Top
Image Alt

عمرو بن معدي كرب وداليّته

  /  عمرو بن معدي كرب وداليّته

عمرو بن معدي كرب وداليّته

عمرو بن معديكرب: هو أبو ثور عمرو بن معديكرب الزبيدي، فارسٌ وسيدٌ من فرسان الجاهلية وسادتها، أدرك الإسلام، ووفد على النبي صلى الله عليه  وسلم فأسلم وبايع لقومه على الإسلام، وعاش حتى شهد القادسية، ونهاوند؛ فأبلى في الأولى بلاءً حسنًا، وقتل في الثانية آخر أيام عمر رضي الله  عنه  .

وكان عمرو عظيم الخِلقة حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله  عنه   تعجب من ذلك وقال: “الحمد لله الذي خلقنا وخلق عَمْرًا”، ويروى أنه عده بألفٍ حين أمد به سعد بن أبي وقاص في القادسية، وكان لعمرو سيف اسمه “الصمصامة” من أشهر سيوف العرب، ومعظم أشعاره في الحماسة، وهو يحدث فيها عن أيام قومه وبلائه معهم من غير تزيد ولا إسراف، ومن صفاته التي عرف بها أنه أحد من يصدق عن نفسه في شعره؛ لقوله في هذا الشعر:

ولقد أجمعُ رِجلَيَّ بها

*حَذَرَ الموتِ وإِنّي لَفَرورُ

ولقد أعطِفُها كارهةً

*حين للنفس من الموت هَريرُ

كلُّ ما ذلك منّي خُلُقٌ

*وبكلٍ أنا في الرَّوع جديرُ

يحدث عن فرسه، وأنه قد يستحثها للفرار كما يعطفها على الموت، وهذا كلام من جمع إلى شجاعته وإقدامه حذرًا، وحزامة، وإلى جرأته وتهوره رفقًا وأصالة، ثم يكون عارفًا بوقت كل منها، والحال الموجبة لاختيار بعضها.

ومناسبة القصيدة: أن عمرًا لاقى مع قومه وحلفائهم من جرم بني الحارث بن كعب مع حلفائهم من نهد، وكان من أسباب هذا اللقاء -لقاء الحرب- فيما روى الترمذي: أن جرمًا قتلت رجلًا من بني الحارث، ثم تحولت إلى بني زبيد -قوم عمرو- فأقبل بنو الحارث يطلبون بدم صاحبهم، ومعهم بنو نهد؛ فالتحم الفريقان في يوم مشهود، ثم إن جرمًا لم تثبت في المعركة؛ بل فرت، كما أن زبيدًا لم تغنِ غناءً كبيرًا، ولم تثبت في الحرب حتى صار عمرو كأنه يقاتل وحده، وبقيت ذكرى فرار قومه ومن معهم، وبقائه وحده ماثلة في نفسه، وكان يفتخر بثباته وحده في هذا اليوم، ومن شعره الذي يفتخر فيه بنفسه، هذه القصيدة التي تقع في سبعة عشر بيتًا يقول فيها:

لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ

*فاعْلَمْ وإِنْ رُدِّيتَ بُرْدَا

إِنَّ الجَمالَ مَعادِنٌ

*ومَناقِبٌ أَوْرَثْنَ مَجْدَا

أَعْدَدْتُ لِلحَدَثَانِ سا

*بِغَةً وعَدَّاءً عَلَنْدْى

نَهْدًا وذا شُطَبٍ يَقُـ

*ـدُّ البَيْضَ والأَبْدَان قَدَّا

وَعِلْمِتُ أَنِّي يومَ ذا

*كَ مُنازِلٌ كَعْبًا ونَهْدَا

قَوْمٌ إِذا لَبِسُوا الحَدِيـ

*ـدَ تَنَمَّرُوا حَلَقًا وقِدَّا

كُلُّ امْرِئٍ يَجْرِي إلى

*يَوْمِ الهِياجِ بِما اسْتَعَدَّا

لَمَّا رَأَيْتُ نِساءَنا

*يَفْحَصْنَ بالمَعْزاءِ شَدَّا

وبَدَتْ لَمِيسُ كأَنَّها

*بدر السَّماءِ إِذا تَبَدّى

وبَدَتْ مَحاسِنُها التي

*تَخْفَى وكانَ الأَمْرُ جِدّا

نازَلْتُ كَبْشَهُمُ ولَمْ

*أَرَ مِن نِزالِ الكَبْشِ بُدّا

هُمْ يَنْذِرُونَ دَمِي وأَنْـ

*ذِرُ إِنْ لَقِيتُ بأَنْ أَشُدّا

كَمْ مِن أَخٍ لِيَ صالِحٍ

*بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا

ما إِنْ جَزِعْتُ ولا هَلِعْـ

*ـتُ ولا يَرُدُّ بُكايَ زَنْدا

أَلْبَسْتُهُ أَثْوابَهُ وخُلِقْـ

*ـتُ يومَ خُلِقْتُ جَلْدا

أُغْنِي غَناء الذَّاهِبيـ

*ـنَ أُعَدُّ لِلأَعْداءِ عَدّا

ذَهَبَ الذينَ أُحِبُّهُمْ

*وبَقِيتُ مَثْلَ السَّيْفِ فَرْدا

وقد شرح الدكتور السعيد عبادة هذه القصيدة شرحًا وافيًا ومتميزًا، وجعل لها عنوانًا هو: “جمال البطولة”؛ ذلك أن الشاعر بدأ القصيدة بتعريف الجمال، فقال:

لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ

*فاعْلَمْ وإِنْ رُدِّيتَ بُرْدَا

إِنَّ الجَمالَ مَعادِنٌ

* ومَناقِبٌ أَوْرَثْنَ مَجْدَا

فتعريف الجمال في نظره لا يرجع إلى الزي، ولا إلى الهيئة؛ وإنما الجمال في نظره معادن، أي: أصول، ومناقب، أي: صفات ومكارم، “أورثن مجدًا” أي: جلبن المجد.

ثم بعد ذلك أخبر عن نفسه بأنه أعد للنوائب، ومصائب الأيام درعًا واسعة سابغة وفرسًا نشيطًا قويًّا:

أَعْدَدْتُ لِلحَدَثَانِ سا

* بِغَةً وعَدَّاءً عَلَنْدْى

“عداء علندى”: فرسًا كثير الجري، “نهدًا وذا شطب”: صفة أخرى للموصوف المحذوف: “فرسًا عداء علندى نهدًا”، وذا شطب، المراد به: السيف، والشطب: الطرائق التي تكون فيه، يقد البيض، أي: يقطع البيض، والبيض هنا: جمع بيضة: وهي غطاء الرأس من حديد يلبسه المحارب ليحمي رأسه، والأبدان، المراد بها: الدروع القصيرة على قدر الجسد.

ثم أخبر عن أعدائه الذين يلاقيهم في الحرب، ووصفهم بأنهم أقوياء:

وَعِلْمِتُ أَنِّي يومَ ذا

*كَ مُنازِلٌ كَعْبًا ونَهْدَا

قَوْمٌ إِذا لَبِسُوا الحَدِيـ

*ـدَ تَنَمَّرُوا حَلَقًا وقِدَّا

و”تنمروا” أي: تشبهوا بالنمور، و”حلقًا وقدّا”: الحلق: الدروع، والقِدّ: نوع منها، والمعنى: أنهم قوم شداد إذا لبسوا الدروع تشبهوا بالنمر في أفعالهم عند القتال.

كُلُّ امْرِئٍ يَجْرِي إلى

* يَوْمِ الهِياجِ بِما اسْتَعَدَّا

كل امرئ يذهب إلى القتال بما استعد له. ثم قال -مشيرًا إلى غيرته على حريمه، واستبساله في استنقاذهم من الأسر ومن الذل:

لَمَّا رَأَيْتُ نِساءَنا

* يَفْحَصْنَ بالمَعْزاءِ شَدَّا

“يفحصن” أي: يؤثرن، والمعزاء: الأرض الصلبة، و”شدًّا” أي: عدوًّا، أي: يؤثرن في الأرض الصلبة لشدة جريهن.

وبَدَتْ لَمِيسُ كأَنَّها

*بدر السَّماءِ إِذا تَبَدّى

وبَدَتْ مَحاسِنُها التي

*تَخْفَى وكانَ الأَمْرُ جِدّا

أي: بدت هذه المرأة -التي اسمها لميس- يبدو أنها كانت محجبة؛ فسفرت في وقت الفزع، وكشفت وجهها، وظهرت كأنها بدر السماء.

لما حدث ذلك:

نازَلْتُ كَبْشَهُمُ ولَمْ

* أَرَ مِن نِزالِ الكَبْشِ بُدّا

لما رأيت الغارة قد اشتدت، ورأيت نساءنا يجرين ويؤثرن في الأرض الصلبة لشدة جريهن، وبدت لميس سافرة عن وجهها كأنها بدر السماء، وبدت محاسنها التي لم تكن تبدو، وصار الأمر جدًّا؛ لما حدث ذلك؛ أنفت، وقصدت رئيس الأعداء، وكان لا بد من منازلته لتفريج الشدة؛ فقوله: “نازلت” جواب “لما” التي جاءت في البيت السابق: “لما رأيت نساءنا نزلت”.

هُمْ يَنْذِرُونَ دَمِي

* وأَنْذِرُ إِنْ لَقِيتُ بأَنْ أَشُدّا

يقول: إن أعداءه كانوا يعرفون شجاعته، وكانوا حراصًا على قتله؛ فقد نذروا دمه، وهو ينذر أن يستبسل وأن يقاتل، وأن يثبت إذا لقيهم.

بعد أن أشار إلى موقفه في الحرب؛ أشار إلى جلده، وأنه على الرغم من نوائب الدهر، وفقد إخوانه الذين كان يثق فيهم، يقول: إنه على الرغم من ذلك لا يجزع، ولا يهون.

يقول:

كَمْ مِن أَخٍ لِيَ صالِحٍ

*بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا

ما إِنْ جَزِعْتُ ولا هَلِعْـ

*ـتُ ولا يَرُدُّ بُكايَ زَنْدا

أَلْبَسْتُهُ أَثْوابَهُ وخُلِقْـ

*ـتُ يومَ خُلِقْتُ جَلْدا

أُغْنِي غَناء الذَّاهِبيـ

*ـنَ أُعَدُّ لِلأَعْداءِ عَدّا

ذَهَبَ الذينَ أُحِبُّهُمْ

*وبَقِيتُ مَثْلَ السَّيْفِ فَرْدا

“بوَّأته” أي: أنزلته، و”لحدًا” أي: قبرًا، والكلام من قوله: “كم من…” إلى آخره، يحتمل أمرين: إما الاحتجاج بإقدامه على الأعداء، وبذل نفسه للموت؛ بأنه مما صبر عليه ولم يجزع منه حين ابتلي بفقد من سبقوه من إخوانه الصالحين الذين تولى تكفينهم ودفنهم بيديه، والذين لا يزال يغني غناءهم، ويعد للأعداء من بعدهم. وإما البيان لجميل صبره على ما ابتلي به من فقد هؤلاء الإخوان الصالحين، والجزع، معناه: عدم الصبر، والهلع: أفحش الجزع، والزند: يستعمل في الشيء القليل، يريد أن يقول: إنه لم يجزع، ولم يهلع لفقدان من فقده؛ ولو جزع وهلع لم يرد بكاه شيئًا، والجلد: القوي الشديد، والغَناء: النفع والكفاية، والذاهبون: الذين مضوا من عشيرته.

وقوله:

ذَهَبَ الذينَ أُحِبُّهُمْ

* وبَقِيتُ مَثْلَ السَّيْفِ فَرْدا

شبه نفسه بالسيف منفردًا، لا يجتمع معه غيره في غمده، أو أنه بقي لنفاذه في الأمور كالسيف القاطع.

نلاحظ على هذه القصيدة ترابط أجزائها، وتلاحمها، وهي ليست طويلة جدًّا، وهذا ساعد الشاعر على أن يكون شعوره فيها واحدًا مضطردًا، وأن تكون بنيتها الفنية قريبة من التكامل؛ فالشعور الساري في القصيدة من أولها إلى آخرها واحد، هو شعور الفارس الواثق من نفسه، المفتخر بما عنده من مآثر ومكرمات، تجعله يرى الجمال فيها، وأن الجمال ليس بالزي، وليس بالمظهر، وإنما الجمال في هذه الصفات النفسية التي يتمتع هو بقدر كبير منها.

ونلاحظ أن ألفاظ القصيدة خلاصة صافية من معجم شاعر فارس، ذي حس مرهف، ودراية كاملة باللغة؛ فقد اختار للمعاني الألفاظ التي تناسبها، وهي ألفاظ واضحة لا غموض فيها ولا غرابة، وذلك كله دال على سلامة طبعه، ودال على قدرته الفنية، وثقافته اللغوية.

والجمل في القصيدة محكمة النسج قوية البناء، تسير على نهج صحيح وفصيح، لا تعقيد فيها ولا حشو ولا غموض ولا التواء.

وقد عبر بالجملة الاسمية في بعض المواضع للدلالة على الثبوت والاستمرار، لكنه أكثر من التعبير بالفعلية لما في الفعل من قوة النقل والتصوير والدلالة على التجدد.

والتعبير الحقيقي شائع في القصيدة؛ لأن الرجل يخبر عن نفسه بما هو فيها، وفي بعض الصور نجده يستخدم المجاز كالتشبيه والكناية أحيانًا، من ذلك: تشبيهه للميس ببدر السماء، ولنفسه بعد أحبته بالسيف.

ومن الكناية قوله: “لما رأيت نساءنا…” إلى آخره، وفي ذلك كناية عن شدة الحرب؛ لأن الحرة لا تذهل عن حيائها وسترها وتبدو زينتها إلا في المواقف الشديدة الصعبة. وفي قوله:

ذَهَبَ الذينَ أُحِبُّهُمْ

* وبَقِيتُ مَثْلَ السَّيْفِ فَرْدا

مقابلة: حيث قابل بين ذهاب الأحبة وبقائه متفردًا، فلخص غرض القصيدة كلها في هذه المقابلة؛ لأن غرض القصيدة هو الحديث عن نفسه مع تجاهل قومه الذين لم يثبتوا في الحرب، وفروا وتركوه وحده فثبت وقاتل.

وقوله -في بداية القصيدة:

لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ

*فاعْلَمْ وإِنْ رُدِّيتَ بُرْدَا

إِنَّ الجَمالَ مَعادِنٌ

*ومَناقِبٌ أَوْرَثْنَ مَجْدَا

يصلحان لأن يكونا من الحكمة، وأن يستشهد بهما في مواقف التعبير عن الجمال الحقيقي، وفي مواطن تعليم النشء أن الجمال الذي يعتد به هو جمال الجوهر، وليس جمال المظهر. ومما يمكن أن يعد من الحكمة كذلك قوله:

كُلُّ امْرئٍ يَجْرِي إلى

* يَوْمِ الهِياجِ بِما اسْتَعَدَّا

فهو صالح للتعبير عن الاستعداد لكل شيء بما يناسبه؛ فالذي يذهب إلى الحرب يستعد لها بما يناسبها، والذي يذهب لشيء غير الحرب يستعد له بما يناسبه.

وقوله -عن أعدائه:

قَوْمٌ إِذا لَبِسُوا الحَدِيـ

* ـدَ تَنَمَّرُوا حَلَقًا وقِدَّا

اعتراف للخصوم بما عندهم من قوة، وهذا من صدق القول، ومما يرفع من قيمة الفارس؛ لأن الذي ينتصر على القوي يكون أقوى منه، والذي ينتصر على الشجاع يكون أكثر منه شجاعة، ولا فضل لقوي يتغلب على ضعيف، أو شجاع أو يقهر جبانًا.

ومع الشجاعة التي كان عمرو بن معديكرب يتصف بها ومع جرأته، وثباته في الحرب، وتجربته لها؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله  عنه   سأله عن الحرب فقال: مرة المذاق، إذا شمرت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن ضعف عنها تلف، وهي كما قال الشاعر:

الحربُ أوّلٌ ما تكونُ فُتيَّة

*تسعى بزينتها لكلِّ جَهولِ

حتى إذا استَعَرَت وشَبَّ ضِرامُها

*عادت عجوزًا غيرَ ذاتِ خليلِ

شمطاء جزت رأسها وتنكرت

*مكروهة للشم والتقبيل

وهذا الكلام من عمرو يكشف عن تجربته في الحرب، وعن رأيه فيها؛ فهو ليس مجرد فارس يخوض الغمار، ويحمي الذمار؛ بل هو فارس دقيق الملاحظة عميق التجربة، يستطيع -وقد ذاق الحرب- أن يصفها -على هذا النحو- وصف الناقد البصير: فجذابة في أول أمرها، مرة إذا شمرت عن ساقها، كالفتاة الصغيرة تستهوي كل مَن رآها؛ حتى إذا مضى بها السن وأدركها الكبر، عادت عجوزًا غير ذات خليل.

إذا تذكرنا إلى جوار هذا الكلام ما أسلفناه من وصفه بأنه كان صادقًا في تعبيره عن نفسه  اتضح لنا أن الرجل يتصف بصفتين عظيمتين هما: العمق، والصدق، وقد دلت قصيدته التي قرأناها وشرحنا معانيها على هاتين الصفتين، بالإضافة إلى شجاعته وإقدامه وثباته في الحرب… رحم الله عمرو بن معديكرب.

error: النص محمي !!