لا تليق بمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه منزه أو لا يناسب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يتنزه عنها، أو لا تشبه ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أعم من بُعد المعنى؛ لأننا لا ننسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا معنًى يليق به، فإذا قلنا: هذا اللفظ ينزه عنه صلى الله عليه وسلم كان أبلغ من قولنا: معنًى بعيد.

وعلى هذا يكون القياس الذي قرره ابن الجوزي هو: إذا كانت ألفاظ الحديث ركيكة ينزه عن مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فالحديث موضوع. وقد يناقش ابن الجوزي في قوله: إن هذا الذي جاء في الحديث ركيك أو غير ذلك، ولكن ليس هذا مجاله الآن.

3. دلالة الحديث على مشابهة الخالق بالمخلوق:

وآخر المقاييس عند ابن الجوزي: دلالة الحديث على مشابهة الخالق بالمخلوق، فهذا المقياس يختص بنوع من الأحاديث هي أحاديث الصفات، ذلك أن الزنادقة أدخلوا فيها أشياءَ لتشكيك المؤمنين في دينهم وعقيدتهم، وهذا المقياس الذي أكده ابن الجوزي يسهل على طالب العلم الحكم على الحديث عند سماعه من غير النظرٍ في رواته، فالله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الشورى: 11].

ومن الأحاديث التي ردها ابن الجوزي عملًا بهذا المقياس: حديث روي عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لما أسري بي إلى السماء وانتهيت رأيت ربي عز وجل  بيني وبينه حجاب بارز، فرأيت كل شيء منه حتى رأيت تاجًا مخوصًا من لؤلؤ”. قال ابن الجوزي: ومثل هذا الحديث لا يخفى أنه موضوع، وأنه يثبت البعضية، ويشير إلى التشبيه، فكافأ الله من عمله، وغير هذا من الأمثلة التي يضيق بنا الوقت عن ذكرها.

error: النص محمي !!