Top
Image Alt

علم أبي سفيان بخروج المسلمين، ومساحلته، واستنجاده بقريش، ونجاته

  /  علم أبي سفيان بخروج المسلمين، ومساحلته، واستنجاده بقريش، ونجاته

علم أبي سفيان بخروج المسلمين، ومساحلته، واستنجاده بقريش، ونجاته

كان أبو سفيان يتحسس منذ أن خرج من الشام أمر المسلمين؛ لما بلغه من رجلٍ من جذام بأن محمدًا صلى الله عليه  وسلم خرج له متعرضًا له عند خروجه أول الأمر، وهو صاعد إلى الشام، وهو الآن يعد الأيام عدًّا لهم، وحذرهم الرجل أنهم كانوا يومئذ مخفين، أما الآن فهم مثقلون بتعب المسير والرحلة والكسب الذي حققوه، فهم الآن غرض واضح للنبي صلى الله عليه  وسلم، وهنا بدأ أبو سفيان يأخذ حذره ويترقب، ويسأل الركبان وأهل الطريق، وتأكد له ذلك قريبًا من الشام.

ويقول مخرمة بن نوفل: لما لحقنا بالشام أدركنا رجل من جذام، فأخبرنا أن محمدًا كان عرض لعيرينا في بدأتنا، وأنه تركه مقيمًا ينتظر رجعتنا، قد حالف علينا أهل الطريق ووادعهم.

قال مخرمة: فخرجنا خائفين نخاف الرصد، فبعثنا ضمضم بن عمرو حين فصلنا من الشام، وكذلك يقول عمرو بن العاص: إنه حدث بأن الخبر أتاهم لما كانوا بالزرقاء، والزرقاء بالشام ناحية معان.

ونجد هنا أن كلام ابن هشام لا يستقيم على أن استنفار قريش كان من نواحي بدر، وإنما المعقول أن يكون من نواحي الشام كما ذكر الواقدي في (المغازي).

على أية حال، فإن أبا سفيان أخذ في الحذر وبعث يستنفر قريشًا وساحَل بالقافلة، وأخذ في السير؛ ولذلك نجا بالقافلة، فلم يتأكد له ذلك إلا بعد أن وصل نواحي بدر، وغادر المكان بعد أن عرف أن عيون المسلمين وصلت هي الأخرى إلى نواحي بدر تترصده.

فإن النبي صلى الله عليه  وسلم لما بعث بسبس وعُدي بن أبي الزغباب نواحي بدر، نزلا في مكان وسمع امرأتين تتلازمان، إحداهما لها دين على الأخرى، وتقول المدينة: غدًا تأتي القافلة، فأعمل لهم وأقضيكِ دينك، قال مجيبًا لهما مجدي بن عمرو: صدقت، فهذا يدل على أن أهل الطريق يعرفون موعد القافلة ويتوكفون موعد وصولها، هنا عاد الصحابيان ليخبرا النبي صلى الله عليه  وسلم بما سمع، وبما لاحظ في هذا المكان.

وجاء من بعدهما أبو سفيان، وسأل مجدي بن عمرو: هل رأى شيئًا من رجال محمد في هذه النواحي؟ فقال مجدي: إنه لم يلاحظ شيئًا، وإنما رأى رجلين راكبين نزلا في ناحية، واستقيا ماءً ومضيا، فذهب أبو سفيان إلى مكان مناخ راحلتي الصحابيين، فأخذ بعرة من أبعار بعيريهما ففته فوجد فيه النوى، فقال: هذه علائف أهل المدينة؛ ولذلك توجس خيفة من هذا الأمر، ثم خرج مسرعًا حتى يدفع القافلة ويسير على نهجه الذي اتخذه من نواحي الشام في مساحلته نحو مكة، وتمكن أبو سفيان بهذه الخطة أن يفلت بالقافلة بخبرة وحنكة. فبعث قيسًا بن امرئ القيس إلى قريش يبشرهم أنه نجا بالقافلة والعير، ويطلب إليهم أن يرجعوا، وألا يتابعوا المسير.

لكن قريشًا كانت قد هبت لمنع أموالها من المسلمين، وقالوا: أيظن محمدٌ أنها عيرٌ كعيرِ بن الحضرمي؟ والله ليعلمن غير هذا، فخرجوا في نفرة كاملة، وأعان بعضهم بعضًا على الخروج؛ ذلك أن قريشًا كادت أن تكون كلها مشتركة في هذه القافلة، وإنها لم تنس بعد مصابها في أمر قافلة نخلة التي حازها المسلمون، وأسر أسيرين من رجالها، وكان منهما حليفٌ لبني مخزوم، فكانت صفعة موجهة إلى بني مخزوم على الخصوص من بين قريش، فخرجوا، وكانوا أكثر الناس حماسًا لهذا الأمر، وكانت عدتهم نحو مائة وثمانين رجلًا، وكانت لهم أموال كثيرة في القافلة؛ ولذلك أصرُّوا على الخروج.

ولكن بعد نجاة القافلة، لم يرغب كثيرٌ من ذوي الرأي والمكانة في مكة -أمثال: عتبة بن ربيعة، والعاص بن منبه، وعتبة وشيبة ابني ربيعة- لم يرغبوا في المسير، ولكن أبا جهل استفزهم، فتابعوا المسير ناحية بدر، وقال لهم أبو جهل: “لم نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم ثلاثة أيام، فننحر الجزور، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، فلا تزال تهابنا العرب”، لكنه ما كان ليعلم بما يريده الله.

error: النص محمي !!