Top
Image Alt

(عمدة القاري في شرح صحيح البخاري) للعيني (855هـ) والمقارنة بينه وبين (فتح الباري)

  /  (عمدة القاري في شرح صحيح البخاري) للعيني (855هـ) والمقارنة بينه وبين (فتح الباري)

(عمدة القاري في شرح صحيح البخاري) للعيني (855هـ) والمقارنة بينه وبين (فتح الباري)

ما زلنا في الدور الخامس، وهو من الفترة من ستمائة وخمسين إلى نهاية القرن العاشر، وكنا مع شروح في هذه الفترة، والشروح في هذه الفترة هي التي اشتهرت أكثر من غيرها وخاصة الشروح على الصحيحين. ففي هذه الفترة كان (فتح الباري) و(عمدة القاري في شرح صحيح البخاري).

و(عمدة القاري) وإن كان كسابقه: (فتح الباري)؛ إلا أن الكتابين يختلفان في بعض النواحي ويختلفان في عرض ما يتعلق بالحديث من شرح.

وأهم ما يختلفان فيه: هو أن ابن حجر كان على المذهب الشافعي، والعيني كان على المذهب الحنفي؛ فيتطرق كل منهما إلى بيان موقف المذهب من الحديث المشروح؛ سواء أكان ذلك ببيان العلاقة بين الحديث وبين الفقه الشافعي، أو الفقه الحنفي، أو الردود التي كان يرد بها كل منهما على مَن يدَّعون أن المذهب الشافعي أو المذهب الحنفي قد خالف حديثًا صحيحًا مثل حديث البخاري.

ويقول البدر العيني الذي تُوفِّيَ سنة ثمانمائة وخمس وخمسين في مقدمة كتابه (عمدة القاري في شرح صحيح البخاري) مبينًا هدفه من شرحه (البخاري): لأظهرَ ما فيه من الأمور الصعاب، وأبيِّنَ ما فيه من المعضلات، وأوضح ما فيه من المشكلات، وأورد فيه من سائر الفنون بالبيان ما صعب منه على الأقران.

يقول صاحب (عمدة القاري) -وهو البدر العيني، الذي توفي سنة ثماني مائة وخمس وخمسين- في مقدمة الكتاب مبينًا هدفه من شرحه للبخاري: لأُظهر ما فيه من الأمور الصعاب، وأبينَ ما فيه من المُعضلات، وأوِّضحَ ما فيه من المشكلات، وأوردَ فيه من سائر الفنون بالبيان ما صعُب منه على الأقران.

وخلاصة منهجه فيه: أنه يقسِّم شرح الحديث إلى مباحث، في مقدمتها بيانُ عَلاقته بعنوان الكتاب الذي ذُكر تحته؛ وخاصة عندما تكون هذه العلاقة خفية ويعرِّف برجال إسناد الحديث عند البخاري باختصار، ويبين ما في أسانيد البخاري من لطائفَ إسناديةٍ، ويخرِّج الحديث ببيان مواضعه الأخرى عند البخاري في صحيحه، ثم يعزوه بمن خرَّجه غير البخاري وخاصة بقية الكتب الستة، وهي: (صحيح مسلم)، والسنن الأربع.

ثم يذكر الجوانب اللغوية والإعرابية والبلاغية في الحديث، ويُعنى بهذه الجوانب أكثرَ من غيره من الذين تناولوا شرح البخاري؛ لما هو معروف أنه كان من علماء اللغة والنحو في عصره، ثم يذكر الأحكام المستفادة من الحديث، ويذكر أقوال العلماء فيها، وقد يخصِّص مبحثًا للأسئلة والأجوبة عمَّا يتعلق بالحديث من أحكام وغيرها.

هذا، ومع استفادته الظاهرة من شرح الحافظ ابن حجر وغيره، إلا أن له إفادات وإضافات عديدة لا تخفى، ولنتذكر أن الحافظ ابن حجر كان شافعيًّا، وأن الحافظ العينيَّ كان حنفيَّ المذهب؛ ولهذا عني كل واحد منهما ببيان العلاقة ما بين الحديث الذي يشرحانه ومذهب كل واحد منهما، إما أن يكون الحديث موافقًا لمذهبه، وهذا لا يكون فيه إشكال بالنسبة لكل واحد منهما، وإما أن يكون الحديث متعارضًا مع ما ذهب إليه الشافعي أو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، ومن هنا يسعى كل واحد منهما لبيان الملاءمة بين الحديث وما ذهب إليه الشافعي أو أبو حنيفة من حكم، أو بيان أن الحديث خاص، أو غير ذلك من الأمور التي يرجح كل واحد منهما ما ذهب إليه إمامُه، مع بيان الأدلة التي ذهب إليها.

وإنصافًا لابن حجر نقول: إنه لا يتعصب لمذهبه دائمًا، وإنما قد يبين أن الحقَّ على خلاف ما ذهب من رأيه بطبيعة الحال وهو مجتهد أن الحق أو الصواب على خلاف ما ذهب إليه الشافعي.

وكل منهما بطبيعة الحال قد رتِّب على ترتيب أحاديث (صحيح البخاري)، ولكن ابن حجر كثيرًا ما يحيل إلى الأحاديث التي سبقت وشرحها عندما يأتي الحديث نفسه، ونحن نتذكر أن البخاري يفرق الحديث الواحد على عدة مواضع، فابن حجر دائمًا يحيل إلى الأحاديث الأخرى، وهذه الظاهرة موجودة بكثرة عند ابن حجر، ولا نجدها كثيرًا عند البدر العيني في شرحه البخاري (عمدة القاري).

error: النص محمي !!