Top
Image Alt

علاقة التنصير بالصهيونية

  /  علاقة التنصير بالصهيونية

علاقة التنصير بالصهيونية

قد طرحنا سؤالا أراه مهمًّا في هذا الظرف التاريخي الذي نعيشه ويعيشه معنا العالَم الإسلامي كلّه: هل هناك علاقة بين حركة التبشير -وبالتالي حركة الاستشراق- وبين الحركة الصهيونية العالمية، خاصة في عصورها المتأخِّرة؟ لأنه -كما قلت- هناك مجموعة من الأصابع أو من المحاور التي تعمل متعاونة فيما بينها لتحقيق حُلم إسرائيل على حساب الحقوق العربية والإسلامية والفلسطينية في أرض فلسطين.

فمنذ قرن ونصف تقريبًا، بدأت أوربا تضيق كلّها بالحركة اليهودية، خاصة الحركة الصهيونية؛ لأنه كما سوف نعرف فيما بعد أنّ الصهيونية شيء، واليهودية كديانة شيء آخر.

حاولتْ أوربا منذ مطلع القرن التاسع عشر أن تقوم بنشر المسيحية بين بعض الطوائف اليهودية المقيمين في بعض أنحاء أوربا؛ ولذلك وجدناهم في سنة 1809م قد أسّس الإنجليز في لندن جمعية تسمّى: “الجمعية اللندنية لنشر النصرانية بين اليهود”، وقد كانت آمال الأوربيِّين -أو انجلترا بالذات- عند تأسيس هذه الجمعية كبيرة؛ لأنهم كانوا يريدون ويأملون أن يكون العمل في هذه الجمعية يبدأ من منطلق أن يجمعوا اليهود المتفرِّقين في جميع أنحاء الأرض يسوقونهم سوقًا إلى أرض فلسطين؛ ولذلك بدءوا يشجِّعون اليهود على الهجرة من هذا التاريخ، وعزموا على أن يبدءوا التبشير بين الجاليات اليهودية الموجودة بينهم ابتداء من ذلك الوقت مباشرة، وينشروا بينهم هذه الفكرة -وهي فكرة قديمة جدًّا: فكرة الالتفاف وتجميع اليهود في أرض فلسطين كفكرة صهيونية. ولكن بعد أن ضاقت أوربا باليهود المقيمين فيها، بدءوا يشجّعونهم على العودة -كما يتوهّمون- إلى أرض فلسطين عن طريق تأسيس هذه الجمعية. وأخذ المبشِّرون يتفاءلون، ويظنّون أن هذه الفرصة فرصة سانحة لتحقيق هذا الهدف -هدف تجميع اليهود على أرض فلسطين- ومن جانب آخَر: فكرة التخلص من اليهود في أوربا؛ لأنهم قد ضاقوا ذرعًا بهم تمامًا، خاصة إذا علمنا أنّ هذا الوقت كان محمد علي خديوي مصر قد أرسل ابنه إلى الشام -أظنه ابنه إبراهيم- واستولى على أرض فلسطين. وموقف محمد علي من الإرساليات التبشيرية كان موقف تسامح أكثر منه مواجهة، وكذلك موقف أبنائه مِن بَعده كان موقف تسامح أكثر من موقف مواجهة.

ووجدنا أنّ المبشرين انتهزوا هذه الفرصة ووضعوا كنيسة تسمّى: كنيسة صهيون، وهي أوّل كنيسة بروتستانتية في الإمبراطورية العثمانية، وانتبه لهذه التسمية: “كنيسة صهيون”، ولكن فأل المبشرين قد خاب؛ لأن محمد علي انسحب انسحابًا كاملًا من الشام، ثم عاد الأتراك إلى موقفهم الشديد الأول من الإرساليات التبشيرية، فكأن الكنيسة هذه أسِّست في الوقت الذي كان محمد علي وابنه مسيطرين على هذه المنطقة. ولما رجع محمد علي مهزومًا إلى مصر مرة ثانية في 1840م، عادت الخلافة العثمانية بموقفها الصلب، فألغت هذه الكنيسة تمامًا، وعاد الأمر إلى ما كان عليه. وهذه محاولة لها أثر عيْنيّ مازال موجودًا إلى الآن.

ثم حاول المبشِّرون مرة ثانية أن يستغلّوا القضية اليهودية في سبيل تحقيق أهدافهم التبشيرية، فوجدنا الملِك (فردريك ولْهُلم) الرابع ملك بروسيا حاول أن يكوّن ويَبْني مركزًا بروتستانتيًّا لإصلاح الكنائس الشرقية بصفة عامة، ولتنصير اليهود بصفة خاصة. ووجدْنا المبشِّرين مقتنعين جدًّا بهذه الفكرة؛ لأن جمع اليهود في أرض فلسطين يسهِّل لهم مهمّتهم في الوصول إلى المسلمين من جانب، وأن تتخلص أوربا من اليهود من جانب آخر. من أجل ذلك أرادوا أن يفتحوا أبواب فلسطين على مصراعيها لهجرة اليهود. وليس من المستغرب بعدئذٍ أن نجد سبعة وعشرين جمعية تبشيرية من مختلف الجنسيات الأوربية ومن مختلف الانتماءات الكنسية كانت تعمل -وبلا مَلَل- في قلب فلسطين.

ومن هنا، وجدنا أن العوامل الدينية المختلفة كانت من بين أهدافها أيضًا ليس نشر المسيحية حبًّا في المسيحية، وإنما معاونة اليهود ليرحلوا من أرض أوربا إلى أرض فلسطين. وكانت البابوية والبروتستانتية والصهيونية تتنافس فيما بينها في أرض فلسطين. ولعلّكم سمعتم عن المموِّل “روتشيلد” اليهودي؛ فقد تبرّع بالتمويل الكامل لكل هذه الجمعيات. ومع أنّ هذه الحركات كانت كلّها دينية في ظاهرها، إلا أنها كانت سياسية في واقع الأمر.

وكانت الدول الأجنبية تريد أمريْن: العمل على تحطيم الإمبراطورية العثمانية من جانب -وقد أشرنا إلى ذلك- ثم العمل على جمع اليهود من أوربا في أرض فلسطين من جانب آخَر؛ لكي تستطيع أن تبسط نفوذها على كل بلاد الشرق. ولقد لجأت الدول الأوربية إلى استغلال الأقليات الطائفية في الإمبراطورية العثمانية، كالأقلية اليهودية على الأخص، ثم الأقلية الأرمينية، أثاروا هذه الأقليات ضد الدولة العثمانية مرارًا؛ لإضعاف الدولة العثمانية في البلاد العربية؛ ليستقيم لهم نفوذهم، ويقوَى نفوذهم على هذه البلاد.

كل هذا يبيِّن لنا إلى أيّ حد كانت هناك علاقة قوية جدًّا بين العمل التبشيري وبين الحركات الصهيونية لتحقيق هدف الصهيونية من جانب، وتحقيق هدف أوربا في إجلاء اليهود عن أرض أوربا من جانب آخَر.

وفي الحقيقة، لم تكن الإرساليات التبشيرية وحدها صديقة، أو تعمل لتحقيق هذا الهدف في الساحة؛ بل إنّ الحكومة البريطانية -وهي التي قد أعلنت انتدابها رسميًّا على أرض فلسطين- قد ساعدت الإرساليات التبشيرية، وأمدَّتْها بالمال، وأعلنت صداقتها لليهود، لكي تستغل النشاط التبشيري في تحقيق أهدافها من جانب، وتعمل على توطين اليهود عن طريق إشاعة الفكرة التبشيرية بينهم من جانب آخَر. ووراء هذا كله: تحقيق أغراض استعمارية توطّد أو ترسِّخ أو تثبِّت بريطانيا أقدامها في المنطقة؛ لأنها كانت وضعت يدها على العراق، وعلى الأردن، وعلى فلسطين، وعلى مصر.

ولعلَّ مما يدلّ على ذلك: أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وجدْنا أن إنجلترا أعلنت الوطن القومي لليهود في فلسطين قبل استيلائها على أرض فلسطين، وأنّ المندوب السامي البريطاني في فلسطين السِّير “هربرت صموئيل” كان يهوديًّا، وكان تأسيس الدولة اليهودية أمرًا مقررًا ومعروفًا عند جماهير المبشِّرين، حتى إن أحد المبشرين، وهو -إذا لم تخُنّي الذاكرة: “جون فان إس” يذكر أنه في عام 1943م علِم بقيام دولة إسرائيل، وأعلن حدودها. فيقول بأنها الدولة التي تمتد وتؤلَّف من معظم أراضي اليهود، من الجليل جنوبًا إلى خليج العقبة، ثم من الأردن، ويجعل القسم العربي من فلسطين مع شرق الأردن الحالية جزءًا مستقلًّا، وتمتد من شرق الأردن إلى أرض سيناء بمصر. هذا الكلام سنة 1943م قبل إعلان الدولة رسميًّا سنة 1948م، وقبل قرار التقسيم، بل أثناء الحرب العالمية الثانية وقت أن كانت على أشدّها، أعلن هذا القرار، وأصبح معروفًا لدى جمهور المبشرين في أرض فلسطين وفي المنطقة العربية نبأ إعلان قيام دولة إسرائيل بهذه الحدود التي أشار إليها هذا الرجل. وأكثر من هذا: وجدنا أن بعض المؤرخين يضع أسماء محدّدة -ما زال بعضها على قيد الحياة- من المبشِّرين، ويذكر بالتحديد الخدمات الجليلة التي قدّموها للحركة الصهيونية في هذه الفترة التاريخية التي تُعتبر أسوأ الفترات التاريخية التي مرّت بالعالم العربي وبالمنطقة بصفة خاصة.

هذا يبيِّن لنا كثيرًا أنّ علاقة الحركة الصهيونية بالمبشرين من جانب، وبالمستشرقين من جانب آخر -كانت علاقة قوية جدًّا، وعلاقة تعاون بين هذه الجبهات الثلاث. ويذكر “لورانس براون” -وهو أحد المبشِّرين- سئل: لماذا يتعاونون مع الصهيونية ومع اليهود ضد الإسلام وضد المسلمين؟ فيصرّح هذا الرجل -في غرابة وبجرأة- ويقول: “إن القضية الإسلامية تختلف عن القضية اليهودية اختلافًا كبيرًا؛ لأن المسلمين يختلفون عن اليهود في دينهم؛ لأن دعوة الإسلام تنتشر بين النصارى أنفسهم وبين غير النصارى، وأنّ المسلمين لهم كفاح طويل في أوربا، فأخضعوا أوربا في مناسبات كثيرة للنفوذ الإسلامي. ولكن الفارق الأساسي بين المسلمين واليهود هو: أن المسلمين لم يكونوا يومًا ما أقلِّية موطوءة بالأقدام. إننا إذا نظرنا إلى العالم لم نر مكانًا يمكن أن يصبح المسلمون فيه أقلية مثل هذا، إلا فلسطين والهند. من أجل ذلك نرى أن المبشرين ينصرون اليهود على المسلمين في فلسطين بدعوى أن اليهود أقلية في هذه المنطقة”.

وربما صرّح بعضهم بما هو أكثر من هذا: أنّ بين التراث اليهودي والتراث المسيحي وشائج قوية. ويمكن أن نتعرض لهذه القضية بشيء من التفصيل ونحن نتحدث عن الحركة الصهيونية المعاصرة فيما بعد -إن شاء الله تعالى.

error: النص محمي !!