Top
Image Alt

عزو الآيات وتخريج الأحاديث

  /  عزو الآيات وتخريج الأحاديث

عزو الآيات وتخريج الأحاديث

المرحلة الثالثة، وهي التي تكون العناية فيها بجهد جديد ليس موجودًا في النص نفسه، ولكنه جهد يضاف إلى النص، وهذه المرحلة هي التي أسميناها من قبْل: التعليقات العلْمية، والإضافات العلْمية.

بعد النسخ والمقابلة، وصلنا إلى صورة جيّدة للنص نفسه، لكن لا يترك النص هكذا مجرّدًا، وإنما اجتهد بعض المحقِّقين بإضافة جزء جديد يعبّر عن ثقافة المحقِّق ويعبّر عن عصر المحقِّق؛ لأن النص يعبّر عن عصر معيّن قد يكون كتب في القرن السادس، أو في القرن السابع أو القرن الثامن، وربما كانت بعض المعلومات الموجودة فيه مشهورة أو ذائعة لدى علماء ذلك العصر، أو لدى مثقفي ذلك العصر، ولكنها أصبحت الآن غامضة أو مبهمة، أو غير مستعملة أو وقع فيها تطوّر، أو وقع فيها اختلاف أو وقع فيها تصويب لبعض الحقائق العلمية التي لم تكن معروفة في ذلك الزمن البعيد، فلذلك أضاف المحقِّقون المحدَثون جهدًا آخر إلى إقامة النص وتقويمه؛ فلا يُكتفى بذكر الفروق بين النُّسخ، كما قد يلجأ إلى ذلك بعض المحقِّقين من المستشرقين الذين يكتفي معظمهم بذكْر الفروق بين النُّسخ في أسفل الصفحات، ثم ينتهي عمله عند هذا الحد، مع كتابة مقدّمة علمية لهذا النص المحقّق، ولكن علماءنا من الإسلاميين ومن العرب لا يكتفون بهذا الجهد وحده، وإن كان جهدًا مهمًّا، ولكنهم يعنون أنفسهم بجهد آخر مُعتبرين أنّ إظهار النص وتدقيقه وإخراجه من بطون المكتبات والخزائن لا يُعدّ عملًا كافيًا وإن كان يقدّم للباحثين نصًّا جديدًا يُسهم في استكمال نقص أو تصويب خطأ أو سدّ ثغرة في معارفنا العلمية، أو تأكيد اتجاه معيّن أو في دعم فكرة، أو نحو ذلك من الأهداف والمقاصد العلمية.

ولذلك يرى كثير من المحقِّقين العرب والإسلاميِّين أنّ مجرد نشر النص يعدّ عملًا علميًّا كاملًا، ومن هنا لجئوا إلى تزويد النص الذي يُحقّق بكلّ ما من شأنه أن يزيده وضوحًا. ويظهر ذلك في أنواع شتّى من الإضافات العلمية التي يزداد بها شأن الكتاب وتتضاعف فوائده.

فهذا يكشف عن ثقافة المحقِّق التي ينبغي أن تكون حاضرة أيضًا في نشره لهذا النص، بما يكشف عن عنايته ومعارفه، ودأبه وقيامه بخدمة هذا النص وتنويره، وإضفاء أقصى درجة من الوضوح عليه.

ولكن قبل أن نتحدّث عن هذه الإضافات والتعليقات العلمية، أشير إلى مسألة مهمّة يقع الخلط فيها عند الناشئين من المحقِّقين.

وهذا الخلط هو: أن يتصوّر المحقِّق أنه يقوم بشرح الكتاب. التحقيق شيء، وشرح الكتاب شيء آخر، ولذلك هو يقدّم إضافته العلمية التي يحتاج إليها النص. أمّا أن يحوّل هذا النص إلى فرصة يفيض فيها ويتوسّع، ويستقصي ويستطرد، ويكتب ويطيل الكتابة، هذا لا يعدّ عملًا جيدًا أو طيبًا في التحقيق العلمي؛ لأنه يصرف القارئ عن الكتاب نفسه إلى تلك التعليقات التي لا يحتاج إليها النص. لو كان النص يحتاج إليها فلا بأس، وهي تعدّ عملًا علميًّا جيدًا.

وإذا كان هذا المحقِّق يريد أن يكتب كلّ هذه المعلومات العلمية بمناسبة هذا النص، فإنه يمكن أن يكتب ذلك في مقدّمة علمية لهذا الكتاب الذي يحقّقه، لكن لا يثقل على النص نفسه بالتعليقات، أو أن يتصور أنه يقوم بشرح الكتاب. إذا كان يريد شرح الكتاب فيلزم ما يقوم به الشراح.

الإضافات العلمية التي ينبغي أن يهتم بها المحقِّق في العصر الحديث:

(1) أن يقوم بعزْو الآيات القرآنية. القرآن له القداسة وله الأوْلويّة العظمى، وكما قلت في مرة سابقة: إنه لا يصحّ الاعتماد على الذاكرة، بل يجب العودة إلى المصحف الكريم؛ لتشابه الآيات في بعض الأحيان. وقد يقع الاختلاف بين بعض الآيات في حرف واحد، وقد يتكرّر جزء من آية في أكثر من موضع من القرآن الكريم.

مثلًا، قول الله عز وجل: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}  [التوبة: 33]، فلنفرض أن هذا الجزء من الآية قد جاء في نصّ الكتاب المحقّق الذي نحقّقه، فينبغي أن يعرف المحقّق أن هذا الجزء من الآية قد جاء في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم؛ جاء في سورة “التوبة”، وفي سورة “الصف”، وفي سورة “الفتح”.

فالمحقّق المدقق ممكن أن يشير إلى هذا في الهامش، ويقول: جزء من الآية كذا، أو الآية كذا، أو الآية كذا، فيعطي فكرة للقراء عن الجهد الذي قام به -المحقِّق- في عزو هذه الآية القرآنية، وأمثالها: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير }  [التوبة: 73] جاءت في موضعيْن من القرآن الكريم: في سورة “التوبة” وفي سورة “التحريم”، فيذكر هذا لكي يبيّن لقارئه أنه قد أجهد نفسه في معرفة ذلك، وربما لا يكون ذلك حاضرًا في ذهن المحقِّق عن طريق الحفظ القلبي، لكن يمكن الاستعانة بالكتب المخصّصة في هذا الشأن، وفي مقدّمتها (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم)، وكذلك الأقراص المدمجة الموجودة الآن وعليها القرآن الكريم.

وينبغي بالنسبة للقرآن الكريم بصفة خاصة، أن لا يتسرّع المحقِّق في الحُكم على الناسخ بأنه أخطأ في كتابة الآية القرآنية، ولكن عليه أن يستقصي القراءات الواردة، فربما كان الناسخ في منطقة تقرأ بقراءة غير القراءة التي يقرأ بها المحقّق، وقد علمنا جميعًا أن المغرب العربي الإسلامي يقرأ بقراءة ورش ونحن في المشرق نقرأ بقراءة حفص، فيقع الاختلاف في بعض الأحيان في بعض كلمات الآيات القرآنية، فيجب التنبه لذلك.

فيما يتعلّق بالآيات القرآنية، قد نجد أن الكاتب الأصلي اكتفى بجزء من الآية؛ لأنه موضع الشاهد عنده، وفي هذه الحالة ينبغي أن نقف عند الحد الذي كتبه؛ لأنه ربما كان له مقصد من وراء هذا، ليس فقط مقصد الاختصار ولكن مقصد الاقتصار على موضع الشاهد فقط؛ فعندئذٍ يمكن الوقوف عند هذا الحد الذي كتبه الكاتب الأصلي، ولا يجب على المحقّق الحديث أن يكمل الآية. ويمكن له أن يكملها في الهامش إذا أراد، لكن لا يدخلها في النص؛ لأننا نريد أن نخرج النص كما تركه عليه صاحبه.

وإذا أراد أن يكمل فيمكن أن يضع الجزء المضاف من الآية بين معقوفات، علامة يتخذها يبيّن أن هذا الجزء لم يكن موجودًا في النسخة الأصلية في الكتاب.

(2) بالنسبة للعمل الثاني الذي يتلو العمل الأول في الأهمية، هو: ما يتعلّق بعزو الأحاديث النبوية الشريفة أو تخريجها، وقد فرّقت هنا بين العزو وبين التخريج؛ لكي أشير إلى أن العزو هو أن ينسبها المحقِّق إلى مصدرها الذي جاءت فيه دون حُكم عليها، اكتفاء باختيار صاحب الكتاب الأصلي من كتب الأحاديث المعتمدة.

فإذا اكتفينا بأن نقول: رواه البخاري مثلًا. فإن ذلك يكون عزوًا لأنني أدَع الحُكم على الحديث. قد لا أكون من أهل العلْم بالحكم على الحديث، وهذه مسألة دقيقة وصعبة، وتحتاج إلى دراسات خاصة، لكن يكتفي كثير من المحقِّقين بأن ينسبوا الحديث إلى موضعه من كتب السّنّة، فيقول: رواه البخاري، أو رواه مسلم، أو رواه السِّتّة.

ولكن هنا مسألة مهمّة يخطئ فيها بعض المنتسبين إلى علْم التحقيق، يقول: “رواه البخاري”، ثم يدَعُني هكذا، أو “رواه مسلم”، ثم يدعني هكذا دون أن يحدّد لي اسم الكتاب، واسم الباب الذي وقع فيه الحديث؛ ولكن العمل التحقيقي الجيّد ينبغي أن يذكر فيه: رواه البخاري في كتاب كذا وفي باب كذا، وإذا أضاف إلى ذلك الرقم الذي يوضع الآن بحسب آلات الطباعة الحديثة، فيكتب الرقم أيضًا، ويختار الرقم العامّ للكتاب، أو الرقم في كتابه الخاص الذي ينقل منه.

ولا يلزم من كل إنسان أن يختار الكتب المرقّمة ذات الطباعة الحديثة، قد يكون عنده طبعة مثلًا من طبعات البخاري القديمة الذي ليس عليها ترقيم، فالمفروض أن أذكر له الكتاب والباب.

فإذا كان الكتاب ليس مبنيًّا على طريقة الكتاب والباب، وإنما هو مبني على طريقة الأجزاء كبعض المسانيد -على سبيل المثال: مسند الإمام أحمد في طبعاته مبنيّ على الترقيم، ويبدأ بمسند أبي بكر الصديق، ثم مسند عمر، ثم مسند عثمان، ثم مسند علي، ثم ينتقل إلى الصحابة الآخرين  ولكنه لا يصنّف ذلك على الأبواب، وإنما على الصحابة، وهذا يسمى طريقة المسانيد، فعندئذ أكتب الجزء والصفحة. وإذا كتبت مسند الصحابي، فإن هذا يكون عملًا جيدًا.

إذا كان الحديث كاملًا في النص الأصلي، فإن المحقِّق يأتي بما يدلّ على ذلك، وإن لم يكن فيمكن له ذكر الحديث كاملًا إذا حدّد المؤلف الكتاب الذي أخرجه منه.

بعض الصعوبات في تخريج الأحاديث:

الأولى: أنّ الكاتب الأصلي للنص قد يكون روى الحديث بمعناه، وعندئذ تكون هناك صعوبة حقيقية في التّوصّل إلى موضع الحديث من الكتاب، وهذا يحتاج إلى دراسة وإلى بحث طويل حتى نتوصّل إلى أقرب صيغة لهذا المتْن الذي ذكر الكاتب الأصلي الحديث بمعناه. ويمكن لي في الهامش أن أذكر النص الذي توصّلت إليه في كتب الحديث. قد أجده في الترمذي، أو في صحيح مسلم أو نحو ذلك.

الثانية: بعض الذين يكتبون الأحاديث قد يشتبه عليهم بعض الأحاديث، فيكتبون في كتبهم، وخصوصًا إذا لم تكن كتبًا متخصِّصة؛ قد يكون كتابًا في الأدب، أو في النحو، أو نحو ذلك، فإن الكاتب قد يذكر بعض الأحاديث الموضوعة. وعليّ أن أبدأ أولًا باستقصاء كتب الأحاديث الصحيحة من كتب الصحاح، والسّنن، والمسانيد، والمعاجم الحديثيّة، كمعجم الطبراني أو نحوه. وعندما أقوم باستيفائها ولا أجد الحديث، فإنني ينبغي أن أبدأ رحلة أخرى في البحث عن الحديث في كتب الأحاديث الموضوعة -وتوجد قوائم من الكتب تخصّصت في ذكر الأحاديث الموضوعة-فيبحث الإنسان إلى أن يعثر على تلك الصيغة الموجودة ليتبيّن منها إن كانت صحيحة، أم كانت خاطئة، أو كانت موضوعة، فيكتب ذلك.

ربما لا يجد الحديث أصلًا، لا في الصحيح ولا في الموضوع، وعندئذ عليه أن يكتب في الهامش ما يدل على أنه قام بالجهد في هذا العزو، فيقول: بحثت عن هذا الحديث طويلًا فلم أجده في كتب الصحاح ولا في كتب الموضوعات. وعليه أن لا يكتب هذه المسألة إلَّا بعد التحري الدقيق؛ لأن الكتاب قد يقع بعد تحقيقه في يد عالِم متخصّص فيقول: هذا ادّعاء لا حقيقة له؛ لأنه لو رجع إلى الكتاب الفلاني لوجد الحديث موجودًا فيه، من كتب الأحاديث الصحيحة أو من كتب الأحاديث الموضوعة.

كم كتابًا يكفي في تخريج الأحاديث، هل يقوم باستقصاء الحديث في كل مكان وجد الحديث فيه، أو يكتفي ببعض الكتب دون بعض؟

هنا نجد أن المحقّقين مختلفون:

فبعضهم يقول: إذا وجدناه في الصحيحيْن أو في أحدهما، فإنه يمكن الاكتفاء بواحد منهما أو بأحدهما، لكن مع الإشارة إلى أنه إذا كان الحديث متفقًا عليه يكتب هذا، ويخرج من البخاري كتاب كذا وباب كذا، ومن مسلم كتاب كذا وباب كذا. وإذا كان المؤلّف الأصلي قد اختار لفظ: أحدهما، فإنه يقول: متّفق عليه، واللفظ لمسلم، وهكذا؛ حتى يبيّن للقارئ أين يوجد اللفظ في كتب الأحاديث.

البعض له طريقة أخرى: طريقة التوسع والاستزادة، وقد يخرج الحديث من الكتب الصّحاح الستة كلّها، وقد يذهب إلى “مسند أحمد”، وإلى “معجم الطبراني”، وإلى “مجمع الزوائد”، وإلى “مسند الفردوس”، وإلى وإلى … من تلك الكتب الكثيرة التي ظهرت في خدمة الحديث النبوي الشريف.

ويمكن القول بأن الأفضل هو: التّوسط، أي: عدم الاستقصاء؛ لأن القارئ إذا وجد الحديث في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم، فهذا يكفي للحُكم على الحديث بأنه حديث ثابت عن الرسول صلى الله عليه  وسلم.

فإن أضاف إلى ذلك السّنن فهذا يكون جهدًا زائدًا. لكن التوسع قد يكون فيه مجهود كبير قد لا يفيد به أو منه كلّ القراء الذين يقرءون هذا الأمر؛ ويخشى أن يكون ذلك من التكاثر بالعلْم دون فائدة أو ضرورة. ولعله لا يلجأ إلى مثل هذه المسألة إلَّا إذا وُجد اختلاف في نصوص الأحاديث بحسب الروايات التي تذكرها أو ترويها هذه الكتب.

لكن هناك درجة أعلى لا يستطيع أن يقوم بها إلَّا أهل العلْم وأهل الدراية وأهل الثقة وأهل التمكن من حديث النبي صلى الله عليه  وسلم.

وهذا الجهد الثاني، يسمّى التخريج:

بمعنى: أن يقوم الباحث العالِم بالحديث النبوي وبطُرق التخريج، بتتبّع الأسانيد والحُكم على الرجال، وإعطاء درجة للحديث إذا لم يكن موجودًا في البخاري ومسلم؛ لأن هذيْن الكتابيْن قد أجمعت الأمّة على مكانتهما وعلى ما فيهما من دقّة في الشروط المعتبرة عندهما، خصوصًا (صحيح البخاري) ثم يليه ويتلوه (صحيح مسلم). لكن إذا جاء الحديث من “النسائي”، أو جاء من (مسند الإمام أحمد)، أو جاء من (معجم الطبراني)، أو (مسند البيهقي)، أو نحو ذلك. فيمكن له أن يقوم بعملية جديدة تتعلّق بالحُكم على الحديث؛ لأن بعض المعنيِّين بالحديث قد يتساهلون، وقد يقبلون من الأحاديث ما هو ضعيف دون أن ينبّهوا على ذلك، وقد يحكمون عليه بأحكام تتعلق بدرجة معيّنة من درجات الحديث أن يكون صحيحًا مثلًا، أو أن يكون حسنًا، أو أن يكون ضعيفًا، أو نحو ذلك. هذه درجات تعطى للحديث على حسب ما يتوفّر لسنده ومتنه على حد سواء.

فيأتي العالِم بالحديث ليتتبّع الأسانيد ويتتبّع الروايات، ويستطيع أن يخرج بعد هذا التّتبّع والاستقصاء لموارد الحديث النبوي في كتب الحديث، أن يحكم حُكمًا لم يكن موجودًا عند السابقين، أو أن يخالف في حُكمه ما سبق إليه السابقون. قد يقولون: عن الحديث إنه ضعيف، فيجد بعد البحث والتحري أنه حديث حسن. وقد يحكمون على الحديث القديم بأنه حسَن، ويجد بعد البحث والتحري أنه حديث صحيح. وقد يكون الحديث حسَنًا، فيجد أنه ليس حسنًا لذاته، ولكنه ضعيف تحوّل من حسَن لغيره بتعاضد الأسانيد، وكثرة الطُّرق إلى أن يرتقي من درجة الحديث الحسن بغيره إلى أن يكون حسن بذاته، وهكذا.

وقد يتبيّن له أن الحديث موضوع بسبب من الأسباب المتعلّقة بالمتن أو المتعلّقة بالسّند، وهذا أمر لا يجيده إلَّا المجوّدون من العارفين بالحديث النبوي؛ ولذلك لا يرقى إلى هذه الدرجة إلَّا أمثال هؤلاء.

لكن يمكن الاكتفاء بالعزو إلى مواضع ورود الحديث في كتب الحديث دون أن يكون في ذلك إخلال بالدرجة العلمية التي يسعى المحقق إلى اكتسابها عن طريق تخريجه لهذه الأحاديث النبوية.

قد نجد في بعض الأحيان أن بعض الكتّاب القدامى قد يحكم على بعض الحديث حُكمًا، ثم يأتي مَن بعدَهم بحُكم آخر للحديث.

وعلى سبيل المثال: ابن الجوزي، وهو من علماء الحديث والتفسير والتاريخ واللغة والأدب والمواعظ ونحو ذلك. وهو له جهد في علْم الحديث، تتبّع فيه الأحاديث الضعيفة الواهية وتتبّع فيه الأحاديث الموضوعة، وله كتاب مكوّن من ثلاثة أجزاء يتحدّث عن الأحاديث الموضوعة، وسماه: (الموضوعات)، فجاء السيوطي في كتابه: (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) وتتبّع الكتاب الذي وضعه ابن الجوزي تحت عنوان: (الموضوعات)، واستخرج من الكتاب الذي تضمّن نحو ثلاثة آلاف حديث ومائة حديث وشيء زائد عن ذلك، استخرج من هذا الكتاب نحو ثلاثمائة حديث ليست من الأحاديث الموضوعة، بل وجد أن حديثًا من هذه الأحاديث التي حكم عليها ابن الجوزي بأنها أحاديث موضوعة في (صحيح مسلم)، ووجد الأحاديث الباقية -وهي نحو ثلاثمائة حديث- تصحّ بأسانيد أخرى غير الأسانيد التي ذكرها ابن الجوزي في كتابه، وهذا مجهود كبير قام به السيوطي في هذا الأمر.

هذا يسمى نوع من التخريج وليس هذا نوعًا من العزو الذي قام به السيوطي. وعندما يُذكر في كتاب: (الفوائد المجموعة) للشوكاني، أو نحو ذلك من كتب الأحاديث التي عنيت بهذا الأمر فهذا ليس عزوًا ولكنه تخريج.

فإذا تمكّن الكاتب المعاصر الآن من أن يقوم بمثل هذا الأمر بسبب درايته بعلْم الحديث، فإن هذا يكون جهدًا إضافيًّا موضع تقدير من الذين يقرءون ويقدّرون الجهد الذي قام به هذا المحقِّق في عزوه أو في تخريجه لهذه الأحاديث النبوية الشريفة.

والعلْم في مجال الحديث كان شديد الصعوبة ويحتاج إلى درجة عليا من التخصص في القديم، ولكن الآن الأقراص المدمجة عليها مئات من كتب الحديث وفيها كلام عن الرجال وفيها الحُكم، وفيها المعلومات عن السّند، وفيها كلّ البيانات التي يحتاج إليها الآن الناس، لكن المسألة الآن تحتاج إلى دراية وعدم الاكتفاء بهذا، بل ينصح في مثل هذه الحالة بالرجوع، أي: يحدّد لي على الاسطوانة الموضع، لكن عليّ أن أتأكد من هذا الأمر؛ لأن الذين كتبوا هذه الاسطوانات ربما لم يكن بعضهم متخصصًا في الحديث، فيذكر الحديث لورود كلمة فيه، ولكن إذا حدّد لي الموضع، يقول: صحيح البخاري، كتاب كذا، باب كذا. فأرجع وأتأكد بنفسي من أنّ المتن الذي عندي في الكتاب هو هذا المتن الذي أشير عليه على الاسطوانة. فهذا يحتاج أيضًا إلى مجهود.

وكل هذا يكون مطلوبًا من الحفاظ على حديث النبي صلى الله عليه  وسلمومن أجل رعايته، ولنعلم أن هذا عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل وخدمة للحديث الشريف مأجورة عند الله بخير الأجر وعظيم الثواب عند الله سبحانه وتعالى.

نسأل سؤالًا -ربما يجيب عليه المتخصِّصون في علْم الحديث: كيف أستطيع أن أصل إلى موضع الحديث إذا وجدته في الكتاب الذي أحقّقه؟ كيف أتوجّه؟ ما هي الأساليب؟ ما هي الطُّرق؟ ما هي الوسائل؟

نجيب عن هذا التساؤل: إنه بفضل الله عز وجل أن كُتُب الأحاديث عندنا كُتبت على كلّ الطُّرق التي تساعد الناس على الوصول إلى مواضع الحديث الشريف: هذا من خدمة المسلمين لحديث النبي صلى الله عليه  وسلموهذا أمر لا نجد له نظيرًا في أي حضارة أخرى، ولا في أي ثقافة أخرى. هذه العناية البالغة وهذا التفنن في خدمة الحديث في أن يُكتب بطُرق متعدّدة وكلّها تتعاون وتتكامل في الاستفادة من حديث النبيصلى الله عليه  وسلموتيسير الوصول إلى هذا الحديث الشريف.

كيف نتوصل إلى مكان الحديث في الكتاب؟:

الطريقة الأولى:

أن نصل إلى الحديث عن طريق الحرف الأوّل من الكلمة الأولى للحديث. الحديث الذي عندي يبدأ بحرف الهمزة، عندنا كتب في الحديث كُتبت على حروف المعجم بدأت بالألف، ثم الباء، ثم التاء … إلخ. جُمعت الأحاديث ثم صنفت بحسب الحرف الأوّل منها، مع اعتبار الألف واللام أو مع عدم اعتبار الألف واللام؛ وصاحب الكتاب يَذكر هذا في الأول.

فمثلًا: عند حديث الرسول صلى الله عليه  وسلم، يقول فيه: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، أو الحديث الذي يقول: ((خيْركم خيْركم لأهله، وأنا خيْركم لأهلي))، أو الحديث الذي يقول: ((اتّق الله حيثما كنت، وأتبِع السيئةَ الحسنة تَمْحها، وخالِق الناس بخُلُق حسَن)). أبحث في أوّل حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) الهمزة، وأفتح الكتب التي صُنّفت على هذا الأساس، فأجد الحديث موجودًا فيها.

على سبيل المثال: (الجامع الكبير) للسيوطي، و(الجامع الصغير) للسيوطي، وبعض الكتب الأخرى: (كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق) لعبد الرءوف المناوي، (فيض القدير) الذي يشرح (الجامع الصغير) للسيوطي، هي مصنفة على الحرف الأول، فأذهب إلى هذه الكتب وأجد الحديث فيها في أحيان كثيرة. (الجامع الكبير) فيه، ويمكن أن يعدّ من الكتب التي جمعت أحاديث كثيرة جدًّا من أحاديث النبي صلى الله عليه  وسلملكن الجامع الصغير أقل.

مثلًا: كتاب (الجامع الصغير) هو نفسه ليس كتابًا في التخريج، ولكنه يشير، يقول: هذا الحديث موجود عند مسلم، أو موجود عند الفردوسي، أو موجود عند النسائي. ويعطي حُكمًا على الحديث بالرمز، يقول -مثلًا: (ص) أي: صحيح، (ض) ضعيف، (ح) حسن.

فيعطيك المرجع الأصلي الذي تستطيع أن تجده في هذا الحديث؛ فهذا بمثابة دليل أو كشاف، والاكتفاء به ليس بالدرجة العليا من التحقيق، لكن يكون طريقًا إلى الوصول إلى الكتب الأصلية التي اعتمد عليها السيوطي نفسه، أو اعتمد عليها المناوي أو غيرهما من الذين اعتمدوا هذه الطريقة في تجميع وتصنيف حديث النبي صلى الله عليه  وسلم.

فأكتفي بـ(الجامع الصغير) هذا يكون في درجة أقلّ، وربما في بعض الأحيان لا يرتضيها كبار المحقِّقين، ويقول له -يحدث هذا أحيانًا عند المناقشة: ماذا كتب السيوطي؟ يقول: أخرجه مسلم، وأخرجه البخاري، وأحمد، والنسائي، والترمذي.

يقول: إذًا فقد دلّك على موضع الحديث، فكان ينبغي أن تعود إليه في هذه الكتب الأصلية. فهذا عمل من الدرجة الثانية في الحقيقة، لكن الدرجة الأعلى أنني أرجع إلى المواضع التي حدّدها رجل كالسيوطي في مثل هذا الأمر، ويكون عندئذ العمل في الدرجة العالية الملائمة للحديث وللعلْم في وقت واحد. هذه طريقة.

الطريقة الثانية:

أصِل إلى الحديث عن طريق الراوي من الصحابة رضي اله عنهم. فأتتبّع الإسناد حتى أتوصّل إلى الراوي. فيقول لي مثلًا: عمر بن الخطاب رضي الله  عنه أو يقول لي: عائشة < أو أي واحد من هؤلاء الصحابة.

فيه بفضل الله عز وجل كتب من كتب الأحاديث صنّفت على هذه الطريقة، وهي طريقة المسانيد، مثل: (مسند الإمام أحمد)، (مصنَّف عبد الرزاق)، (معجم الطبراني)، ولكن مع ملاحظة أنه لا يتّبع أصحاب المسانيد جميعًا هذه الطريقة؛ لأن بعض أصحاب المسانيد قد كتبوا مسانيدهم دون أن يلتزموا بترتيب أسماء الصحابة رضي الله  عنهم كـ(مسند الإمام الشافعي) و(مسند الإمام أبي حنيفة) رضي الله  عنه وربما أمكن الوصول إلى الحديث في بعض هذه الكتب وبهذه الطريقة، ولكن فيها مشقّة أيضًا؛ لأن مسانيد بعض الصحابة كبيرة جدًّا وتحتاج إلى مجهود في التّتبّع والاستقصاء، ربما مئات صفحات في بعض الأحيان.

مثلًا: أحاديث أبي هريرة، عندما نرجع إليها في (مسند الإمام أحمد)، أو في (معجم الطبراني)، سنجد أنها كثيرة جدًّا، مثلًا: “مسند عبد الله ابن مسعود”، في (مسند الإمام أحمد)، أو مسند عبد الله بن عباس، أو مسند عبد الله بن عمر، أو مسند عبد الله بن عمرو؛ هذه مسانيد فيها مئات الأحاديث، وتحتاج إلى مجهود، ولكن لا بأس أن نستشير، لعلّه لا يكون لدى الإنسان إلَّا هذا الكتاب وحده، مثلًا: “مسند الإمام أحمد”، فأنا لا أجد طريقة أخرى إلَّا هذه الطريقة، وعندئذ أبحث فيه حتى أتوصّل إلى المراد، وقد أصل إلى ذلك في الكتاب الذي أبحث فيه.

الطريقة الثالثة:

إذا كان لدينا أحاديث لم نستطع أن نتوصّل إليها عن طريق الراوي أو عن طريق أوّله، وهما الحالتان اللّتان سبق الحديث عنهما، ليس لأن الحديث ليس موجودًا فيهما، ولكن هذه الكتب ليست تحت يدي مثلًا؛ قد أكون في مكان ليس فيه إلَّا كتاب معيّن وليس فيه هذه الكتب التي تُعينني على الوصول إلى الحديث عن طريق المعجم أو عن طريق المسند … إلخ.

ولكن كلّ إنسان يتصرّف بحسب الكتب الموجودة عنده، وقد يكون في بلدة نائية أو في قرية أو في مكان بعيد، أو في بلد أجنبي، وليست الكتب تحت يديه. فإذا كنّا نتحدث عن هذه، فنحن نفتح الوسائل والإمكانات لكي يتصرّف كلّ إنسان على حسب ما يتيسّر له من المصادر، وقد يجد بفضل الله من أوّل محاولة عن طريق الحرف الأول، وقد يجد الكتاب الذي عنده فيه هذا الكلام، أو عنده كتاب مثل كتاب الإمام أحمد ويستطيع أن يجد الحديث فيه.

لكن إذا لم يستطع أن يصل إليهما، أو كانت كتب هاتيْن الطريقتيْن ليست موجودة عنده، فإنه يمكن أن يبحث عن طريق تحديد الموضوع العام الذي يتحدّث عنه الحديث. قد يكون الحديث عن الصلاة؛ فيبحث في كتب الأحاديث في باب الصلاة، قد يكون عن الصوم، قد يكون عن الحج، قد يكون عن البيع، قد يكون عن التجارة، قد يكون عن الوكالة، قد يكون عن الزواج، قد يكون عن الطلاق، قد يكون عن الميراث … إلخ.

فيأتي بكتب الأحاديث المتوفّرة لديه ويبحث في هذه الموضوعات؛ فقد يتوصّل إلى الحديث ضمن هذه الكتب؛ وهذه وسيلة من الوسائل، وربما كانت الكتب طويلة أو كثيرة، فيمكن له الاستعانة بالفهارس التي توجد في أواخر هذه الكتب، وعن طريقها يتنبّأ بوقوع الحديث في مكان معيّن فيذهب إليه. وقد ييسر الله له فيعثر على الحديث، فإن لم يتيسّر فإنه يلجأ إلى طريقة أخرى.

الطريقة الرابعة:

هذه الطريقة يمكن عن طريقها الوصول إلى الحديث عن طريق كلمة غريبة في الحديث، كلمة غير معتادة، كلمة ليست مستعملة كثيرًا من الغريب؛ لأنه وجدنا مِن علمائنا مَن تتبّع الأحاديث التي وُجدت بها أمثال هذه الكلمات، ثم جمَعها، ثم شرحها، ثم وضعها في كتابه. ويمكن إذا كان الحديث في كلمة من هذا النوع أن تكون في الكتب التي تُعنى بهذا الشأن.

وعلى سبيل المثال: كتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد القاسم بن سلام، وهو من أقدم الكتب التي عُنيت بهذا الشأن. وقد توفي – رحمه الله- في سنة (224هـ) في وقت متقدّم قبل الإمام أحمد، وقبل الإمام البخاري، وقبل الإمام مسلم. عُني بالحديث عن الغريب وشرح هذا الغريب. ومن فضل الله عز وجل أنّ هذا الكتاب حُقق أخيرًا في خمسة أجزاء كبار، وهو مطبوع في مصر من مطبوعات مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

كتاب: (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير، يجري على هذه الطريقة نفسها.

ربما لا يتيسر للباحث هذان الكتابان، عندئذٍ يمكن عن طريق تتبّع كلمات الغريب في معاجم اللغة العربية وقواميسها وخصوصًا المعاجم الكبرى، كـ(لسان العرب) على سبيل المثال؛ هو عُني عناية كثيرة وكبيرة بذكر كثير من الأحاديث في أثناء تعريفه بالمعاني اللغوية، فيذكر المعاني ويذْكر ورودها في القرآن الكريم بهذه المعاني، ويذكر ورودها في الأحاديث النبوية بهذه المعاني. فإذا وجد كلمة غريبة، يبحث في كتب الغريب إن كانت تحت يديه، وإلَّا يمكن أن يبحث عن هذا المعنى الغريب في (لسان العرب) على سبيل المثال. وهذه قد تعطيه مؤشرًا فقط أو تعطيه بابًا للوصول، ولكن في (لسان العرب) لا يحدّد الكتاب الذي يذكر فيه هذا الحديث، هو قرأه واستفاد منه وذكَره ولكنه لا يذكر إنه موجود عن مسلم أو البخاري أو عند النسائي أو عند ابن ماجة أو عند فلان، لكن على كل حال شيء خير من لا شيء، ويمكن أن يفتح له الباب إلى الكتب الكبرى حتى يصل إلى ما يريد.

مثلًا: عندنا حديث يذكر فيه أحد الصحابة رضي اله عنهم: “أنه جاء إلى الصلاة فعطس أحد المصلّين إلى جانبه، فقال له: “يرحمك الله”، وكان في الصلاة -والصحابةرضي الله  عنهم يعلمون أن هذا الأمر لا يُسمح به؛ لأنه لا كلام في الصلاة إلَّا بذكْر الله عز وجل وقراءة القرآن والتسبيح … إلخ- وعندما انتهت الصلاة، أرسل له الرسول صلى الله عليه  وسلمحتى يعلّمه ويؤدّبه. فيصف -أي الرجل- طريقة تأديب الرسول له فيقول: ((فما نهرني، وما كهرني)). نجد كلمة: “كهرني” في كتاب “الغريب” لأبي عبيدة، ثم يبيّن النص. ويمكن أن يعتمد على ذلك في كيفية تخريج الأحاديث.

مثلًا: حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلمعن حقوق الجار والتحذير من إيذاء الجار، يقول الرسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن)) قالوا: من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جارُه بوائقَه))، فيبحث عن كلمة: ((بوائقه)) في الغريب، وفي غالب الأمر سيجد مثل هذه الكلمة. وهكذا في الأحاديث يبحث عن اللفظ الغريب، وينطلق إلى كتب الغريب، فإن وجد بها فبها ونعمت، فإن لم يجد بحث عنها في “لسان العرب” فيكتسب طريقة من الطُّرق التي يمكن عن طريقها الوصول إلى ما يريد من تخريج الأحاديث النبوية.

الطريقة الخامسة:

هي الوصول إلى الحديث عن طريق (المعجم المفهرس) لألفاظ الحديث النبوي، وهو مبني على الكلمات. فيأخذ كلمة من الحديث ويرتّبها ترتيبًا معجميًّا من أول الكتاب إلى آخره، معتمدًا في ذلك على ما جاء في الكتب الستة: في الصحيحين والسنن الأربع، بالإضافة إلى (الموطأ) للإمام مالك رضي الله  عنه و(مسند الإمام أحمد)رضي الله  عنه و(سنن الدارمي).

وقد اختار من الحديث كلمة، ثم رتّب الأحاديث بحسب الترتيب المعجمي من أوّل الكلمات التي تبدأ بالهمزة إلى الكلمة التي تبدأ بالياء على مدى سبعة أجزاء كبار جمَع فيها الأحاديث وصنّفها، وفهرسها بناءً على هذا الترتيب المعجمي. وهو يقدِّم جهدًا طيبًا ومفيدًا ونافعًا. ولكن يلزم عند استعمال هذا الكتاب، شيئان:

الأول: أن لا يكتفى بالتخريج من هذا الكتاب، فلا يقول: رواه البخاري (13)، أو رواه النسائي (45)؛ هذا لا يصح في التحقيق. بعض الناس يفعل هذا -للأسف الشديد- ولكن هذا ليس بتخريج؛ إنما علينا أن نأخذ المعلومة التي يقدّمها لنا صاحب الكتاب لنرجع إلى الكتاب الأصلي، وهو يفيد في أن يذكر المواضع، فمثلًا، يقول: مسند للإمام أحمد (3 /120، 4/150، 6/130) إلخ. فأستطيع عن طريقه أن أتتبّع، لكن لا بد من الرجوع بنفسي إلى المواضع التي ذكَرها، وأن أتأكّد بنفسي من أن الحديث هو الحديث الذي أبحث عنه، وليس حديثًا آخر وقع الاشتباه فيه في كلمة من الكلمات، وهذا يحدث كثيرًا، والذين يراجعون الكتاب يعلمون هذا الأمر. فهذه مسألة ينبغي ملاحظتها.

الثاني: أن بما أنه عمَلٌ بشري؛ فقد يقع فيه بعض الأخطاء، وليس هنالك كتاب يخلو من الأخطاء، وهذا هو الذي يجعلنا نصمّم ونؤكّد على ضرورة الرجوع إلى الكتب الأصلية وعدم الاكتفاء بالإشارات الموجودة في (المعجم المفهرس للأحاديث النبوية).

الطريقة السادسة:

الطريقة المتّصلة بهذه الطريقة: هي الرجوع إلى الحديث عن طريق كتب الأطراف.

ما معنى الأطراف: هي أن الحديث النبوي جاء فيه مجموعة من الجُمل، مجموعة من العبارات، فهو لا يذكر في هذه الكتب في مكان واحد، ولكن يذكر في كل طرف من الأطراف التي بُني عليها الحديث. فقد يكون الحديث مكوّنًا من خمس جُمل، أو من عشْر جُمل، فأجده بحسب كلّ جملة فيه في موضع من المواضع. وهذه الكتب تسمى بالكتب الأطراف -أي: الأجزاء التي يتكوّن منها هذا الحديث- فأرجع إلى الأطراف.

إذا أتي بالجملة العاشرة من الحديث أو بالجملة الثامنة من الحديث، فعندئذ أذهب إلى كتب الأطراف، وهي مرتّبة بحسب المعجم أيضًا، فأجد المكان الذي وُجد فيه هذا الجزء في الكتب التي رجع إليها أصحاب كتب الأطراف. وعليّ أيضًا أن لا أكتفي بالتخريج من كتب الأطراف، بل أتّخذ منها كشّافًا أو مؤشِّرًا لأصل إلى موضع الحديث، وأتأكّد من أن الحديث الذي أبحث عنه هو ذلك الحديث الذي جاءت الإشارة إليه في كتب الأطراف.

الطريقة السابعة:

الوصول إلى الحديث عن طريق “الكمبيوتر” الآن، وهي طريقة سهلة وميسّرة، ولكن تحتاج إلى الرجوع إلى الكتب الأصلية، ولا أكتفي بالتخريج على “الكمبيوتر”؛ لأن الذين قاموا بتغذية “الكمبيوتر” ووضع البرامج ربما كان أحدهم غير متخصّص في الحديث، أو غير عميق الدراية باللغة العربية؛ فقد يوضع الحديث في غير موضعه، أو يقع خطأ بدل 2 تكون 3، بدل 6 تكون 9 … إلخ. فلا بدّ من التأكد من هذا الأمر، وهذه مسألة شديدة الأهمية.

error: النص محمي !!