Top
Image Alt

عقائد المعتزلة

  /  عقائد المعتزلة

عقائد المعتزلة

تكاد فرق المعتزلة وكبراؤهم يجمعون على أن للاعتزال أصولًا خمسة تدور حول عقائدهم وقضاياهم، وقد تسلسلت من خلال كل أصل منها عدة مسائل، فكان لا بد لهم -وقد أخذوا من عقولهم هاديًا- أن يسيروا وراء تلك المسائل، ويلتزموا بالنتائج التي تؤدي إليها، و على رأس هذه الأصول: نفي الصفات والذي سموه بالتوحيد، فمن خلال استدلالهم العقلي على وجود الله سبحانه التزموا بنفي الصفات، وأداهم ذلك إلى إثبات خلق القرآن، وإلى عدم رؤية المؤمنين لله سبحانه يوم القيامة، وإلى نفي استواء الله على عرشه من فوق سمواته كما أخبر في كتابه الكريم، فناقضوا بذلك محض العقيدة الإسلامية، التي ثبتت بنصوص الكتاب والسنة، ونقلها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم التابعون وتابعوهم من سلف هذه الأمة أهل القرون الثلاثة الفضلى.

ومن هذه الأصول: نفي القدر والذي سموه العدل، والذي نشأ من قياسهم الفاسد لعدل الله تعالى على عدل البشر. فأداهم ذلك إلى القول بأن أفعال العباد مخلوقة لهم، وليست من خلق الله بل ولا يقدر على خلقها عند بعضهم، إذ هو سبحانه لا يقدر على الظلم ولا يريده؛ لأنه لا يحبه ولا يرضاه، ومن ثم أوجبوا على الله تعالى أن يفعل الصالح للعباد، كذلك فالعباد وحدهم قادرون على إدراك الخير والشر والحسن والقبح بالعقل دون الشرع؛ إذ في الأشياء ذاتها قبح وحسن ذاتي، ومن ثم فهم محاسبون ومعاقبون على أفعالهم ورد الشرع بذلك أم لا. ثم خلطوا في مسائل أخرى كالتولد والاستطاعة، وكثيرا من تلك الأمور التي استلزمتها مقدماتهم العقلية التي ساروا وراءها حتى النهاية، فهلكوا وأهلكوا، وكذلك في سائر أصولهم الخمسة التي هي: المنزلة بين المنزلتين، والوعد، والوعيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

الأصل الأول: نفي الصفات:

أقول: التوحيد عند المعتزلة والذي يراد به نفي صفات الله تبارك وتعالى، فالقول بنفي الصفات قد بدأ قبل ظهور المعتزلة على يد الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان الذي اشتهر بنشره لهذا المذهب وإليه نسبت فرقة الجهمية، ثم إنه لما ظهرت المعتزلة أخذت من جملة ما أخذته من الجهمية القول بنفي الصفات، ودليل ذلك أن مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء كان ينفي الصفات، معتقدًا أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء وذلك شرك، ولذا كان يقول: “إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين”. ويرى الشهرستاني أن القول بنفي الصفات كما بدأه واصل كان غير ناضج، لأنه شرع فيه على قول ظاهر وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين.

أما المعتزلة الذين خلفوه فإنهم عاصروا حركة ترجمة الكتب اليونانية والكتب الفارسية إلى العربية، التي تشتمل على الفلسفة وبعض الأمور الدينية، وخصوصا كتب الفلاسفة، وكان الفلاسفة يرون أن الله تعالى واجب الوجود بذاته، وأنه واحد من كل وجه، فنفوا صفات الباري تعالى الزائدة على الذات وقالوا: إنه تعالى عالم بالذات لا بعلم زائد على ذاته، فهذا أفلوطين -وهو الذي تأثر به المسلمون أكثر من تأثرهم بغيره من فلاسفة اليونان- يتحدث عن تعالية الله تعالى، ويمنع أن نطلق عليه صفة من الصفات؛ لأننا بذلك نشبهه تعالى بالأفراد، فلا نقول: إن لله تعالى علمًا لأنه هو العلم، وليس يحتاج تعالى إلى بصر لأنه ذاته النور الذي يبصر به الناس.

وقد تأثر المعتزلة بهؤلاء الفلاسفة فاقتبسوا منهم قولهم في الصفات، وبهذا قال الغزالي والشهرستاني: “إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات”.

وأما رأي أهل السنة والجماعة في الصفات فهو مذهب السلف رضي الله عنهم إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية وكذلك إثبات الصفات.

وعلى هذا مضى السلف كما قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يروي مذهب السلف في الصفات: “فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه”.

ثم قال: “وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات، من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات، من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } [فُصِّلَت: 40].  طريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى: 11] ففي قوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله تعالى: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } رد للإلحاد والتعطيل”. هذا موجز رأي أهل السنة والجماعة في الصفات والله أعلم.

الأصل الثاني: العدل:

وعلاقة هذا الأصل بسابقه هو أن البحث في العدل عند المعتزلة بحث في أفعال الله سبحانه وتعالى، وأفعاله تأتي بعد إثباته وإثبات صفاته، وعلى ذلك فمجيء العدل بعد التوحيد لأنه ينبني عليه.

يقول القاضي عبد الجبار: “وأما الأصل الثاني من الأصول الخمسة وهو الكلام في العدل، وهو كلام يرجع إلى أفعال القديم تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز”، فلذلك أوجبنا تأخير الكلام في العدل عن الكلام في التوحيد.

أما العدل في اصطلاح المتكلمين: فالمراد به أن أفعاله كلها حسنة وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، وعلى ذلك فإنهم يعتبرون أفعال الله كلها حسنة، ولذا ينزهونه تعالى عن فعل القبيح، حتى إنهم نفوا أن يكون خالقًا لأفعال العباد لما فيها من القبيح، كما ينزهونه تعالى عن الإخلال بما هو واجب عليه، وبناء على هذا فالله سبحانه وتعالى لا يفعل القبيح بوجه من الوجوه، وكما أنه لا يفعله فكذلك لا يريده.

ومن أدلتهم التي أوردها القاضي عبد الجبار أن الله لا يريد القبيح، كقوله تعالى: { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [البقرة: 205] وقوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزُّمَر: 7] ثم يقول: “هذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يريد الفساد ولا يحبه، سواء كان من جهته أو من جهة غيره، كما قال تعالى: { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ } [غافر: 31] فقوله: { ظُلْمًا } نكرة والنكرة في النفي تعم، فظاهر الآية يقتضي أنه تعالى لا يريد شيئا مما وقع عليه اسم الظلم”.

ومن أدلتهم العقلية يقول القاضي: “إن إرادة القبيح قبيحة”، ويعلل ذلك بقوله: “إن إرادة القبيح إنما تقبح لكونها إرادة للقبيح، بدليل أنها متى عرف كونها على هذه الصفة عرف قبحها”. وقد ترتب على مبالغة المعتزلة في نفي القبيح عن الله أن نفوا أن يكون خالقًا لأفعال العباد، فهذا هو رأي المعتزلة في أفعال الله.

وفي الرد على هؤلاء القوم نقول كما قال ابن القيم -رحمه الله-: “وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله، ولهذا نزه سبحانه نفسه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شرًّا، فعلم أن الشر ليس إليه وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك، فإن منها القدوس والقدوس هو المنزه عن كل شر ونقص وعيب، كما قاله أهل التفسير وهو قول أهل اللغة”. ومما يدل على أنه تعالى لا يفعل القبيح أنه نزه نفسه عن الظلم. قال تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } [طه: 112] والظلم هنا أن يحمل عليه من سيئات غيره، والهضم أن ينقص من حسناته. قال تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29] ففي هذه الآية نفي الظلم عن نفسه مما يدل على أنه لا يفعل القبيح، بل أفعاله كلها حسنة.

وأما قول المعتزلة: “إن العباد هم الخالقون لأفعالهم لأن منها القبيح، فلو كان الله خالقًا لها لكان فاعلًا للقبيح”. فهذا باطل؛ لأن الله تعالى خالق كل شيء، كما قال: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [الرعد: 16] وكما قال تعالى: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96].

وأما قولهم: وأنه تعالى لا يخل بما هو واجب عليه. فنقول: ما مقصودكم بهذا الواجب على الله، هل هو إيجاب من العباد على الله أم إيجاب من الله على نفسه؟ إن كان الأول فهذا لا نوافقكم عليه؛ لأن العباد لا يوجبون على الله شيئًا، إذ يلزم أن يكون هناك موجبًا فوق الله أوجب عليه شيئًا، ولا موجب عليه سبحانه وتعالى، وأيضًا فإنه يلزم من القول بأن العباد يوجبون على الله، يلزم منه أن لا يكون سبحانه وتعالى فاعلًا مختارًا، وهو باطل بالأدلة الدالة على أن له تعالى التصرف المطلق في ما شاء من عباده، فمثلًا لو لم يكن فاعلًا مختارًا في أفعاله لما صح حمده؛ لأنه لا يحمد إلا الفاعل المختار بقدرته ومشيئته في أفعاله الحميدة، فثبوت حمده دليل على أنه مختار في أفعاله سبحانه وتعالى. وأيضًا فإن ثبوت ربوبيته تعالى يقتضي فعله بمشيئته واختياره، وأيضًا فإن ثبوت ملكه دليل على أنه فاعل مختار؛ إذ إن حصول ملك لمن لا اختيار له ولا فعل له ولا مشيئة غير معقول، وأيضًا فإن كونه تعالى مستعانًا دليل على اختياره؛ لأن الاستعانة بمن لا اختيار له محال، وعلى ذلك فالله سبحانه وتعالى فاعل مختار، وإذا كان كذلك بطل قول المعتزلة: إن العباد يوجبون عليه تعالى.

وإن كان مقصودكم بالوجوب أنه واجب عليه بحكم ما أوجبه على نفسه، فهذا نوافقكم فيه، لكن لا يلزم منه ألا يكون تعالى مختارًا لما ذكرناه آنفا من اللوازم الباطلة، ولأن من أوجب على نفسه شيئًا يعتبر متفضلًا بما أوجب، والمتفضل مختار بما تفضل به.

يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: “فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي افترقت فيه الفرق، والناس فيه ثلاث فرقة: فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقًّا فقالت: لا يجب على الله شيء ألبتة، وأنكرت وجوب ما أوجبه الله على نفسه، وفرقة رأت أنه سبحانه أوجب على نفسه أمورًا لعبده، فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله. الفرقة الثالثة: أهل الهدى والصواب قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحًا، ولا يدخل أحدًا عمله الجنة أبدًا، والله تعالى بفضله وكرمه أكد إحسانه وجوده، بأن أوجب لعبده عليه حقًّا بمقتضى الوعد، فإن وعد الكريم إيجاب ولو بعسى ولعل، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه : عسى من الله واجب، فالرب سبحانه وتعالى ليس لأحد عليه حق ولكن لا يضيع لديه سعي”.

الأصل الثالث: الوعد والوعيد:

قال القاضي عبد الجبار في علوم الوعد والوعيد في مفهومهم: “وأما علوم الوعد والوعيد فهو أنه يعلم أن الله وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما توعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب”.

هذا هو مذهب المعتزلة يوجبون على ربهم أن ينفذ وعده، وأن يعطي العبد أجر ما كلفه به من طاعات استحقاقًا منه على الله، مقابل وعد الله له إذا التزم ذلك، وللمعتزلة شبهات في تأييدهم لمذهبهم بإنفاذ الوعيد لا محالة، وقد استدلوا من القرآن الكريم بكل آية يذكر فيها عقاب العصاة بالنار والخلود فيها، وهي آيات كثيرة مثل قوله عز وجل: { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} [الانفطار: 13- 16] وكذا قوله تعالى: { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [الزُّخرُف: 74] وفي قوله تعالى: { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] وآيات كثيرة يدل ظاهرها على هذا المفهوم، والواقع أن مسألة تخليد أصحاب الذنوب في النار من المسائل التي بحثها المعتزلة وأهل السنة، وأطالوا فيها الكلام وكثر فيها الخصام، وأود إيجاز النتيجة فيما يلي:

إن استدلال المعتزلة لما يذهبون إليه من إنفاذ الوعيد لا محالة، وأن أصحاب الكبائر والذنوب من المؤمنين مخلدون في النار حتمًا قول غير مسلم به، وهو خطأ في فهم النصوص وحمل لها على غير معانيها الصحيحة؛ فإن الآيات لا تدل على خلود أصحاب المعاصي من المؤمنين خلودًا أبديًّا حتميًّا؛ ذلك أن الله عز وجل قد يعفو عنهم ابتداء، وقد يعذبهم بقدر ذنوبهم ثم يخرجهم الله بتوحيدهم وإيمانهم؛ لأنه لا يخلد في النار إلا من مات على الشرك، الذي أخبر عز وجل أنه لا يغفر لصاحبه، وأما ما عدا الشرك فإن الله يغفره، ومن ناحية أخرى فإن خلف الوعيد من فعل الكرام وهي صفة مدح، بخلاف خلف الوعد فإنها صفة ذم، والله عز وجل يتنزه عنها، بخلاف الوعيد فإنه يعتبر من باب التفضل والتكرم وإسقاط حق نفسه، وهذا هو مذهب السلف أهل السنة والجماعة.

وما ذهب إليه المعتزلة من منع إخلاف الوعد وزعمهم أنه من الكذب، فهو إلى سوء الظن أقرب، وهو تحكم على الله عز وجل والله يفعل ما يشاء، وقد أجمل الطحاوي مذهب أهل السنة في كلامه الآتي: “وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء: 48] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته”.

وهذه الشفاعة التي أشار إليها الطحاوي -رحمه الله- للمعتزلة فيها موقف مخالف لموقف أهل الحق، وذلك أن المعتزلة لا ترى الشفاعة لأحد في الآخرة إلا المؤمنين فقط دون الفساق من أهل القبلة، فلا شفاعة لأهل الكبائر؛ لأن إثبات ذلك يؤدي إلى خلف وعيد الله وخلف الوعيد عندهم يعتبر كذبًا، والله يتنزه عن الكذب. ثم استدلوا بالآيات الواردة في نفي الشفاعة عن غير المؤمنين الفائزين، كقوله تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } [البقرة: 48] وكذلك قوله تعالى: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } [الأنبياء: 28] أي: والفساق غير راض عنهم فلا تصح الشفاعة فيهم، وقوله تعالى: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } [غافر: 18] إلى غير ذلك من الآيات الواردة بهذا المعنى.

ولا ريب أن المعتزلة جانبوا الصواب في الحكم بنفي الشفاعة في العصاة، فإن القول بإثبات هذه الشفاعة مما هو ثابت متواتر عن السلف؛ لثبوت الأحاديث المتواترة بذلك، وإجماع علماء الإسلام عدا المعتزلة. والذي جَرَّ المعتزلة لهذا الخطأ خطأ آخر؛ وهو أن من عقائدهم أن السيئات يذهبن بالحسنات، فلو أتى الشخص بحسنات كالجبال ثم جاء بعدها بسيئة، فإن هذه الحسنة تحبط بمجرد صدور المعصية.

ومذهب السلف أنه لا شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة عن الإسلام، والرجوع إلى الكفر عياذًا بك اللهم، كما أن تكفير جميع السيئات عن المذنب لا يكون إلا بالتوبة.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: “والتحقيق أن يقال: إن الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد، كما أن ذلك مشتمل على نصوص الأمر والنهي، وكل من النصوص يفسر الآخر ويبينه، فكما أن نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروطة بعدم الكفر المحبط؛ لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط عمله، فكذلك نصوص الوعيد للكفار والفساق مشروطة بعدم التوبة؛ لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب، وهذا متفق عليه بين المسلمين، فإن الله قد بين بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن من يفعل أو يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره”. إلى أن قال: “فجعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها، لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة، كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة”.

الأصل الرابع عند المعتزلة: المنزلة بين المنزلتين:

تدور هذه المسألة حول الحكم على مرتكب الكبيرة، حينما طلب إلى الحسن البصري أن يبين الحكم في صاحب الكبيرة، وما تلا ذلك من جواب واصل بن عطاء، ثم اشتد الخلاف بعد ذلك واعتزل واصل وجماعته حلقة الحسن البصري، وقضية مرتكبي الذنوب هي الحصيلة الحتمية عند المعتزلة لمواقف الفرق الأخرى؛ مِن خوارج ومرجئة وأهل السنة أيضًا؛ بسبب ما استجد بين المسلمين من أحداث خطيرة سياسية، ابتداء من قتل عثمان رضي الله عنه  وانتهاء بأصحاب المعاصي أيًّا كان عصيانهم، وقد أجمعت المعتزلة على قضية المنزلة بين المنزلتين واعتبروها أصلًا من الأصول الثابتة، وتلقب هذه المسألة -حسبما يذكره القاضي عبد الجبار- بمسألة الأسماء والأحكام، وقد بين اصطلاح المتكلمين في معنى المنزلة بين المنزلتين بقوله: “والأصل في ذلك أن هذه العبارة إنما تستعمل في شيء بين الشيئين، ينجذب إلى كل واحد منهما بِشَبَهٍ، هذا في أصل اللغة، وأما في اصطلاح المتكلمين فهو العلم بأن لصاحب الكبيرة اسمًا بين الاسمين وحكما بين الحكمين، على ما يجيء من بعد”.

وما أحال إليه هنا في قوله: “على ما يجيء بعد”، قد شرحه تحت عنوان الأصل الرابع وهو الكلام في المنزلة بين المنزلتين، قال فيه: اعلم أن هذا الفصل كلام في الأسماء والأحكام ويلقب بالمنزلة بين المنزلتين. ومعنى قولنا: إنه كلام في أسماء الأحكام، هو أنه كلام في أن صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر ولا اسمه اسم المؤمن، إنما يسمى فاسقا، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإن صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر ولا منزلة المؤمن بل له منزلة بينهما. والمقصود أن المعتزلة يريدون بالمنزلة بين المنزلتين المؤمن صاحب المعاصي، فهو عندهم ليس بمؤمن ولا كافر، بل يفرد له حكم ثالث وهو تسميته فاسقًا في الدنيا، والحكم بخلوده في النار في الآخرة، فاختلف اسمه وحكمه في الدنيا فاستحق أن يكون في منزلة بين المنزلتين.

والذي حيرهم في أمر الفاسق هو أنه من جهة ليس بمؤمن؛ لأن حكم المؤمن لا ينطبق عليه في الواقع، لمجيئه بأعمال غير المؤمنين في بعض أموره، وهو كذلك ليس بكافر تماما لمجيئه بأعمال المؤمنين في بعض أموره، إذًا فهو فاسق والفسق اسم ذم، وما ثبت له اسم الذم انتفى عنه اسم المدح، وقد توعد الله الفساق بالنار، فحكمه في الآخرة الخلود فيها، ويرد عليهم ببيان حكم مرتكب الكبيرة في الشرع، هل حكم بكفره وإخراجه من الملة، أو حُكم بإيمانه الإيمان الكامل، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؟

الواقع أن العاصي غير خارج من الملة بفسقه، بل هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولم تخرجه النصوص عن الإيمان لا في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولا في إجماع الأمة، وفي هذا يقول الطحاوي: “ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله”.

وقد أجاب الشارح ابن أبي العز الحنفي حول ما ورد من تسمية الشارع لبعض الذنوب كفرا، مثل قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) وأمثلة أخرى كثيرة يفيد ظاهرها إطلاق كلمة الكفر على من اقترف ذنبًا من تلك الذنوب، ثم أجاب عن ذلك كله فقال: “والجواب أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًا يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولا القصاص ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر.

وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإسلام والإيمان ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضًا؛ إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } إلى أن قال: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178] فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخًا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب. وقال تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } [الحُجُرات: 9] إلى أن قال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } [الحُجُرات: 10].

ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم ألقي في النار)) فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه”، ثم أورد حديث المفلس وقول الله تعالى: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [هود: 114].

ثم قال: “فدل ذلك على أنه في حال إساءته يعمل حسنات تمحو سيئاته”. وهذا جواب نفيس جامع لفوائد عظيمة، وفيه بيان جلي لمذهب السلف في هذه القضية التي أخطأ فيها المعتزلة، وجعلوا العصاة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، وحكموا بخلودهم في النار في الآخرة، ولم يلتفتوا إلى مشيئة الله تعالى في أولئك، وهو الفعال لما يريد جل وعلا، فقطعوا عنه المشيئة، ثم زادوا الخطأ بآخر حينما حكموا بخلوده في النار مع من مات على الشرك ولم يسجد لله سجدة، ولا شك أن العقل يأبى هذا الحكم، مع أنهم ممن يقدر العقل ويقدمه على النقل، ولكن الهوى يغطي على العقل والفهم إلا من وفقه الله تعالى.

هذا قول المعتزلة بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن وليس بكافر، لم يقل به أحد قبلهم، فهو قول مبتدع، ذلك أن الأمر لا يخلو عن حالين: إما الإيمان وإما الكفر، وأما الحالة الثالثة فليست متصورة ولا معقولة، ثم ما هي الفائدة من التسمية منزلة بين المنزلتين، مع قولهم بأنه مخلد في النار، فإن مرتكب الكبيرة عندهم مخلد في النار، والمعتزلة مع قولهم بأن مرتكب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا، إلا أنهم يرون أنه من باب المصلحة يجوز أن يسمى مسلمًا، وليس من باب المدح والثناء، ولكن من باب التفرقة والتمييز بينه وبين أهل الذمة من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى، أما حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا فإنه يعامل معاملة المسلمين اسمًا وحكمًا؛ لأن الأمل في توبته إلى الله تعالى قائم، والرجاء في هداية الله تعالى إياه وقبول توبته قوي.

أما أهل السنة فيقولون: مرتكب الكبيرة مؤمن لعقده الإيماني الصحيح ولإيمانه بالله ورسوله، ولكنه فاسق وعاص بعمله، وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان، وأما واصل فسماه فاسقًا أيضًا ولكنه اعتبر الفسق منزلة بين المنزلتين، وإذا خرج من الدنيا على كبيرته من غير توبة فهو من أهل النار خالدا فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة وفريق في السعير، وإذا قيل له: فما الفرق بينه وبين الكافر المشرك المخلد في النار؟ قال: يخفف عنه العذاب فتكون دركاته فوق دركة الكفار.

أراد واصل بهذا الرأي الجديد أن يتوسط بين الآراء، فأخذ بما اتفقوا عليه وهو وصف الفسق، ثم أراد أن يجامل الخوارج الذين وصفوه بالكفر، فأخذ من مذهبهم جانبًا وهو الحكم بخلود الفاسق في النار، ولهذا سماه خصومهم بمخانيث الخوارج؛ لأن الخوارج لما قرروا لأهل الذنوب الخلود في النار اعتبروهم كفرة وحاربوهم، أما المعتزلة فقد قدروا لهم الخلود في النار، ولكنهم لم يسموهم كفارًا ولم يوجبوا قتالهم، وقد تكرر هذا الموقف من واصل بن عطاء في محاولة أن يمسك بالعصا من المنتصف، عندما سأله البعض عن الخلاف السياسي بين علي وأعدائه، فبينما كان موقف الخوارج محددًا وهو تكفير علي وخصومه من الأمويين معًا، وكان موقف أهل السنة إسلام الفريقين وإيمانهم، غير أنهم قالوا: إن عليًّا كان على حق وأعداءه قد اجتهدوا ولا يلزمهم كفر أو فسق، جاء واصل بن عطاء فاعتبر أحد الفريقين فاسقًا لا بعينه ولا تقبل شهادة واحد منهما، قياسًا على المتلاعنين، فلا يجوز عنده قبول شهادة علي وطلحة والزبير ومعاوية حيث قال بأن أحدهما فاسق لا بعينه.

وهذا حكم جائر على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وأن حكم الفسق عنده الخلود في النار، وهكذا يعتبر موقف واصل في المنزلة بين المنزلتين موقفًا ضعيفًا لا سند له من العقل أو النقل، إذ إن المؤمن العاصي أو الفاسق لا يخلد في النار، بل يعذب على قدر معصيته ثم يخرج منها إلى الجنة، وإلا لما كان هناك فرق بين من أنكر وجود الله وأنكر رسالاته، وبين من آمن بهما ولكنه قصر في بعض الواجبات، ما دام الكل مخلدًا في النار.

والحق ما علمت في مرتكب الكبيرة: أن أهل السنة يرون أن مرتكب الكبيرة ليس كافرًا كما تقول الخوارج، وليس مؤمنًا كامل الإيمان كما تقول المرجئة، وليس في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة، بل هو عندهم مؤمن ناقص الإيمان فاسق بكبيرته وفي الآخرة لا يخلد في النار، وقد نقل ذلك عن الإمام الأشعري الذي قال: “ولا يكفرون -أي: السلف- أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو: الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر”.

يقول ابن تيمية: “مذهب أهل السنة والجماعة أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة، بل لهم حسنات وسيئات يستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب.

كما يمكن أن نضيف بأن أصحاب الكبائر أربع طبقات:

 الطبقة الأولى: طبقة قوم أسرفوا على أنفسهم وفشوا كبائر ما نهى الله عنه، ولكن رزقهم الله التوبة النصوح فماتوا على توبة صحيحة، فهم ناجون من عذاب الله، وهذه الطبقة لا خلاف بين أهل السنة والمرجئة والمعتزلة وجمهور الخوارج في نجاتهم.

الطبقة الثانية: طبقة أقوام خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فعملوا حسنات وكبائر، ولقوا الله مصرين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم، فإذا وزنت بها رجحت كفة الحسنات، فهؤلاء أيضًا ناجون فائزون.

قال تعالى: { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 8، 9].

قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف. وهذه الموازنة تكون بعد القصاص واستيفاء المظلومين حقوقهم من حسناتهم، فإذا بقي شيء منها وزن هو وسيئاته.

والطبقة الثالثة: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثرهما فتقاوما فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار، وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة، فهؤلاء أهل الأعراف، فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لن تمسهم النار.

 والطبقة الرابعة: طبقة أهل المحنة والبلية نعوذ بالله، وإن كانت آخرتهم إلى عفو وخير، وهم قوم مسلمون خفت موازينهم ورجحت سيئاتهم على حسناتهم”.

ومن خلال هذا النص يتضح أن مرتكب الكبيرة أمره مفوض إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه كما قال: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } لكنهم طبقات: طبقة ناجية بلا خلاف وهم التائبون من الكبائر، وطبقة خلطت عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ورجحت حسناتهم على سيئاتهم فهم ناجون إن شاء الله، وطبقة استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أهل الأعراف، وهم مع من سبقهم لا تمسهم النار، وطبقة قوم رجحت سيئاتهم على حسناتهم وهم أهل المحنة، والقول بعدم خلود مرتكب الكبيرة في النار هو قول أهل السنة والجماعة حيث قالوا: إن أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يخلدون في النار إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، فهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وإن شاء عذبهم.

الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وقد بين القاضي عبد الجبار حقيقة الأمر والنهي والمعروف والمنكر فقال: “أما الأمر فهو قول القائل لمن دونه في الرتبة: افعل، والنهي هو قول القائل لمن دونه: لا تفعل، وأما المعروف فهو: كل فعل عرف فاعله حسنه أو دل عليه، ولهذا لا يقال في أفعال القديم تعالى معروف؛ لما لم يعرف حسنها ولا دل عليها، وأما المنكر فهو: كل فعل عرف فاعله قبحه أو دل عليه، ولو وقع من الله تعالى القبيح لا يقال: إنه منكر لما لم يعرف قبحه ولا دل عليه”. ومعنى التعريف: أن المعروف والمنكر لا بد أن يتضح أمرهما عند الشخص، بأن يرى حسن المعروف ويدلل عليه، ويرى قبح المنكر ويستطيع أن يدلل عليه، وهذا بخلاف ما لو وقع من الله افتراضًا فعل القبيح، فإنه لا يستطيع أن يدلل عليه ولذلك فلا يوصف بالمنكر.

وأوجب المعتزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما اعتبروهما من فروض الكفاية إذا قام بهما من يكفي سقط عن الباقين، وحكمهما عموما الوجوب الكفائي، وأهل السنة يقولون بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وقع خلاف بين أهل السنة والمعتزلة في طريقة تغيير المنكر، ووجوب الخروج على السلطان الجائر، وحمل السلاح في وجوه المخالفين لهم، سواء كانوا من الكفار أو من أصحاب المعاصي من أهل القبلة، فأما طريقة تغيير المنكر فقد ساروا فيها عكس الحديث الذي بين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم موقف المسلم إزاء تغيير المنكرات. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) إذ إن تغيير المنكر عندهم يبدأ بالحسنى ثم باللسان ثم باليد ثم بالسيف.

بينما الحديث يرشد إلى العكس، وهو ما يذهب إليه أهل الحق من أن تغيير المنكر يبدأ بالفعل باليد إذا لم يترتب عليه مفاسد، والتغيير باليد هنا لا يكون بالسيف، وإنما هو إزالة المنكر بدون قتال ولا فتح باب فتنة أكبر من المنكر المراد إزالته، فإن لم يتمكن الشخص من التغيير باليد انتقل إلى التغيير باللسان، فإن وصل الحال إلى عدم الاستطاعة من التغيير باللسان؛ بأن كان الشر هو الغالب على الخير فليكتف بالتغيير بالقلب، مِن كراهة المنكر وتمني زواله وبغضه وبغض أهله، ومع هذا فلا مكان للسيف هنا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرشد إليه، ولما فيه كذلك من جر الأمة إلى ما هو أكبر من تغيير ذلك المنكر، بخلاف المعتزلة فإنهم لا يرون حرجًا في حمل السلاح لتغيير المنكر.

وأما الخروج على السلطان الجائر فقد أوجبه المعتزلة، والواقع أن جور السلطان وارتكابه المعاصي لا يوجب الخروج عليه؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، ومن سفك الدماء، وتفريق كلمة الأمة، فإن الإسلام لا يبيح الخروج عليه إلا عندما يظهر الكفر منه صراحة، وأما حمل السلاح في وجوه المخالفين لهم من أهل القبلة، فلا دليل لهم على ذلك، ولا يجوز أن يستحل دم المسلم إلا بما حدده الشرع، وصاحب الكبيرة ليس بكافر فلا يجوز قتاله واستحلال دمه، ولم يأمر الشرع بذلك، فيجب على المسلم الالتزام وترك التنطع, تنطع الخوارج والمعتزلة.

هذا، ولئن كانت تعرف المعتزلة بأصولها الخمسة، فإن هذا لا يعني أنها ليست لها آراء أخرى أو مبادئ أخرى، فالمعتزلة في أصولهم الخمسة هذه بنوا عليها أمورًا منها:

نفي رؤية المؤمنين لله عز وجل يوم القيامة، وإنكار شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين، وجحدوا عذاب القبر، ونفوا أن الكفار في قبورهم يعذبون وقالوا: إن القرآن مخلوق، وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظير قول المجوس الذين أثبتوا خالقين أحدهما يخلق الخير والآخر يخلق الشر، وزعمت القدرية أن الله يخلق الخير وأن الشيطان يخلق الشر، وزعموا أن الله عز وجل يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، وزعموا أن أفعال العباد غير مخلوقة لله، وأنكروا عذاب القبر والحوض، ولا يرون الصلاة خلف أحد من أهل القبلة والجمعة إلا من كان على هواهم، وزعموا أن أعمال العباد ليست في اللوح المحفوظ، وقنطوا الناس من رحمة الله وآيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها، ونفوا صفات الله عز وجل هكذا، كما أنهم أيضًا أوجبوا على الله تعالى فعل الصلاح والأصلح، وأوجبوا عليه إرسال الرسل، وأوجبوا عليه اللطف بعباده، وأوجبوا عليه دفع الأعواض عن كل ابتلاء وآلام تقع على العباد، سواء أكانت جسدية أو نفسية أو غير ذلك، أو مع تفويت المنافع أو إصابة الإنسان في ماله وولده.

وأوجبوا العمل والمعرفة بالنظر والاستدلال، وقدموا العقل على الشرع، وربطوا بين قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضية التحسين والتقبيح العقليين، وجعلوا الحجة في العقل لا في إرسال الرسل، وأنكروا أن يكون هناك أهل فترة يندرجون تحت قول الله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [الإسراء: 15] ولما افترقت المعتزلة فرقًا إلى واصلية وهذيلية ونظامية وجاحظية وغير ذلك، فإن كل واحد منهم راح يقول أقوالًا تتفق مع أصول الفلاسفة وكلام أهل الكفر، وتخالف القرآن والسنة وما عليه سلف الأمة.

وقد علم أن أهم أعلامهم: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبو الهذيل محمد بن الهذيل، وأبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام، والجاحظ وهو عمرو بن بحر المكنى بأبي عثمان الملقب بالجاحظ، ومعمر بن عباد السلمي، وبشر بن المعتمد، وثمامة بن الأشرس، وأحمد بن خابط، والفضل الحدثي، وهشام بن عمرو الفوطي، وأبو الحسين بن عمرو الخياط، وأبو محمد بن عبد الوهاب الجبائي، ولكل واحد منهم فرقة ومنهج، ولا تزال مناهجهم قائمة إن انتهت بأسمائها فقد بقيت بمضمونها، فقد تأثر كثير من المعاصرين بفكر واصل بن عطاء، كما تأثر هو بالجهمية وقال بأقوال القدرية، فهناك أفكار المعتزلة موجودة في كثير من الفرق والكثير من المسلمين، الذين يحكمون آراءهم وعقولهم، ويعرضون عن الكتاب والسنة، ويبنون على ذلك معتقدات باطلة مثل: إنكار عذاب القبر وإنكار الصراط والميزان وإنكار الشفاعة، وكثير من الأمور الغيبية الثابتة، ومن أشراط الساعة سيما العلامات الكبرى كنزول عيسى ابن مريم وخروج الدجال وما إلى ذلك.

كما أنهم يردون الأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لهواهم، ويكذبون الصحابة والتابعين وسائر الرواة إذا رووا ما لا يتفق ومذهبهم، أما ما يخالف آراءهم من الآيات فإنهم يفسرونه بما لا يتفق مع الشرع واللغة، ويؤولونه كما يشاءون، فإن فكر المعتزلة له دور كبير في نشر فساد عريض في هذه الأمة، فعليهم من الله ما يستحقون، والكلام عن المعتزلة وعن الجذور الفكرية والعقائدية لهم، وممن أخذوا هذه الأفكار، سواء أكان من اليهود أو كان من الفلاسفة أو من غيرهما، وما لهذا الفكر الاعتزالي الحديث من دور فيما عرف باسم العقلانية والتنوير، والتجديد والتحرر الفكري، أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي، أو الذين سموا أنفسهم بالقرآنيين، أو غير ذلك، ومن ليست لهم أسماء، لكنهم أنكروا من القرآن والسنة عقوبة المرتد وفريضة الجهاد والحدود، واستهزءوا بالحجاب وأنكروا تعدد الزوجات، إلى غير هذا من هذه الأفكار التي تبناها مستشرقون ومستغربون على مذهب هؤلاء المعتزلة القدامى، كل ذلك يدل على أن هذه الفرقة شر مستطير، خالفت ما عليه أهل السنة والجماعة، خالفت القرآن والسنة وفهم سلف الأمة.

error: النص محمي !!