Top
Image Alt

علاقة الصليبية بالصهيونية

  /  علاقة الصليبية بالصهيونية

علاقة الصليبية بالصهيونية

من المعروف تاريخيًّا: أن الكنيسة الكاثوليكية ظلّت ألْفَي عام تتّخذ موقفًا من اليهود يقوم على: أنّ اليهود هم الذين قتلوا يسوع المسيح، وأن اليهود بقتْلهم المسيح عليه السلام قد قتلوا الرب؛ فكأنّ الشعب اليهودي في نظر المذهب الكاثوليكي بالذات يسمَّى عندهم: قاتل الرب أو قاتل الإله. وأصبح الشعب المختار عند الكاثوليك ليس هو اليهود، وإنما هو الكنيسة. وأصبح العهد القديم تجسيدًا رمزيًّا للعهد الجديد.

هذا هو موقف الكاثوليكية المسيحية من اليهود: أنهم قتَلة الرب، وأن الشعب المختار ليس هو اليهود وإنما هو الكنيسة. وأدّى هذا التفسير في نظر الكاثوليك إلى تصوّرهم أنّ اليهود حين رفضوا الاعتراف برسالة المسيح وأنه رسول من قبل الرب فلم يهتدوا، فإنهم بذلك قد قطعوا صِلَتهم بالأمّة الإبراهيمية، وصاروا -بصرف النظر عن كونهم الشعب المختار أو غيره- محكومًا عليهم باللعنة. لماذا؟ لأنهم قتلوا الرب من جانب، ولم يعترفوا برسالة عيسى من جانب آخَر؛ فعاقبهم الله سبحانه وتعالى بأنْ طرَدهم من فلسطين ودفَعهم سبايا إلى بابل، وعاقبهم بالنوازل التاريخية التي مرّت بهم على طول التاريخ اليهودي. وأصبحت أورشليم في نظر الكاثوليك ليست بذات قيمة تاريخية. وتولّد عن هذا: أنْ ظهرت فكرة معاداة السامية، هذا المبدأ الذي يُعتبر مبدأً مسيحيًّا من الناحية النوعية؛ لأنه قد اعتَبَرت الكنيسة الكاثوليكية حتى منتصف القرن العشرين: أنّ الكنيسة هم شعب الله المختار، وأنَّ اليهود هم الشعب القاتل للرب إلى منتصف القرن العشرين تقريبًا؛ وهذه الفكرة مسيطرة على الكنيسة الكاثوليكية.

وفيما يتعلّق بالحالة الخاصة لهذه الكنيسة وعلاقتها بالتاريخ اليهودي، فإنها قد فسرت: أن عودة صهيون إلى أحضان بني صهيون أو إسرائيل من الناحية الرمزية تُشبه إلى حدٍّ كبير عودةَ المسيحي إلى نقائه وصفائه. يعني: كأن اليهود قد تابوا وأنابوا وعادوا إلى الرب وصالحوا الرب، فعادت إليهم أرض صهيون. بهذا التفسير الأسطوري، نجد أنّ العلاقة بين الكاثوليك واليهود تأخذ هذا المنحى التاريخي: شدّ وجذْب، لِين أحيانًا وقسوة أحيانًا: علاقة اعتراف، وعدم اعتراف أحيانًا أخرى.

إلّا أنّ القضية قد أخذت بُعدًا مختلفًا تمامًا عن هذا الاتجاه على يد المصلح البروتستانتي الشهير المُسمى بـ”مارتن لوثر”، هذا الرجل الذي تحرّك في القرون الوسطى تقريبًا 1500م وكذا ليقضي على هذا التقليد الكاثوليكي. ولا ننسى أن هذا الرجل كان أصله صهيونيًّا، وكان له في هذا الصدد موقفان: فهو كان في البداية متعاطفًا مع الفكرة الصهيونية، ويرى أنّ الأرض في فلسطين أرض صهيونية، ويجب أن تعود إلى أحضان الصهاينة؛ لكن هذا الموقف تغير تمامًا، وتحوّلت محبّته للصهيونية إلى عداء. وأخذ يقود حركة تطهيرية يحاول من خلالها أن يتخلّص من اليهود في أوربا قاطبةً، ليس حبًّا في عودتهم ولكن حرصًا على التخلص من وجودهم في أرض أوربا كلها.

هذا المسيحي “مارتن لوثر” قائد الحركة التطهيرية أو قائد حركة الإصلاح، -والتي كانت في أصلها أو كان في أصله ينتمي إلى الفكر الصهيوني- قاد هذه الحركة. وأخذت حركته تمتد في ربوع أوربا تحمل معنييْن: معنى التخلص من العنصر الصهيوني في أوربا، والمعنى الآخَر تنادي بعودتهم إلى الأرض -كما قلت- ليس حبًّا في تحقيق النبوءة، ولا حبًّا في الصهيونية، ولكن محاولة للتخلص من العنصر اليهودي الموجود في أوربا.

من هنا يمكن أن نقول: إنَّ حركة الإصلاح التي قادها “مارتن لوثر” في هذا القرن السادس عشر، مثّلت علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين اليهود والمسيحيِّين؛ فقد أكد المصلحون على أهمّية العودة للكتاب المقدس كمصدر وحيد للوحي، وأكّدوا أيضًا على أهمية التفسير الحر دون التقيّد بالتفسير الحرفي الذي يدّعيه أبناء صهيون؛ وبذلك أعاد المسيحيون اكتشاف الجذور اليهودية للمسيحية.

وقد أُثر عن “مارتن لوثر” قوله في كتاب له نشر في سنة 1523م بعنوان (المسيح وُلد يهوديًّا): “لقد كانت مشيئته: أن يكون إنعامه على العالَم بالدِّين من خلال اليهود وحْدهم دون سائر البشر؛ لكن اليهود كانوا يمثِّلون أبناءه المحبَّبين لديه، وأمَّا نحن …” -وهو يقصد: أن المسيحيّين البروتستانت ليسوا إلّا ضيوفًا غرباء على مائدة اليهود”.

هذا الرأي سرعان ما تغيَّر على يد “مارتن لوثر”، وتراجع عن هذا الموقف، وسجّل تراجعه عن هذه الفكرة في كتاب له صدر عام 1544م بعنوان: (عن اليهود وأكاذيبهم). لاحظ معي عنوان الكتاب الأوّل: (المسيح ولد يهوديًّا)، الكتاب الثاني بعنوان: (عن اليهود وأكاذيبهم). صرّح “مارتن لوثر” في هذا الكتاب: “مَن ذا الذي يمنع اليهود من أن يعودوا إلى أرضهم في يهوذا؟ لا أحد. بل وإننا على أتمّ استعداد لأن نزوِّدهم بكل ما قد يحتاجونه في رحلتهم إلى أرضهم المقدسة”.

واقرأ معي هذه العبارة: “لمجرّد أن نتخلّص منهم، فهم عبء ثقيل ومصيبة حلّت بنا”. هذا تعبير “مارتن لوثر” للموقفين:

الموقف الأوّل يربط بين المسيحية واليهودية في كتابه: (المسيح ولد يهوديًّا). وموقف آخر يختلف تمامًا، على النقيض من الموقف الأوّل، ينادي فيه بضرورة التخلص من اليهود.

ولقد فطن “مارتن لوثر” حين اكتشف أنّ اليهود قد يكونون استطاعوا أن يؤثِّروا في حركة التاريخ قبل مجيئه إلى التاريخ؛ ولكن جعل من مهمّته تصحيح التاريخ الذي زيّفه اليهود، وأنه كي ما تتحقّق النبوءات التي يدّعونها ويكون المجيء الثاني للمسيح، ينبغي أن يكون تجمّع اليهود ليس في أوربا وليس في ألمانيا، وإنما هناك بعيدًا عن دولة أوربا كلّها. ولا بد من تحويلهم بعيدًا عن الأرض الألمانية، وعن الأرض الأمريكية أيضًا. لماذا؟ لأننا سوف نجد أن “مارتن لوثر” هذا قد تولّدت عن حركته تلك حركة تسمّى: “حركة الأطهار” التي هاجرت إلى أمريكا فيما بعد، والتي فسّرها البعض بأنها ميلاد جديد للدولة الأمريكية، كما أنّ هجرة اليهود إلى إسرائيل أو إلى فلسطين ميلاد جديد للدولة العبرية. وكان ذلك هو الحل الذي طرَحه بعض علماء اللاهوت، وهو عضو المجلس العمومي البريطاني السير “توماس برايتمان حين طرح في مطلع القرن العشرين ونادى به المتطهِّرون: أنه لا بد من أن نعمل على هجرة اليهود من ألمانيا وأوربا إلى أرض المعاد.

وهذا المعنى قد صرّح به الأصولي الصهيوني “وليم بليكستون” في كتابه الذي طبعه بعنوان: (المسيح قادم). وبات هذا الكتاب أشبه بالكتاب المقدّس للإنجيليِّين في أمريكا. ومن هذا التاريخ -تاريخ نشر هذا الكتاب الذي هو (يسوع آت) أو (المسيح قادم)- بدأت في أمريكا تتأسّس حركة بروتستانتية صليبية صهيونية تعمل على تجميع ما يسمّى بالصهيونية الصليبية تحت مضمار واحد في ربوع أمريكا. وعلى طريق هذه الجمعية -جمعية الصُّهيونية الصليبية- بدأت تتأسّس حركة جديدة في أمريكا كان لها أثرها البالغ الخطورة في مسار التاريخ الأمريكي إلى وقتنا الحاضر.

نجد أن (لوثر) إذًا تصدّر الدعوة إلى تجميع اليهود في فلسطين وإعطائهم الدّعم المسيحي لتعود فلسطين وطنًا لهم. فليس حبًّا فيهم -كما قلنا- وإنما محاولة للتخلّص من اليهود. كذلك نجد السبق الذي كان للبروتستانتية والإنجيلية التي تولّدت في أمريكا تعمل على تكوين ما يسمّى بالصهيونية اليهودية؛ وهو سبقٌ تاريخيٌّ اختلطت فيه التصورات والأهواء والعواطف والرموز الدينية؛ لتجعل لحركة التَّطهير التي هاجرت من أوربا إلى أمريكا ما يُمكن أن يسمّى بالرمز لعودة اليهود إلى أرض فلسطين. وبدأ البعض يقارن بين هجرة المتطهّرين من أوربا إلى أمريكا وهجرة اليهود من شتّى أنحاء العالم إلى إسرائيل، وكأنما هناك تاريخ مشترك بين تأسيس الدَّولتيْن؛ حتى إننا نجد أنَّ بعض رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية كـ”جيمي كارتر” مثلًا يعلن بصراحة: “إننا والشعب الإسرائيلي كلّنا من الشعوب المهاجرين الرُّوَّاد”.

هذه بعض الملامح عن هذه الحركة التطهيرية التي بدأت على يد “مارتن لوثر” في ألمانيا.

ونجد أنّ هذه الحركة بعد أن ترتّب عليها هجرة أوربية إلى أمريكا، بدأت نظرية جديدة تظهر في الأفق البروتستانتي؛ هذه الفكرة مضمونها أو ملخّصها: أن السيد المسيح سوف يظهر في الألفية الثالثة لِيحكم العالَم، وأنّ هذا الظهور سوف يكون على أرض فلسطين، ولن يتمّ هذا الظهور إلّا بعد إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين. نظرية تسمّى: النظرية الألفية، أو نظرية المُلك الألْفي.

بدأت هذه النظرية تأخذ ظهورًا تاريخيًّا شيئًا فشيئًا في بعض الكتابات البروتستانتية، وهي تعني -مضمونها يعني: أنه عندما يجتمع اليهود من الشّتات في أرض فلسطين، ستقوم معركة عالمية بين قوى الخير والشر، ويعود المسيح لتنتصر قوى الخير، ويقيم مملكته على الأرض، والتي ستدوم ألْف عام، مع خلاف بين المسيحيين بعضهم مع بعض؛ إذ يعتقد بعضهم أنهم ليسوا مطالبين بالعمل لعودة اليهود من الشتات إلى فلسطين حتى يتحقق الملك الألفي؛ لأن هذا سوف يحدث من وجهة نظرهم بفعل إرادة الله، ودون تدخّل من أحد. وكان هذا أصل ظهور نظرية المُلك الألفيِّ.

لكن بعد نكبة أو بعد حرب يونيه 1967م قُلبت الموازين. ومن الأهمية بمكان ونحن نحاول الوقوف على هذا الدور الذي لعِبَتْه الصهيونية البروتستانتية في تمكين الصهيونية العالمية من تنفيذ مشروعها فيه على مستوى العالم العربي -بالذات في فلسطين- نجد أنّ إسرائيل رفعت مظلّة الحماية البالغة الشَّراسة التي حمَل لواءها الشعبُ الأمريكيُّ والسياسة الأمريكية ممعِنةً في العنف الدموي، فوق تلك المظلة التاريخية مستعينة بهذه النبوءة والترويج لهذه النبوءة، حتى إنَّه من الأهمية بمكان، ونحن نحاول أن نُظهر أثر هذه النبوءة، نجد أن هناك منطلقات كثيرة جدًّا في مواقف الصهيونية المسيحية في أمريكا.

 وفي محاولة لتفسير النشاط البروتستانتي الصهيوني في أمريكا، نجد أنَّ زعماء هذه الحركة إذا تكلّم الواحد منهم، فإنه يتكلم وكأنما يُخبرنا عن الله، أو يتكلّم بصوت الله، أو يُسمعنا صوت الله، وأنّ سُلطته مستمدّة من الله، وأنه حين يتكلّم عن هذه النبوءة فإنما يخبرنا أيضًا بوعْد الله، وكأنما قضيّة النبوءة الواردة في التوراة أصبحت تأخذ وضْعها الطبيعي بين كتّاب اللاهوت البروتستانتي كما أنّ نبوءة الشعب المختار ونبوءة الوعد بالأرض لفلسطين أخذت أيضًا تأخذ مكانها في كتابات بعض مفكِّري اللاهوت اليهودي. وبدأ البعض يقارن بين النبوءتيْن: أسطورة الوعد بالأرض وأسطورة الشعب المختار، بأسطورة النبوءة الإلهية الواردة في التوراة بعودة المسيح ليحكم العالم من أرض فلسطين، وأنّ هذه العودة لا تتم إلّا بعد قيام دولة إسرائيل.

ولذلك نجد أنه قد ازداد ميل المهاجرين الأوربيِّين المسمّيْن بالأطهار أو المتطهِّرين، أو المخلصين، أو سمِّهم ما شئت فإن كل هذه الأسماء تتردّد حول الذين هاجروا من أوربا ليسكُنوا أمريكا تحت حركة التَّطهير التي قام بها “مارتن لوثر”، ازداد ميلُهم إلى إسباغ الهوية اليهودية على أنفسهم. بدءوا يتخلَّصون من الفكرة الكاثوليكية التي تميل إلى اعتبار أن اليهود قتَلة الرب. بدءوا يتخلّصون من هذه الفكرة تمامًا، بل أكثر من هذا: ازداد ميْلهم إلى أن يُسبغوا على أنفسهم الهوية اليهودية، وإن شئت اليهوديَّة الصهيونيَّة إلى حدِّ أنهم أقنعوا أنفسهم بأنهم العَبرانيون الحقيقيُّون، وأنهم شعب الله المختار فعلًا. وفي اقتناعهم بذلك ذهبوا إلى حدّ التخلي عن مبادئ الرحمة والاعتدال والمغفرة، في صوْغهم لطريقة حياتهم الخاصة والتي نزل بها المسيح عليه السلام لطريقة أخرى أضافتها عليهم ميولُهم إلى الحياة العبرانية.

هذا ما نجده واضحًا في سلوك هؤلاء المتطهِّرين في هذه الفترة من التاريخ: انتقال من سلوك وحالة اجتماعية وانتماء دينيّ، إلى انتماء آخر وسلوك آخر وهويّة أخرى. ولذلك لا نعجب أن نجد أنّ هؤلاء قد أطلقوا على أنفسهم أو أطلق عليهم المؤرِّخون اسم: “الصهيونية الصليبية”. البعض يسمّيهم: “الصهيونية المسيحية”، لكنني أرفض هذا؛ لأن المسيحية الصحيحة ترفض ما عليه هؤلاء.

هذا الميْل والولاء الذي بدأ يظهر شيئًا فشيئًا في سلوك ما يسمّى بالمتطهّرين إلى الحركة الصهيونية والشعب الإسرائيلي -هو الذي يفسِّر لنا أن كتابات الساسة الإنجليز عمومًا من القرن التاسع عشر بدأت تأخذ لونًا من التعاطف مع اليهود ومع الحركة الصهيونية، كما نجد دعوة عالمية لإعادة اليهود إلى فلسطين تتردّد في كتابات الساسة الإنجليز. هذه الاتجاهات التي ظلّت تعمل عملها إلى أن ولدت لنا وعد “بلفور” 1917م، والذي يحلِّله المؤرِّخون للحركة الصهيونية بأن “بلفور” هذا نفسه قد تربّى في أيام صباه على دراسة العهد القديم تحت دفْع حثيث من والدته المتديِّنة تدينًا عميقًا، والذي ينتمي إلى أسرة من المتطهّرين الذين آمنوا بالولاء للفكرة الصهيونية.

هكذا نرى الأطهار رأوا أنّ أمريكا أيضًا بالنسبة لهم هي أرض الميعاد التي هاجروا إليها؛ بل إنهم كانوا يروْن أنهم هم الكنعانيون الجُدد على أرض أمريكا؛ لذلك كانت هجرتهم الأولى تحمل معها نزعة عبرية ظهرت آثارها في الحضارة الأمريكية الأولى في هذا العهد. هذه الحضارة التي بُنيت أصولها على أفكار مسيحية يهودية التراث. لماذا؟ لأنه قد رأى المتطهّرون الأوائل أنّ أمريكا هي أرض الميعاد، وفسروها هذا التفسير، أي: هي الأرض التي سيقيم فيها الله، ويقيم فيها وطنًا ومملكة للخير، وهم روادها -أي: الأطهار.

وهذه الرؤية الدينية هي التي جعلت من الأرض الأمريكية أرضًا لها طبيعة دينية خاصة، وهي التي جعلت المهاجرين الأوائل من الأطهار يتميّزون بحالة إيمانية خاصة. فأرض الميعاد هي لأصحاب الميعاد، كما أن أرض التوراة لأصحاب التوراة؛ لذلك بدأ يظهر بين الأمريكيِّين الأصوليِّين الأوائل شعور بأنهم شعب الله المختار، أو شعب مميّز، أو شعب أرقى من بقية الشعوب. وهذا الشعور ما كان له أن يتأكّد إلا من خلال التّوحّد مع الثقافة والحضارة اليهودية كتصوّر لما جاء في الكتاب المقدس، وكشعب يوجد بالفعل. لقد رأى الأطهار الأوائل من أنفسهم شعبًا يهوديًّا جديدًا، أو هو امتداد للشعب اليهودي الذي يبحث عن وطن له.

في هذا المناخ، نستطيع أن نقول: إنَّ الجذورَ الأولى للمجتمع الأمريكي هي التي تأثّرت بهذا الفكر اليهودي الجديد إلى حد كبير، ممّا جعل المجتمع الأمريكي مخترَقًا من قِبل الفكرة اليهودية. وهذه العبارة: “مخترَقًا من قِبل الفكرة اليهودية” تكرّرت في كتابات كثير ممّن أرّخوا للحركة الصهيونية. يقولون: إن المجتمع الأمريكي أصبح مخترَقًا من قِبَل الفكرة الصهيونية والفكرة اليهودية. وفي بداية نشأة المجتمع الأمريكي رحّب الأمريكيون الأطهار بقدوم اليهود، ووجدوا فيهم شعبًا يُماثلهم أو أمّة تُماثلهم. فهم مهاجرون إلى أمريكا، واليهود مهاجرون أيضًا إلى أمريكا. وتوجَّهوا بشيء من التبشير البروتستانتي في هذا المجتمع اليهودي الجديد. ولعلّ المعنى يكون واضحًا من وراء ذلك. فهو تعبير عن رغبة عميقة للتوحّد بين الأصولية الأمريكية اليهودية والأصولية البروتستانتية التي تمثّلت في قدوم الأطهار إلى هذه المنطقة.

وأيضًا هو توحّد فكري يتوّج بتحوّل اليهود إلى المسيحية، والمسيحية البروتستانتية إلى اليهودية، وتصبح أمريكا في هذا الوقت من التاريخ هي أرض الميعاد لكلّ من اللّونيْن، ويصبح اليهود والأصوليون الأمريكيون هم شعب الله المختار معًا. إلى هذا الحدّ كانت التحليلات العلمية لظاهرة قدوم الأطهار أو المتطهّرين من أوربا وهجرة بعض اليهود إلى هذه المنطقة من العالم، ومحاولة التوحد فكريًّا وثقافيًّا وعقائديًّا بين المتطهرين القادمين من أوربا واليهود المهاجرين إلى أمريكا.

ومع مرور الوقت كان يتّضح أن ما كان الأطهار الأوائل ينظرونه بعين لم يتحقّق؛ فقد أصبحت أمريكا دولة لا دينية يسود فيها الفكر الليبرالي الإلحادي، عكس ما كان يرجو المتطهرون في بداية عهدهم بأمريكا.

ولعلنا نجد أنه في منتصف القرن العشرين، ظهر في هذا المجتمع نوع أطلق عليه المحلّلون اسم: “الرجاء الجديد” أو “أرض المعاد الجديدة”. فالرجاء هو: عودة اليهود إلى فلسطين، وأرض الميعاد هي: فلسطين، ولكنها أرض رمزية لن يرحل إليها الأمريكيون بل يرحل لها اليهود، فتحلّ بركات المعاد على أرض أمريكا، ويتوحد الأصوليون مرة أخرى مع اليهود. كيف؟ نجد أنه منذ نهاية الحرب العالمية الأولى بدأ -لا نقول: اللوبي الصهيوني وإنما- الأصولية الصهيونية الصليبية بدأت تحت ما يسمى بـ “رجاء العودة” تعمل على دفع أصحاب القرار السياسي شيئًا فشيئًا إلى العمل على ميلاد دولة فلسطين، خاصة أنها قد خرجت من الحرب العالمية الأولى منتصرة، وبدأت تتولّى زمام الأمور على مستوى العالم، فبدأت الأصولية الصهيونية الصليبية البروتستانتية تعمل تحت ما يسمّى بعامل الرجاء بعودة اليهود إلى أرض فلسطين، والعمل على لمّ شتات اليهود من أنحاء العالم إلى هذه الأرض المقدَّسة. ويحدث في هذا الرَّجاء نوعٌ من التوحُّد مرة أخرى بين المتطهّرين أو البروتستانت أو الصليبية الصهيونية والصهيونية اليهودية من جانب آخر. تتمثَّل هذه الوحدة في ماذا؟ في أنّ الشعب الأمريكي يتأثّر بدعوة البروتستانت في مساعدة اليهود لإقامة دولتهم، فتحلّ عليهم البركة وتكون أرض المعاد الجديدة -التي هي فلسطين- أشبه بأرض الميعاد القديمة التي حلّ بها المتطهرون من قبل. ويصبح شعب الله المختار هو الشعب اليهودي الصهيوني الذي حلّ بأرض فلسطين، كما كان شعب الله المختار هو التوحد الصهيوني الصليبي الذي تمّ على أيدي الأطهار أو المتطهرين، وعلى يد اليهود منذ قرن أو أكثر من قرن من الزمان.

هذا الانتماء الصهيوني قد سرى في طريقة الحياة الأمريكية، وتسلّل نسيجها بعد ظهور قضية الرجاء، وأخذ هذا الولاء يظهر أثره شيئًا فشيئًا في جميع القرارات الأمريكية التي تتعلّق بالشرق الأوسط. ويُفصح عن مدى ذلك التغلغل: ما أظهره الجمهور الأمريكي العريض من تحمّس بالغ للانتداب البريطاني على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، ثم إدانة أمريكا العالمية لصوت وسياسة بريطانيا في فترة ما بين الحربين تجاه فلسطين. كلّما بدا أن تلك السياسة خرجت عن خط وعد “بلفور”، وقفت لها أمريكا بالمرصاد.

ثم جاء عام 1967م، فمثّل تاريخًا جديدًا له دلالة خاصة في الظاهرة الدينية في أمريكا بالذات، خاصة في فكر جماعة الصهيونية الصليبية البروتستانتية بالذات؛ لأن هزيمة العرب في 1967م قد أدّت إلى تحول الأصولية الإسلامية من تيّار نخبوي قليل العدد إلى تيّار شعبي عمّ المسلمين قاطبةً. وأصبحت الجماعات الإسلامية بديلة عن الحكومات الإسلامية في نظر الشعوب. وأدّى الانتصار بالنسبة لإسرائيل إلى تقوية الأصولية اليهودية؛ إذ فسّرت هذا الانتصار بأنه دليل على أن الله معها، وأنّ عوامل التاريخ التي تُمهّد لنزول المسيح في إسرائيل قد بدأت بوادرها، وأنّ الأصولية الصهيونية الصليبية في أمريكا قد بدأت تَجني ثمرات النبوءة التي بشّرت بها في أمريكا وهي النبوءة القائلة بأن المسيح سوف ينزل ليحكم العالم من أرض فلسطين.

كما أدّى انتصار إسرائيل إلى دعم أفكار الأصولية المسيحية في أمريكا من جانب آخَر، ومنها إلى العالم كلّه. هذه الأفكار المتعلقة بعودة اليهود، وانتصارهم تمهيدًا لقدوم المسيح عليه السلام ممّا غلّب التيار المتطرف الصهيوني في فلسطين وفي أمريكا، وجعل صوته عاليًا ومؤثرًا في القرارات السياسية الأمريكية بل والأوربية أيضًا.

وهناك عامل آخر ترتّب على انتصار إسرائيل في 1967م: أنه فتح الطريق لازدهار الصهيونية المسيحية أو الصهيونية الصليبية؛ فقد قارن الشباب الأمريكي بين هزيمتهم في فيتنام مثلًا وانتصار اليهود في 1967م، وفسّروا ذلك بأن الله لم يكن معهم في فيتنام لكنه كان مع اليهود في 1967م لأنهم شعب الله المختار.

وفي عام 1970م نجد أنّ بعض المفكّرين الصهيونيين كتب كتابًا بعنوان (الراحل كوكب الأرض العظيم)، وبعد عشرين سنة من الطبعة الأولى لهذا الكتاب وصلت مبيعات هذا الكتاب إلى أكثر من 18 مليون نسخة. وبذلك يمكن أن يقال: إنّ هذا الكتاب كان أكثر الكتب رواجًا في أمريكا في هذه الفترة بالذات. لماذا؟ لأن الكتاب أخذ يشرح تاريخ العالم من وجهة نظر عقائدية بحتة، وهذه النظرة العقائدية هي نظرة صهيونية صليبية بروتستانتية مائة في المائة.

فهو أخذ يشرح ماضي التاريخ في ضوء الاتفاق التام مع نبوءات الكتاب المقدس بعهديْه: العهد القديم، والعهد الجديد. ومن ثمّ يمتد بالتاريخ من الماضي إلى المستقبل، ليُقنع العالم أنّ ما سيحدث في المستقبل سوف يكون أيضًا طِبقًا لنبوءات الكتاب المقدس بحسب فهْمه لها. لماذا؟ لأنّ ما تنبّأ به الكتاب المقدس وقع في الماضي.

إذًا ما جاء في الكتاب المقدس من نبوءات تتعلّق بالماضي سوف يقع في المستقبل أيضًا. يقيس المستقبل على الماضي؛ وهذا من وجهة نظره. والرؤية التاريخية التي عرض لها المؤلف في مجملها تدور حول قوى الشر وقوى الخير في العالم، وكيف سيبدأ العدّ التنازلي لنهاية العالم من خلال تجمّع اليهود من الشتات في دولتهم في فلسطين، ثم تتجمّع قوى الخير ممثَّلة في أمريكا لتحارب قوى الشر العالمي في معركة عالمية تسمّى معركة “هرمجدون”. وفي هذه المعركة تنتصر قوى الخير على قوى الشر. ثم يأتي المسيح ليحكم العالم كلّه لمدّة ألْف سنة.

وخلال صفحات هذا الكتاب، يتعرّض المؤلف إلى الدول المختلفة ليصنِّفها: إمّا تنتمي إلى محور الخير أو إلى محور الشر. فروسيا مثلًا ضِمن قوى الشر، والعرب والمسلمون قاطبةً ضِمن محور الشر؛ ولذلك فإنّ انتصار إسرائيل في حرب 1967م يمثِّل في نظر المؤلّف جزءًا من الخطة الإلهية لانتصار قوى الخير، وقيام إسرائيل الكبرى من النِّيل إلى الفرات ليتجمّع فيها كلّ شعب الله المختار حتى عندما تقوم الحرب الأخيرة ويموت فيها أغلب اليهود حسب رواية يوحنا اللاهوتي، وحسب النبوءة الواردة في التوراة التي تقول: “لا يبقى من اليهود سوى 144000 لا يزيدون ولا ينقصون”.

حين يحدث هذا، يأتي المسيح ويعطي لشعبه المختار المتبقِّي فرصة أخيرة حتى يقبلوه كمخلِّص للعالم. فاليهود إذن في النهاية هُم شعب الله المختار، وهم الذين يأتي إليهم المسيح ليؤمنوا به، وعن طريقهم يخلص العالم من كل الشرور. ومن هنا يصل المؤلف إلى أن اليهود كشعب مختار قد ضل الطريق، ولكن الله لم يتخلّ عن شعبه المختار؛ لذلك تظلّ له مكانة خاصة، وتظلّ له ما يسمِّيه بالفرصة الأخيرة؛ لأنّ كل قوى الشر سوف تتحطّم في معركة “هرمجدون”، ويذهب الأشرار إلى الجحيم. وكل من رفض المسيح كمخلص للعالم يذهب إلى الجحيم، أمّا شعبه المختار الذي رفضه أولًا وأعطاه الرب فرصة أخرى حتى يَقبله فهو الذي ينزل إليه المسيح ليأخذ بيده ويقود العالم نحو الله مرة ثانية.

هذه أفكار بعض الصهيونيين الذين كتبوا في ضوء النبوءات الواردة في التوراة حول تاريخ العالم الماضي والمستقبل. ومن العجيب: أن بعض الساسة الأمريكان كان يؤمن بهذه النظرية؛ فوجدْنا مثلًا: الرئيس “رونالد ريجان” كان من أنصار الصهيونية المسيحية أو الصهيونية الصليبية المتحمِّسين لهذه النبوءة المؤمنين بها والمصدِّقين بها. فقد قرأ هذا الكتاب وتأثّر به تأثّرًا شديدًا. وقد صرّح الرئيس “ريجان” لجريدة “الواشنطن بوست” في 18 أبريل سنة 1984م بأنه كان يشعر عند الانتخابات بأن المسيح يأخذ بيده، وأنه سوف ينجح ليقود معركة “هرمجدون” التي يعتقد أنها ستقع خلال الجيل الحالي في منطقة الشرق الأوسط.

لا تعجبوا! بل أكثر من هذا عجبًا، بل لعلّه من الطريف: أنه في الوقت الذي ظهر خبر في الصحافة المصرية يقول: إن أحد سياسيِّي البيت الأبيض، كشف في مذكراته أن: “نانسي ريجان” حرَم الرئيس “ريجان” كانت تستشير عرَّافة في نفس هذا الوقت، كانت هذه العرافة والتي ليس لها إلّا نصيب من التبشير بالأصولية المسيحية، كانت تأخذ عطاءها من البيت الأبيض وتقيم حفلاتها التعبدية داخل أحد الفنادق الكبرى في القاهرة. ولم يلفت أحد إلى هذه المقابلة الطريفة التي تمّت برغم ما فيها من دلالة. فزوجة رئيس أكبر دولة في العالم تحدِّد لزوجها طريقه من خلال الرؤى والنبوءات الدينية، ومن خلال مواعظ امرأة أصولية بروتستانتية كان لها شرف إرشاد الرئيس وسيّد البيت الأبيض إلى القرارات التي يجب عليه أن يتّخذها بشأن قضية الشرق الأوسط.

وكان الرئيس “ريجان” يطلق على الاتحاد السوفيتي لقب: “إمبراطورية الشر”، وكان يتمنّى أن يقضي على هذه الإمبراطورية وهو في الرئاسة. وهذا التعبير ليس مجرّد وصف؛ بل هو سرد كامل للنبوءات، وانتظار لتحقيق هذه النبوءات، وهو نفس التفسير الذي قال به “ريجان”؛ فإن إمبراطورية الشر هي التي ستقود كل قوى الشر من العرب والمسلمين، وتزحف حتى منابع البترول وتصل إلى أرض فلسطين، وهناك سوف تقابل أمريكا في معركة حامية الوطيس، أمريكا التي هي شعب الله المختار التي تقود كلّ قوى الخير لتقضي بها على كل قوى الشر الذي هو الاتحاد السوفيتي وما معه من الدول العربية والدول الإسلامية.

ولكن -والحمد لله- سقط الاتحاد السوفيتي قبل أن تقوم هذه المعركة لأبيِّن لكم -أيها الإخوة- مدى شناعة الأساطير التي أسّست عليها الفكرة الصهيونية؛ وبالتالي قامت على أساسها الدولة الإسرائيلية على مرأى ومسمع من العالم كلّه. ولكن سقوط الاتحاد السوفيتي لم يجعل “ريجان” يتوانى عن استعداده لخوض المعركة الكبرى في “هرمجِدون”؛ فهي ليست الأمل الذي يمكن التنازل عنه؛ لأنَّها انتصار لقوى الخير العالمية على قوى الشر العالمية. وكان سقوط إمبراطورية الشر في نظر “ريجان” يعني ضياع الحلم الذي كان يعيش من أجْله، أو الذي كان يراود نفسه بأن يعيشه عملًا وواقعًا كما عاشه نظريًّا. ولكن كان سقوط هذه الإمبراطورية -التي هي إمبراطورية الشر روسيا- كان انتصارًا مرحليًّا لقوى الخير قبل وقوع معركة “هرمجدون”، فإذا كانت الإمبراطورية الكبرى للشرق قد سقطت فهذا لا يعني من وجهة نظرهم أن الحرب لن تقع، لا، هم يؤمنون بأنها واقعة لا محالة ونحن وهُم في انتظارها. وإلى أن تقوم معركة “هرمجدون” بين قوى الخير التي تدَّعي أمريكا أنها تمثِّله وقوى الشر التي تصنِّف أمريكا أنها تشمل العالم الإسلامي كلّه، نحن في انتظار هذه المعركة، وربما كان المأزق الذي تعيشه أمريكا في العراق هو البداية الطبيعية للهزيمة الكونية التي بدأت تعيشها أمريكا من الآن، وبقية الهزائم آتية إن شاء الله.

error: النص محمي !!