Top
Image Alt

علاقة الفروق الفردية والقدرات العقلية بالتوجيه والإرشاد

  /  علاقة الفروق الفردية والقدرات العقلية بالتوجيه والإرشاد

علاقة الفروق الفردية والقدرات العقلية بالتوجيه والإرشاد

تدل اختبارات الذكاء على أن معدل ذكاء البنين والبنات متساوٍ، ومع ذلك؛ فإن مدى قدرة البنين أعظم من قدرة البنات، ولهذا السبب نجد في نهايتي مقياس الذكاء عددًا كبيرًا من الأولاد البارزين.

إن أعظم الفروق الموجودة بين الجنسين: هي التي تتصل بالخصائص الجسمية؛ كالطول، والوزن، والقوة. والنساء من ناحية ذهنية أكثر تعرضًا للتمييز الحسي من الرجال.

ولكن كلما انتقلنا من هذه العمليات الذهنية البسيطة إلى عمليات معقدة، كالاستدلال؛ تجنح الفروق إلى الانحسار والتناقص، إلى أن تتلاشى شيئًا فشيئًا.

وبقدر ما يتعلق الأمر بالتعليم نجد أن الفروق المزاجية، والفروق في الاستعدادات الخاصة، أهم الفروق كلها؛ فالانفعالات غير العدوانية، والدقة، والخنوع، والخوف؛ أشد بروزًا ووضوحًا في البنات، بينما نجد الانفعالات العدوانية، وحب التسلط، والاعتداد بالنفس، والغضب أشد وضوحًا عند البنين منها لدى البنات، وقد يكون من أسباب ذلك: تعرض الأولاد من ملابسات الشوارع والجنوح أكثر من البنات. وليس هذا هو السبب الوحيد طبعًا؛ فعلينا أن نأخذ بنظر الاعتبار انشغال البنات في واجباتهن المنزلية التي تحول دون ارتيادهن للشوارع، كما يفعل البنون.

والبنات أكثر قدرة على تعلم اللغة، أكثر من البنين، والبنون أكثر تفوقًا في القدرة الرياضية، والميكانيكية من البنات، إلا أنه لا تزال معرفتنا بهذه الفروق في الاستعدادات والأولاع قليلة؛ فلا نعرف ما إذا كانت تعود إلى عوامل فطرية، أم إلى عوامل مكتسبة ناتجة عن الفروق التقليدية في الألعاب والمهن التي يمارسها ويتعاطاها البنون والبنات.

فلا تربية إلا حينما نعرف بدقة أوجه الفروق الفردية بين البنين فيما بينهم، وكذلك بين البنات فيما بينهم، وكذلك أهم الفروق بين البنين والبنات، حتى نحسن إعدادهم جميعًا، وتربيتهم التربية السليمة النافعة لأنفسهم، ووطنهم، ومجتمعهم، ودينهم.

ولذلك يقول الإمام الأصمعي رضي الله عنه: “لا يزال الناس بخير ما تباينوا”. إذن فالتباين والاختلاف والفروق مَعلم أساسي؛ فطر الإنسان عليه وتأتي البيئة لتكسب أو تزيد هذا الأمر، أو تقلل منه، والفروق الفردية ليست مرتبطة بالعملية التعليمية فحسب، بل أيضًا مرتبطة بالتوجيه المهني؛ فينبغي عندما نوجه أبناءنا لتخصص معين، قد لا يكون ملائمًا لهم، وقد لا يكون مناسبًا لقدراتهم العقلية والمهنية بعد ذلك؛ فينبغي أن نراعي هذا الأمر، فنقول:

إن أهمية الفروق الفردية لا تظهر في نطاق المدرسة فحسب، بل تظهر كذلك بعد انتهاء مرحلة الدراسة، وعند قيام الطلاب المتخرجين بالبحث عن عمل يضعهم على درب الحياة، فإذا ما أرادوا أن ينشئوا نشأة منسجمة؛ فينبغي أن تكون المهن التي يختارونها ملائمة لهم من ناحية جسمية وعقلية ومزاجية، أسوة بالفعاليات المدرسية التي كانوا يمارسونها، ومعنى هذا: ينبغي أن يؤدوا أعمالهم بأنفسهم ولأرباب العمل أداءً ينم عن رضًا وقناعة؛ إذ يصعب على أي إنسان أن يمارس مهنة لا يرتضيها، بل ربما تستحيل ممارستها على هذه الشاكلة. ومن فعل ذلك فقد يصبح عاملًا فاشلًا، بل قد يصبح مواطنًا عاجزًا وشخصًا شقيًّا وتعسًا في حياته.

من أجل ذلك كان لا بد لكل إنسان أن يختار نوع العمل الذي يمارسه اختيارًا حسنًا، ومن هنا تأتي أهمية التوجيه المهني؛ إن كثيرًا منا إذا كان طبيبًا -على سبيل المثال- يريد من أبنائه جميعًا أن يكونوا أطباء، إذا تخلف أحدهم عن أن يكون طبيبا اعتبره وسط أخوته متخلفًا.

لا ينبغي أن ننظر إلى أطفالنا أو أولادنا هذه النظرة؛ فكل منهم لديه استعدادات وقدرات مختلفة، ومهمتنا أن نوجه هذه الاستعدادات نحو الغاية الكبرى، والاستفادة من الطاقة الموجودة لدى الإنسان، كما أودعت فيه من قبل الله عز وجل وحبًّا في تثمين قيمة التوجيه المهني، لا بد من متابعة الوظائف التي يتقلدها الشباب، وتعتبر هذه المتابعة قسمًا أساسيًّا من عمل موظفي مكتب الاستخدام، ولقد أجريت دراسات منظمة حول الموضوع، حيث تناولت إحدى الدراسات مائة طالب من خريجي إحدى المدارس، حيث حاول بعض المختصين الذي أجرى هذه الدراسة معرفة مدى النجاح أو الفشل الذي رافقهم بعد مرور سنتين من تخرجهم، ولم تتوافر المعلومات إلا عن اثنين وثمانين متخرجًا فقط، فظهر أن تسع وأربعين واحدًا منهم، قد التزموا بالتوصية التي قدمها الأخصائيون حول المهن التي تناسبهم، وأخفق ثلاث وعشرون بالتمسك بها لسبب أو لآخر.

كما أظهرت إحدى الدراسات التي أجريت لمعرفة مقدار التنقل الذي يصيب كل فئة من أصحاب المهن والأعمال، أن التنقل كان أكثر بين الناس الذين لا يلتزمون بالتوجيه المهني، وبالتالي كان التبرم والسخط أكثر بين صفوفهم.

ومن ثم ينبغي أن نهتم بعملية التوجيه المِهَنِي، حتى لا نقدم أولادنا على مهنة قد لا توافق استعداداتهم وميولهم وفروقهم الفردية، وينبغي أن نوجههم حسبما يتوافق مع تلك القدرات والأمزجة النفسية، والمهارات العقلية لكل فرد على حدة – وسيأتي تفصيل ذلك.

error: النص محمي !!