Top
Image Alt

علاقة المقاصد بالتعليل عند ابن عاشور

  /  علاقة المقاصد بالتعليل عند ابن عاشور

علاقة المقاصد بالتعليل عند ابن عاشور

1. تعريف التعليل: علاقة المقاصد بالتعليل عند الطاهر ابن عاشور كما بيَّن ذلك الأستاذ إسماعيل الحسني في كتابه (نظرية المقاصد عند ابن عاشور)؛ فالتعليل يُشكل موقفًا نظريًّا يُؤسّس التفكير التشريعي؛ لأن البحث عن العِلة كشفٌ للأساس الذي لاحظه الشارع في تشريع الأحكام. انبنت نظرية ابن عاشور -رحمه الله- في المقاصد على ضرورة التسليم بالبحث عن ذلك الأساس، دون أن تنظر في الكيفية التي تثبت بها علل الأحكام، تاركة هذا النظر بالإحالة إلى مسالك العلة كما بسطها علماء الأصول. يلتمس الباحث بعض معانيه في جملة من الاستعمالات اللغوية لمادة علل، ومنها ما يأتي: علَّ الرجل يعل من المرض أي: يشكو بسبب المرض، كما يقال: هذا علة لهذا، أي: سبب له، واعتلَّ: إذا تمسك بحجة من الحجج، وأعله إذا جعله ذا علة، وتكشف هذه الاستعمالات عن بعض مظاهر المعقولية التي ترافق استعمال مادة علل في اللغة العربية، من بحث أسباب أو التماس حجج واستدلالات، أو تجلية أسرار تستشف أيضًا هذه المظاهر في كثير من الأحكام الشرعية المنصوصة في كل من القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، قال تعالى: {إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ}(90) {إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مّنتَهُونَ} [المائدة: 90، 91]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لو لا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة))،. 2. دور التعليل في عقلنة التفكير التشريعي: تفيد هذه النصوص الشرعية الأساس المصلحي الذي يقصده الشارع من أحكامه، وهو ما أدركه كامل الإدراك الفقهاء الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعيهم، إن هذا الأساس شامل للحكم والمصالح التي يثمرها تنفيذ أحكام الشريعة في الخلق، يمثل ذلك الأساس عند ابن عاشور وجهًا من أوجه المعقولية التي توجد في الأحكام المنصوصة، وقد اصطلح على تسميتها بالمعقولية التشريعية، التي اهتمَّ بها كلٌّ من القرآن الكريم والسُّنة النبوية، اهتمامًا يربو نظير الاهتمام بالمعقولية الاعتقادية، يوضح ابن عاشور سبب ذلك في قوله: ووجه ذلك أن دلائل الأمور الاعتقادية أدخل في الفطرة وأوضح في الدلالة، فكانت دعوة عامة الأمة إليها متيسرة، بخلاف دلائل التشريع، فإنها تخالف دلائل الاعتقاد من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنها أخفى دلالة، وأدق مسلكًا إلى الفطرة، فلا تتأهل لإدراكها جميع العقول. الوجه الثاني: أن المقصد من مخاطبة الأمة بالشريعة وامتثالهم إليها، أن يكون عملهم بها كاملًا، وهذا المقصد لا يناسبه وضع الشريعة للاستدلال بالنسبة لعموم الأمة. الوجه الثالث: أن المخاطبين بالشريعة هم الذين استجابوا للإيمان وصدَّقوا الرسل، فدلنا هذا على أن الطريق الموصل إلى إيمانهم طريق استدلال، والطريق المساير لهم بعد إيمانهم طريق تسليم وامتثال. تدل الوجوه الثلاثة بحسب ابن عاشور على دعوة مُلحة إلى أن يكون تفكيرنا في الشريعة تفكيرًا عقلانيًّا، واستجابة لهذا الوضع الدلالي الذي صيغت في إطاره أحكام الشريعة المنصوصة يشكل التعليل أساسًا ممتازًا للتفكير التشريعي؛ لأنه في الحقيقة استجلاء لمراد الشارع من الحكم. 3. موقف ابن عاشور من التعليل: أولًا: موقف ابن عاشور إزاء منكري التعليل: ينسب ابن عاشور القول بإلغاء التعليل إلى الظاهرية، ممثلين في ابن حزم، فالقول بأن إنكار التعليل عند بعض علماء الأصول، كان تحت تأُثير كبير لمذاهبهم الكلامية في مسألة تعليل أفعال الله تعالى وتعلقها بالأغراض، ينبني على أسبقية قواعد علم الكلام على قواعد علم الأصول، في حين يرى بعض الباحثين العكس. فيقول الدكتور النشار: إن المسلمين بحثوا في المسائل العملية، وفي وضع مناهج لتلك المسائل قبل أن يبدءوا البحث في المسائل الاعتقادية النظرية، وتلمس منهاج لها، ومهما يكن من أمر المنكرين للتعليل من علماء الأصول، فإن الدليل الذي استندوا إليه كان محل نقد عند ابن عاشور، أصور هذا الدليل من خلال نص ابن السبكي -رحمه الله- يقول فيه: “قالوا لا يجوز أن تعلل أفعال الله تعالى؛ لأن مَنْ فَعَلَ فَعَلَ لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواء كان الغرض يعود إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك يكون نقصًا في نفسه مستكملًا في غيره، ويتعالى الله سبحانه وتعالى عن ذلك”، كانت أسس هذا الدليل محل انتقاد من لدن ابن عاشور في قوله: والحاصل أن الدليل الذي استدلوا به يشتمل على مقدمتين سفسطائيتين: أولهما: قولهم: إنه لو كان الفعل لغرض، للزم أن يكون الفاعل مستكملًا به، وهذه سفسطة، شبه فيها الغرض النافع للفاعل بالغرض بمعنى الداعي إلى الفعل، والراجع إلى ما يناسبه من الكمال لا توقف كماله عليه. الثانية: قولهم: إذا كان الفعل لغرض، كان الغرض سببًا يقتضى عجز الفاعل، وهذا شبه فيه السبب الذي هو بمعنى الباعث بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، وكلاهما يطلق عليه سبب. لكن يبقى إشكال إنكار التعليل في علم الكلام والاعتراف به في الممارسة الاستدلالية للفقه، وفي التنظير لها إشكالًا حاضرًا، الأمر الذي استدعى بعض العلماء إلى رفعه، ومنهم على سبيل المثال: ابن الهمام، الذي قال: “والأقرب إلى التحقيق أن الخلاف لفظيٌّ مبنيٌّ على معنى الغرض، فمن فسَّره بالمنفعة العائدة إلى الفاعل قال: لا تعلل، ولا ينبغي أن ينازع في هذا، ومن فسره بالعائدة إلى العباد قال: تعلل، وكذلك لا ينبغي أن ينازع فيه، ويبدو أنه عين التفسير الذي وجه به أيضًا ابن عاشور الإشكال، إلا أنه يعود لينبه القارئ على الأسباب الحقيقة لهذا الإنكار، والتي تتحصل في الابتعاد عن مواقف المعتزلة من الصلاح والإصلاح”. قال ابن عاشور: “ويترجح عندي أن هذه المسألة اقتضاها طرد الأصوليين في المناظرة، فإن الأشاعرة لما أنكروا وجوب فعل الصلاح والأصلح، أورد عليهم المعتزلة أو قدّروا هم في أنفسهم أن يُورد عليهم أن الله تعالى لا يفعل شيئًا إلا لغرض وحكمة، ولا تكون الأغراض إلا المصالح، فالتزموا أن أفعال الله تعالى لا تُناط بالأغراض ولا يُعبر عنها بالعدل”. ويستلزم إنكار الظاهرية للتعليل في نظر ابن عاشور، نفي القياس ونفي الاعتبار بالمعاني، والوقوف عند ظواهر ألفاظ الشريعة عند الاحتجاج والجدل، بل إن هذا الإنكار قد يُوقع في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما يروى فيه عن الشارع حكمًا من حوادث الزمان، وهو موقف خطير يُخشى على المتردّد فيه أن يكون نافيًا عن شريعة الإسلام صلاحها لجميع العصور والأقطار. ثانيًا: موقف ابن عاشور من مثبتي التعليل: تفاوت جمهور المثبتين للتعليل من حيث درجات أخذهم به إلى حدٍّ أدَّى ببعضهم إلى إنكار صحة أسانيد كثير من الآثار، والحق أن منشأ التفاوت يستلزم الرجوع إلى بيان موقفهم من تعليل أحكام الشريعة في جانبي العبادات والمعاملات، هل الأصل فيهما معًا التعليل، أو يقتصر التعليل على أحدهما، والتعبد على الآخر؟ لأجل موقف الأصوليين من القضية حتى نتبين القيمة العلمية لموقف ابن عاشور منها، فنجلي مثلًا: أ. التعليل في المعاملات: فالأصل العام الذي اتفق عليه في أحكام الشريعة أنها معللة بمصالح العباد، ويتحدد موقف ابن عاشور من تعليل أحكام المعاملات، من إيمانه التام وتسليمه الحاسم بأن الأصل فيها كلها هو التعليل، ولا عبرة بما ادَّعاه البعض بأن التعبد في بعضها وارد؛ لأن هذا البعض ليس إلا أحكامًا قد خفيت عللها، أو دقّت فإن كثيرًا من أحكام المعاملات التي تلقاها بعض الأئمة تلقي الأحكام التعبدية، قد عانى المسلمون من جرائها متاعب جمة في معاملاتهم، وكانت الأمة منها في كبد، على حين يقول الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. ولرفع إشكال الخفاء طريقان، طريق النظر في الروايات التي نقلت بها نصوص الشريعة من أجل ضبط مسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة،والطريق الثاني هو النظر في الأحوال العامة في الأمة التي وردت تلك الآثار عند وجودها، ولا تخفى علاقة الطريقين الوثيقة بمقامات النصوص الشرعية، وخاصة في عناصرها الخارجية المتمثلة في قرائن الأحوال، ذلك أن الوعي التام لها مسلكٌ في تبين القصد الشرعي من أحكام المعاملات ذات العلل والمقاصد الخفية. ب. التعليل في العبادات: لا يمكن لقارئ نصوص الشارع المتعلقة بالعبادات إلا ملاحظة تعليل الشارع لها في غير ما نص، من ذلك قوله تعالى: {إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]، {وَأَذّن فِي النّاسِ بِالْحَجّ} [الحج: 27] إلى أن قال: {لّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ فِيَ أَيّامٍ مّعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، ولشدة ملاحظة التعليل في الزكاة، أدرجها فقهاء الأحكام السلطانية والمالية، والسياسية الشرعية في كتاباتهم. وبناءً على هذه الملاحظة، رأى أحد فقهاء الزكاة بأنها -فضلًا عن معناها التعبدي- جزء من النظام المالي والاجتماعي والاقتصادي للدولة، والعلة في تشجيعها واضحة، فلماذا لا نقيس على المنصوص عليه فيها ما يشبهه ويشاركه في العلة؟ يمكن على هدى من هذا، التعليل المستفاد من نصوص الشريعة استحضار مواقف العلماء من التعليل في العبادات. وكون العلم حاكمًا، فيتوقف في نظر ابن عاشور الحكمُ بتعبدية هذا الحكم الشرعي أو ذاك من أحكام العبادات على مدى استفراغ الجهد في تبين عِلَّته؛ لأن الأصل المقرر عنده هو قبول الأحكام كلها للقياس ما قامت منها معاني ملحوظة، فيجب أن تكون أنواع الأحكام التي لا يجري في مثلها القياس قليلة جدًّا، حتى إذا آل ذلك الاستفراغ إلى التحقق من تعبدية الحكم، وجب على الفقيه المحافظة على صورته، فلا يزيد في تعبديتها ولا يضيع أصل التعبدية. ويمثل ابن عاشور لهذا النظر بموقف الصحابة إزاء مصلحة العَوْل في الميراث، فإذا كانت مقادير الفرائض متلقاة عند الأمة عن طريق التعبد، فقد نزلت بالمسلمين زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضية امرأة ماتت وتركت زوجها وأمها وأختها، فاختلف موقف الصحابة إلى رأيين: الأول: ذهب إلى إعطاء الجميع على نسبة واحدة. الثاني: رأى إدخال النقص على الأخت من مقدار فرضها؛ لأنها أضعف من الزوج ومن الأم. وينسجم هذا الموقف العاشوري من تعليل الأحكام العبادية، مع ما سبق أن أكَّده من عقلنة التفكير التشريعي، عقلنةً بقدر ما تحافظ على صورة الحكم التعبدي، فإنها لا تألوا جهدًا من أجل تبيّن علَّته، والقول بالعقلنة لا يقتضي الخروج عن معنى التعبد.

error: النص محمي !!