Top
Image Alt

عزل القاضي

  /  عزل القاضي

عزل القاضي

موضوع عزل القاضي من الموضوعات المهمة جدًا؛ لأنه لا ينبغي أن يعين القاضي اليوم، ويُعزل غدًا، بلا سبب، وأنه إذا ترك الأمر بلا ضوابط، فإن بعض الحكام المفسدين من الممكن أن ينالوا من استقلال القضاة، وأن يشعر القاضي بأن العزل سيف مسلط على رقبته، فلا يشعر بالثقة ولا بالأمان، ولا بالطمأنينة، وهذا يعرّضه للاضطراب والقلق، كما يعرض مصالح الناس للخطر؛ ولذلك فإنه لا يجوز على الأصح عزل القاضي بلا مقتض قوي، عملًا على استتباب الأمن والأمان، وتحقيق مصالح الناس، واستقرار النظام القضائي، وكسب ثقة القضاة، والمتخاصمين والمتنازعين.

وقد رأى الشافعية أن القاضي يُعزل بواحد من أربعة أمور:

الأمر الأول: أنه إذا جنّ جنونًا مطبقًا أي مستمرًا أو متقطعًا، أو عمي أو أصيب بالخرس، ولذلك إذا حدث للقاضي هذا الأمر لم ينفذ حكمه، ولأن هذه الأمور تمنع من ولايته للقضاء، تمنع من ولاية الأب، يعني إذا كان الأب قد أصيب بهذه الأمور تُرفع عنه الولاية؛ يعني لا يكون واليًا على أبنائه، فالحاكم أولى، أو القاضي أولى، إذا أصيب بهذه الآفات أن يُعزل ويولى قاضٍ آخر.

الأمر الثاني: إذا ظهر خلل من القاضي،  يعني أصبح يحكم بالجور والظلم، أو أصبح مرتشيًا أو تبين أنه زنديق أو تبين جهله، ويكفي في ذلك -يعني في العزل- غلبة الظن، يعني أن يغلب على ظن الإمام أو السلطان أن هذا القاضي أصاب قضاءه الخلل، يمنع تحقيق العدل، فيبادر بعزله.

ويعتبر من الظن كثرة شكاوى الناس منه، فإذا كثر شاكوه، وتبين للإمام أو السلطان أن الذين شكوه كانوا على حق، ذلك عن طريق التحري، وعن طريق الفحص السري- فإنه يبادر بعزله، قال بعض الفقهاء: “إذا كثر الشاكون من القاضي وجب عزله” يعني: إذا كثر الشاكون، وتبين أنهم على حق؛ لأنه أيضًا ينبغي على ولي الأمر أو السلطان ألا يعطي أذنه، ويستمع للكلام عن القاضي؛ لأن الناس لا يعجبهم شيء، وأحيانًا يتكلمون عن القاضي، حتى وإن كان عدلًا خصوصًا من حكم عليه في بعض القضايا، فينبغي أن يتحرى الإمام أو السلطان هذه الشكاوى، وأن يبحثها.

إذا تبين أنهم كانوا على حق يبادر بعزله؛ لأنه جاء في سنن أبي داود أن النبيصلى الله عليه وسلم عزلَ إمامًا يصلي بالناس، وكان يبصق في القبلة، وقال: ((لا يصلي بهم بعدها أبدًا))، وإذا جاز هذا في إمامة الصلاة جاز في القاضي من باب أولى؛ لأن القضاء أخطر؛ فإن لم يظهر من القاضي خلل، ولم يكن هناك من يصلح للقضاء غيره- لم يجز عزله، ولو عزله ولي الأمر لم ينعزل؛ وذلك لأنه تعيّن للقضاء، فلا يجوز عزله، تعين يعني أصبح لا يوجد غيره يصلح للقضاء، فحتى لو عزله الإمام لا ينعزل، وإن كان هناك صالح وهناك أصلح منه أو مثله أو دونه، فإن كان أصلح من القاضي الموجود جاز عزل القاضي، وإن كان مثله أو دونه فإن كان للعزل مصلحة مثل تسكين فتنة، ونحوها فللإمام عزله، وإن لم يكن في عزله مصلحة لم يجز عزله، فلو حدث فعلًا وعزله الإمام نُفذ العزل مراعاة لطاعة الإمام؛ لأنه يوجد غيره، وهذا الغير مساو أو أفضل.

الأمر الثالث: المرض المعجز للقاضي عن النهوض بأعباء الحكم في القضايا، وفض النزاع، وإنهاء الخلاف، فإنه ينعزل به، إذا كان لا يرجى زواله، فإن كان يرجى زوال هذا المرض -يعني أصيب بمرض لكن الشفاء منه مأمول- فإنه يُعطى فرصة، فإن شفي استمر في القضاء وإلا عُزل، أما إذا كان قد أصيب بمرض يعجزه عن القيام بأداء وظيفته، ولا يرجى برؤه فيعزل فورًا.

الأمر الرابع: لو أنكر كونه قاضيًا، فإنه ينعزل، لو قال: أنا لست قاضيًا للقاهرة مثلًا أو للرياض، إذا قال هذا وتعمده، ولا غرض له في الإخفاء، ومحل ذلك في غير قاضي الضرورة، أما قاضي الضرورة وهو أن يكون فاسقًا، ويوليه سلطان ذو شوكة، فإنه إذا قال: أنا لست قاضيًا لا ينعزل.

ويرى الحنفية أن لولي الأمر عزل القاضي في كل حال، ولو كان أهلًا للولاية بسبب وبغير سبب؛ لأنه وكيل عن الإمام، ولكن هذا غير صحيح، والصحيح أنه لا يجوز عزل القاضي إلا لمقتضى قوي  وأن القاضي في الواقع هو ليس وكيلًا عن الإمام إنما هو وكيل عن الأمة؛ ولذلك فإنه إذا كان الإمام نفسه أو السلطان انتقل إلى رحمة الله، ومات- فإن القاضي لا ينعزل.

ولكن هل للقاضي أن يعزل نوابه؟

نعم للقاضي إذا كان قاضي القضاة، وعنده تفويض في تعيين القضاة، وفي عزلهم يجوز له أن يعزل نائبه؛ لأنه موكل ومفوض في هذا.

error: النص محمي !!