Top
Image Alt

علاقة المقاصد بالتعليل عند الإمام الشاطبي

  /  علاقة المقاصد بالتعليل عند الإمام الشاطبي

علاقة المقاصد بالتعليل عند الإمام الشاطبي

يقول في كتاب (الأحكام): “المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد, فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، أو لجلب مصلحة، أو لهما معًا، ولاستكمال موقفه من مسألة التعليل لا بد من ذكر أنه كان كثيرًا يُفرِّق بين أحكام العادات والمعاملات, وأحكام العبادات, فالأصل في الأولى هو التعليل والالتفات إلى المصالح, والأصل في الثانية التعبد وعدم التعليل. أما الأول: وهو التعليل والالتفات إلى المصالح في أحكام العادات والمعاملات فتدل عليه أمور: أولًا: الاستقراء، فإننا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معها حيث دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة, فإن كان فيه مصلحة جاز. ثانيًا: أن الشارع توسَّع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات, وأكثر ما علَّل فيها بالمناسب, الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول. وأما الثاني: وهو أن الأصل في العبادات التعبد, والتزام الحدود المنصوصة: فأول دليل عليه الاستقراء أيضًا, بحيث إن الكثير جدًّا من أحكام العبادات في كيفيتها ومقاديرها ومواقيتها وشروطها لا يمكن تعليله تعليلًا عقليًّا, وتحديد وجه المصلحة فيه, كما في موجبات الطهارة وحدودها, فإن الطهارة الواجبة تتعدَّى مكان النجاسة, وقد تلزم الإنسان وهو على غاية النظافة, وقد يكون متسخًا ولا تجب عليه, والتيمم يقوم مقام الطهارة المائية, ولا معنى لذلك لولا التعبد, ومثل هذا يجري في كثير من أحكام العبادات, فالتعليل والمناسبة فيها استثناء. واعتمادًا على هذا الأصل عنده، وهو عدم التعليل في العبادات إلا استثناء، اعتبر أن ما يقوم به بعضهم من إعطاء تعليلات، وتعيين حكم وأسرار لبعض الأحكام العبادية، غير قائم على أساس؛ ولهذا لما يعدّه من صلب العلم, وإنما هو من ملح العلم لا غير, فقد مثل لملح العلم بأمثلة أحدها: الحكم المستخرجة لما لا يعقل معناه على الخصوص في التعبدات، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة, والصلاة تلك الهيئة من رفع اليدين والقيام والركوع والسجود، وكونها على بعض الهيئات دون بعض، إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه, ولا تدور نحوه. فيأتي بعض الناس فيترك إلينا حكمًا يزعم أنها مقصود الشارع من تلك الأوضاع, وجميعها مبنيٌّ على ظن وتخمين غير مطرد في بابه, ولا مبني عليه عمل. هذا مجمل موقف الشاطبي من مسألة التعليل, ويمكن تلخيصه أكثر في أنه يعتبر تعليل الشريعة برعاية المصالح مسألة قطعية مسلمة, وأن هذا يصدق على جملتها وجزئياتها بلا استثناء, إلا أن جانب العبادات من الشريعة, ينبني على أساس التسليم والتعبد, بغض النظر عن العلل والحكم فكان الأصل فيه عدم التعليل, وإن كان في باطن الأمر معلّلا عند الله سبحانه وتعالى. المنكرون للتعليل، وسندهم في هذا الإنكار: ذكر الإمام الشاطبي أن هذه المسألة اختلف فيها في علم الكلام, وأن رأي الإمام الرازي: هو أن أحكام الله تعالى وأفعاله لا تُعلل بعلة البتة, ثم أشار ضمنيًّا إلى وجود مخالفين آخرين, عندما ذكر اتفاق المعتزلة على القول بالتعليل, وأن هذا قول أكثر الفقهاء المتأخرين, مما يشعر بأن غير المعتزلة ليسوا متفقين على هذا, وأن الفقهاء المتقدمين وبعض المتأخرين أيضًا ليسوا على هذا. هذا مع أن الشاطبي -رحمه الله- اعتبر تعليل الشريعة مسألة مسلمة, والأمر في حقيقته كذلك, كما تمَّ توضيحه فيما مرَّ, فمن هم المنكرون للتعليل إذن؟ وما سندهم في هذا الإنكار؟ ذكر الشهاب الدين الزنجاني, أن عدم التعليل برعاية المصالح, هو مذهب الشافعي رضي الله عنه وجماهير أهل السنة, وأن الأحكام الشرعية عندهم أثبتها الله تحكمًا وتعبدًا غير معللة, وما يتعلَّق بها من مصالح العباد، فذلك ضمنًا وتبعًا لا أصلًا ومقصودًا, واستثنى من هذا الأصوليين الأحناف، الذين يرون أن الأحكام الشرعية أثبتها الله تعالى، وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير. فالإمام الزنجاني وهو في مجال الفقه وأصوله ينسب هذا المذهب -أي: عدم التعليل- إلى الإمام الشافعي وجماهير أهل السنة، دون أن يقدم على هذا التعميم والإطلاق, وأن يقدم عليه أي دليل، نعم أورد بعض الفروع التي عللها أبو حنيفة, ولم يعللها الشافعي, ولكن هذا لا يدل في شيء على أن إنكار التعليل جملة، مع نسبته إلى جماهير أهل السنة, بل يُقدّم لنا الزنجاني ما ينقض دعواه, فقد قدمنا قبل قليل ما نسبه للإمام الشافعي في تعليل شرعية الزكاة تعليلًا مصلحيًّا, وأن معنى العبادة فيها تبع. وأما عن جماهير أهل السنة، فالأمر أوضح وأوغل في الإدعاء المحض. أما الإمام تاج الدين السبكي, فقد كان أقرب إلى التدقيق في حكاية المسألة، حيث قال: “المشتهر عند المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تُعلل, واشتهر عن الفقهاء التعليل”. والحقيقة أن المسألة -كما قال الإمام الشاطبي- اختلف فيها في علم الكلام، ثم انتقل أثرها إلى الميدان الأصولي، لا سيما أن عددًا من كبار المتكلمين ألفوا في علم أصول الفقه. موقف الإمام الرازي من التعليل: قال الإمام الشاطبي في مقدمة كتابه (المقاصد): “وزعم الرازي أن أحكام الله تعالى ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك”، ثم يقول: “والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العبادة استقراء لا يُنازع فيه الرازي، ولا غيره”. فالشاطبي لم يُسمّ من المنكرين للتعليل أحدًا غير الرازي، ثم جعل إنكاره للتعليل باتًّا وشاملًا لأفعال الله تعالى وأحكامه، فأما أن ينكر الإمام الرازي التعليل الفلسفي في كتاباته الكلامية -كما يفعل عامة الأشاعرة، وهم يواجهون الفلاسفة والمعتزلة، فأمرٌ وارد لا غرابة فيه، وتبقى الغرابة في نسبة هذا للإمام الرازي وحده، مع أنه لم يكن بدعًا في الأشاعرة، بل هو حين دافع عن إنكار التعليل -تعليل الأفعال وليس تعليل الأحكام- إنما تكلم باسم الأصحاب -أي: الأشاعرة- فهو مثلًا عند تفسير قول الله تعالى: {هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29] قال: “قال أصحابنا: إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلًا لغرض؛ لأنه لو كان كذلك كان مستكملًا بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، وذلك على الله تعالى محال”. الحديث هنا في موقف الإمام الرازي، فموقفه من التعليل، ينبغي أن يؤخذ من كتاباته الأصولية، فالإمام الرازي من أهل القياس، ولا قياس بدون تعليل، وأبرز ما يتجلَّى موقفه الواضح من التعليل، وهو كلامه على مسالك العلة، وبالذات على مسلك المناسبة، وذلك في كتابه (المحصول)؛ حيث يقول: “المناسبة تفيد ظن العلية، والظن واجب العمل به”، بيان ذلك: أن الله تعالى شرع أحكامًا لمصلحة العباد، وهذه مصلحة، فيحصل ظنه أن الله تعالى إنما شرعه لهذه المصلحة، فهذه مقدمات ثلاث لا بد من إثباتها بالدليل. أما المقدمة الأولى فالدليل عليها من وجوه: أحدها: أن الله تعالى خصص الواقعة المعينة بالحكم المعين لمرجح، أو لا لمرجح، والقسم الثاني باطل، وإلا لزم ترجيح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، وهذا محال فثبت القسم الأول، وذلك المرجح إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى، أو إلى العبد، والأول باطل بإجماع المسلمين فتعين الثاني، والعائد إلى العبد إما أن يكون لمصلحة العبد، أو مفسدته، أو ما لا يكون لا مصلحته، ولا مفسدته، والقسم الثاني والثالث باطلان باتفاق العقلاء؛ فتعيَّن الأول؛ فثبت أنه تعالى إنما شرع الأحكام لمصالح العباد. الثاني: أنه تعالى حكيم -بإجماع المسلمين- والحكيم لا يفعل إلا لمصلحة، فإن من يفعل لا لمصلحة يكون عابثًا، والعبث على الله تعالى محال للنص والإجماع والمعقول؛ فثبت أن الله تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد. والنصوص الدالة على أن مصالح الخلق، ودفع المضار عنه مطلوب الشرع، قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، {هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((بعثت بالحنيفية السهلة السمحة))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار)). الثالث: أنه وصف نفسه بكونه رءوفًا رحيمًا، وقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، فلو شرع ما لا يكون للعبد فيه مصلحة؛ لم يكن ذلك رأفة ورحمة. فهذه الوجوه دالة على أنه تعالى ما شرع الأحكام إلا لمصلحة العباد، هذا هو موقف الإمام الرازي من التعليل بالمصلحة، موقف مؤيد بقوة ووضوح، مدافع بحماس وبتفصيل أكثر مما فعله الشاطبي نفسه، وقد واصل الإمام الرازي -بعد الفقرات المتقدمة- دفاعه عن التعليل، وفنَّد كل ما يمكن الاعتراض به في المسألة تفنيدًا عقليًّا ونقليًّا، وانتهى إلى القول: انعقد الإجماع على أن الشرائع مصالح إما وجوبًا -كما هو قول المعتزلة- أو تفضلًا -كما هو قولنا- بل إن الإمام الرازي؛ لفرط تحمسه للدفاع عن التعليل؛ يكاد يكون معتزليًّا؛ فهو حين جعل من أدلة رعاية الله للمصالح كونه سبحانه وتعالى خلق العبد للعبادة، قال: “فلا بد أن يزيح عذره؛ وذلك لرعاية مصالحه”. ولا يقتصر الإمام الرازي في بيان موقفه من التعليل على ما ذكره في (المحصول)، بل عبر عنه في عدد من مؤلفاته، من ذلك ما جاء في مناظرات الفخر الرازي حيث بين: لماذا يقع التعليل عند القياسيين بالأوصاف والأمارات الظاهرة، دون الحكمة والمصلحة والمفسدة؛ فذكر أن التعليل بالأوصاف المشتملة على المصالح والمفاسد، إنما جاز لاشتمالها على تلك المصالح والمفاسد، فالمؤثر الحقيقي في الأحكام هو رعاية تلك المصالح، وأما الأوصاف وهي -في الحقيقة- غير مؤثرة في الأحكام، إلا أنها لأجل اشتمالها على تلك المصالح والمفاسد؛ جاز التعليل بها؛ فثبت أن تأثير المصالح والمفاسد في الأحكام تأثير حقيقي جوهري أصلي، وأما تأثير الأوصاف في الأحكام هو تأثير مجازي عرضي غريب، إلى أن قال: وأما بيان أن التعليل بالأوصاف المصلحية جائز؛ فهذا متفق عليه بين العقلاء”.

error: النص محمي !!