Top
Image Alt

عقوبة القذف

  /  عقوبة القذف

عقوبة القذف

لبيان عقوبة القذف، نقول: ما يجب بالقذف من الحد أو التعزير يعتبر حقًّا للمقذوف، وإذا اعتبرناه حقًّا للمقذوف، فهل يتوقف إقامة الحد على المطالبة به من صاحبه، أو لا؟

في هذا المعنى يرى الفقهاء أنه طالما أن عقوبة القذف من العقوبات التي تعتبر حقًّا للمقذوف، فله المطالبة باستيفائه إن أراد، وله كذلك أن يعفو عن القاذف، ويسقط عنه الحد.

هذا ما ذهب إليه فقهاء الشافعية، والحنابلة، واستدلوا لذلك بما روي عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج يقول تصدقت بعرضي)) والصدقة بالعرض لا تكون إلا بالعفو عما يجب له.

وكذلك فإن حد القذف، هو جزاء لجناية وقعت على المقذوف، ومن ثم فإنه ينبغي المطالبة به لاستيفائه، وعلى هذا فإن حد القذف بالزنا يعتبر حقًّا من حقوق الآدميين، يستحق بالطلب، ويسقط بالعفو، ويستوي في ذلك ما إذا بلغ الإمام، أو لم يبلغه، هذا هو رأي فقهاء الشافعية، والحنابلة، في مسألة ما إذا كان للمقذوف الحق في أن يتمسك به، أو أن يعفو عن القاذف.

أما المالكية، فظاهر المذهب أن ثمة قولين عندهم.

أحدهما: أن حد القذف هو حق الآدمي، وهو إذن للمقذوف، ومن ثم فإن له أن يسقطه متى شاء، كالذي عليه الشافعية، والحنابلة.

ثانيهما: أن حد القذف هو حق لله تعالى، ومن ثم فليس للآدمي –أي: المقذوف- أن يسقطه، وهو قول الحنفية أيضًا.

وإن كان لفقهاء الحنفية تفصيل؛ حيث نرى خلاصة هذا التفصيل أن يفرق بين حال المقذوف لو كان حيًّا، وحاله لو كان ميتًا، فإن كان المقذوف حيًّا، فليس لأحد سواه أن يطالب باستيفاء حد القذف من القاذف، حتى وإن كان أصله وإن علا، أو فرعه وإن نزل، ويستوي في ذلك ما لو كان المقذوف حاضرًا، أو غائبًا، وتوجيه ذلك عند فقهاء الحنفية، أن المقذوف إن كان حيًّا وقت القذف كان هو المقذوف من حيث الصورة والمعنى، وذلك بإلحاق العار به، فكان له حق الخصومة دون غيره.

أما الإنابة عن المقذوف بتوكيل غيره في الخصومة، فثمة خلاف في المذهب الحنفي؛ حيث قال الإمامان أبو حنيفة، ومحمد: بجواز الإنابة، وقال أبو يوسف: بعدم جوازها.

أما إذا كان المقذوف ميتًا، فإن عندهم -أي: عند فقهاء الحنفية- لأصله وإن علا، ولفرعه وإن نزل، ذكرًا كان أو أنثى أن يخاصم القاذف في القذف، ووجه ذلك: أن القذف يعني إلحاق العار بالمقذوف، ومعلوم أن الميت ليس محلًّا لإلحاق العار به، على هذا لا يكون معنى القذف راجعًا إليه بل إلى فروعه وأصوله لما يلحقهم من عار بقذف الميت؛ وذلك لأن قذف الإنسان يعتبر قذفًا لأجزائه، فكان القذف بهم من حيث المعنى، وبذلك يثبت لهم حق الخصومة بدفع العار عن أنفسهم، بخلاف ما لو كان المقذوف حيًّا وقت القذف ثم مات، فإنه ليس للأصل، ولا للفرع الحق في الخصومة.

بعد ذلك نريد أن نوجه سؤالًا، وهو: ما حكم قذف الجماعة؟ وهل هذا القذف يستوجب عقوبة واحدة، أم يستوجب تعدد العقوبة؟

يقول الفقهاء في هذا المعنى: لو قذف شخص جماعة من الناس، فإنه ينظر إن كان المقذوفون كثيرين، بحيث لا يتصور وقوع الزنا من جميعهم، فإنه لا حد عليه، كما لو قذف الشخص بلدة كبيرة، فإن تمالُؤَهم على الزنا مجتمعين لا يُتصور، ووجه ذلك: أن المقذوفين في مثل هذه الحال لا يصيبهم عار؛ للقطع بكذب القاذفين، ومع ذلك فإن القاذف يُعذَّر؛ لكذبه وبذاءة لسانه.

أما إذا كانت الجماعة المقذوفة ليست كثيرة، وهم ممن يمكن اجتماعهم، أو تمالؤهم على الزنا، فذلك موضع الخلاف، فهل يجب على القاذف حد واحد للجماعة؟ أو يجب عليه حد لكل واحد منهم؟ وبذلك تتعدد الحدود تبعًا لتعدد أفراد الجماعة المقذوفة.

لو قذف الجماعة واحدًا بعد آخر، وذلك في ألفاظ مكررة، وجب عليه حد لكل واحد من الجماعة المقذوفة، وهو قول للشافعية، والحنفية، والحنابلة، وذلك أن هذه الحدود لا تتداخل؛ لأنها حقوق الآدميين كالديون، والقصاص، فلزم أن يؤخذ لكل واحد بحقه من القاذف، أما المالكية، فقد خالفوا في ذلك على أساس أن الحدود تتداخل، فلا ينبغي للجماعة كلها غير حد واحد يقام على القاذف.

أما إذا قذفهم بكلمة واحدة، كما لو قال: أنتم زناة، أو قال: أنتن زوانٍ أو نحو ذلك من القذف الصريح، فليس عليه غير حد واحد، وهو قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والشافعي في القديم.

وعلى هذا، فإنه يجب على القاذف حد واحد للجماعة، وذلك فيما إذا طالب به واحد منهم، أو طالبوا به مجتمعين، واستدلوا لذلك بقول الله تعالى: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، وموضع الاستدلال في الآية، هو وجوب الحد على القاذف، من غير تفريق بين قذف الجماعة والواحد.

وقالوا: إن الحد إنما وجب بسبب إدخال المعرَّة على المقذوف بقذفه، وإن زال حد واحد بالقذف، تزول به المعرَّة عن المقذوفين، ويظهر به كذبه، فوجب بالاكتفاء بحد واحد على القاذف.

لكن ثمة قول آخر للحسن البصري، وأبي ثور، والشافعي في الجديد؛ حيث ذهب هؤلاء إلى أنه يجب لكل واحد من المقذوفين حدًّا، وبذلك تتعدد الحدود في القذف بتعدد المقذوفين، حتى وإن قذفهم بكلمة واحدة.

لكن ما وجه هذا القول المخالف لرأي الجمهور؟

وجهه، أن القاذف للجماعة -ولو بكلمة واحدة- قد ألحق العار بكل واحد منهم، فلزمه لكل واحد منهم حد، كما لو أفرد كلَّ واحد منهم بالقذف، وكما لو قذفهم بكلمات.

أما لو قذف واحدًا مرارًا، ولم يحدَّ لواحدة منها، فعليه حد واحد فقط، لكنه إن قذفه ثم حد، ثم عاد وقذفه ثانية، فإنه ينظر، إن قذفه في نفس الزنا الذي حُد من أجله، فليس عليه حد آخر إلا الحد الأول، ومع ذلك فعليه التعزير لسوء كلامه، وبذاءة لسانه، أما إن قذفه بزنًا آخر جاء بعد الحد الذي أقيم عليه، ففي ذلك قولان.

أحدهما: يجب عليه الحد. الثاني: ليس عليه الحد.

error: النص محمي !!