Top
Image Alt

علْم كيفية إنزاله

  /  علْم كيفية إنزاله

علْم كيفية إنزاله

اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال:

أحدها: وهو الأصح الأشهر: أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القَدْر جملةً واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجّمًا في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة.

والصواب في المدة: أنه مكث عشر سنوات في المدينة، ومكث في مكة ثلاث عشرة سنة.

وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما، من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: “أُنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم. وكان الله ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه في أثر بعض”.

القول الثاني: أنه نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السَّنة. ثم نزل بعد ذلك منجمًا في جميع السَّنة.

القول الثالث: أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجّمًا في أوقات مختلفة من سائر الأوقات؛ وبه قال الشعبي. 

قال ابن حجر في (شرح البخاري): “والأول هو الصحيح المعتمد.

السر في إنزاله جملة إلى السماء:

قال السيوطي: ” تفخيم أمره، وأمْر من نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخِر الكتب المنزَلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم، قد قربناه إليهم لننزله عليهم. ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجمًا بحسب الوقائع، لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها، فجعل له الأمريْن: إنزاله جملة، ثم إنزاله مفرقًا، تشريفا للمنزَل عليه”؛ ذكر ذلك أبو شامة في: (المرشد الوجيز). 

وقال ابن حجر في (شرح البخاري): “قد أخرج أحمد، والبيهقي في (الشُّعب)، عن واثلة بن الأسقع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنزلت التوراة لستّ مضيْن من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلَتْ منه، والزبور لثماني عشرة خلَتْ منه، والقرآن لأربع وعشرين خلَتْ منه))، وفي رواية: ((وصحُف إبراهيم لأول ليلة)). قال: وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، ولقوله: {إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدْر: 1]، فيحتمل أن يكون ليلة القدر في تلك السنة كانت الليلة التي أنزل فيها جملةً إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ} “.

قال السيوطي: “لكن يشكل على هذا ما اشتهر من أنه صلى الله عليه وسلم بُعث في شهر ربيع. ويجاب عن هذا بما ذكروه: أنه نُبّئ أولًا بالرؤيا في شهر مولده، ثم كانت مدتها ستة أشهر”.

أقول: وهذا واضح من قول عائشة الثابت في الصحيح، ويضاف إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة)). ومعلوم أن نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال الوحي عليه استغرق ثلاثًا وعشرين سنة؛ فإذًا الجزء الذي هو من ستّ وأربعين هو: ستة أشهر، وهي المدة التي قضاها في الرؤيا. والله أعلم.

وقال أبو شامة أيضًا: “فإن قيل: ما السر في نزوله منجمًا؟ وهلا نزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولّى الله جوابه، فقال تعالى: {وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32]، يعنون: كما أنزل على من قبلَه من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: {كَذَلِكَ} أي: أنزلناه كذلك مفرّقًا، {لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32] أي: لنقوِّي به قلبك؛ فإن الوحي إذا كان يتجدّد في كل حادثة كان أقوى بالقلب، وأشد عناية بالمرسَل إليه؛ ويستلزم ذلك كثرة نزول الملَك إليه، وتجدّد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة؛ ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان، لكثرة لقائه جبريل”.

وقال غيره: إنما لم ينزل جملة واحدة، لأن منه الناسخ والمنسوخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقًا. ومنه: ما هو جواب لسؤال، وما هو إنكار على قول، قيل: أو على فعْل فعْل. فالحاصل: أنّ الآية تضمنت حكمتيْن لإنزاله مفرّقًا. وقد تلقى جبريل عليه السلام القرآن سماعًا عن رب العزة والجلال؛ وهي مسألة تهرّب منها بعض أهل الانحراف العقدي في هذا الباب.

قال السيوطي:”ويؤيد أنّ جبريل تلقّفه سماعًا من الله تعالى: ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعًا: ((إذا تكلّم الله بالوحي، أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله. فإذا سمع بذلك أهلُ السماء صُعقوا وخرّوا سجّدًا. فيكون أوّلهم يرفع رأسه: جبريل؛ فيكلّمه الله مِن وحيه بما أراد. فينتهي به على الملائكة، فكلما مرّ بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربّنا؟ قال: الحق. فينتهي به حيث أُمر)).

وقال الجويني: “كلام الله المنزَل قسمان:

قسم قال الله لجبريل: “قُل للنبي الذي أنتَ مرسَل إليه: إن الله يقول: افعلْ كذا وكذا، وأَمر بكذا وكذا”؛ ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قاله ربه، ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملِك لمن يثق به: “قل لفلان: يقول لك الملِك: اجتهد في الخدمة، واجمع جندك للقتال”. فإن قال الرسول: “يقول الملِك: لا تتهاونْ في خدمتي، ولا تترك الجند تتفرّق، وحُثَّهم على المقاتلة”، لا يُنسب إلى كذِب ولا تقصير في أداء الرسالة.

وقسم آخر: قال الله لجبريل: “اقرأ على النبي هذا الكتاب”. فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير، كما يكتب الملِك كتابًا ويسلّمه إلى أمين، ويقول: “اقرأه على فلان”؛ فهو لا يغيّر منه كلمة ولا حرفًا”. انتهى.

قلت: القرآن هو: القسم الثاني. والقسم الأول هو: السُّنّة، ومنها: الحديث القدسي، كما يأتي تفصيله. 

وقد ذكر العلماء للوحي كيفيّات:

إحداها: أن يأتيه الملَك في مثل صلصلة الجرس؛ وهذه الحالة أشد حالات الوحي عليه. وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد وتهديد.

الثانية: أن ينفث في روعه الكلام نفثًا.

الثالثة: أن يأتيه في صورة الرجل فيكلّمه.

الرابعة: أن يأتيه الملَك في النوم.

الخامسة: أن يكلّمه الله إما في اليقظة، أو في النوم.

وقد ثبت في غير حديث نزول القرآن على سبعة أحرف.

اختلاف الأقوال في نزول القرآن على سبعة أحرف:

واختلف في معنى ذلك على نحو من أربعين قولًا:

أحدها: أنه من المشكل الذي لا يُدرَى معناه، لأن “الحرف” يصدق لغة على: حرف الهجاء، وعلى: الكلمة، وعلى: المعنى، وعلى: الجهة.

الثاني: أنه ليس المراد بالسبعة: حقيقة العدد، بل المراد: التيسير والتسهيل والسّعة. ولفظ “السبعة” يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يُطلق “السبعون” في العشرات، و”السبعمائة” في المئين؛ ولا يراد العدد المعيّن.

ويردّه ما في حديث ابن عباس في (الصحيحين): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرأني جبريل على حرف، فراجعته؛ فلم أزل أستزيده ويزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف)). وفي حديث أبيّ عند مسلم: ((إن ربي أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف، فرددتُ إليه أن هوِّنْ على أمتي، فأرسل إليّ أن أقرأ على حرفين، فرددتُ إليه أن هوِّنْ على أمتي، فأرسل إليّ أن اقرأه على سبعة أحرف)).

وفي حديث: ((فنظرت إلى ميكائيل فسكت، فعلمتُ أنه قد انتهت العدّة)). فهذا يدل على إرادة حقيقة العدد وانحصاره.

الثالث: أن المراد بها: سبع قراءات، وتعقب: بأنه لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا القليل، مثل: {وَعَبَدَ الطّاغُوتَ} [المائدة: 60] و{فَلاَ تَقُل لّهُمَآ أُفّ} [الإسراء: 23].

الرابع: وأجيب: بأن المراد أن كل كلمة تُقرأ بوجه، أو وجهين، أو ثلاثة، أو أكثر، إلى سبعة؛ وهذا إذا قصد، فإن هناك ما يقرأ بأكثر من سبعة أوجه.

وقيل: غير ذلك.

وأظهرها: أن المراد: سبع لغات؛ وإلى هذا ذهب: أبو عبيد، وثعلب، والأزهري، وآخرون. واختاره ابن عطية، وصححه البيهقي في (الشُعب)، وتعقّب: بأن لغات العرب أكثر من سبعة. وأجيب: بأن المراد: أفصحها، فجاء عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: “نزل القرآن على سبع لغات”.

error: النص محمي !!