Top
Image Alt

عمله بالتجارة، وزواجه من خديجة, وحادثة بناء الكعبة

  /  عمله بالتجارة، وزواجه من خديجة, وحادثة بناء الكعبة

عمله بالتجارة، وزواجه من خديجة, وحادثة بناء الكعبة

النبي صلى الله عليه وسلم يتاجر بمال السيدة خديجة:

لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا وعشرين سنة، وكان -كما قدمنا- يهتم بأحوال عمه أبي طالب، وبكثرة عياله، لما بلغ هذا السن؛ وجد أن رعي الغنم لم يعد يناسبه، وأن دخله من الرعي قليل لا يفي بحاجته، ولا يعين عمه، فأخذ يفكر في عملٍ آخرَ يحقق له ما يتمنى، لم يطل به البحث؛ إذ قال له عمه أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وألحت علينا سنون منكرة، وليست لنا مادةٌ ولا تجارةٌ، وهذا عير قومك قد حضر أوان خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالًا من قومك في عيرانها فيتجرون لها في مالها، ويصيبون منافعَ، فلو جئتها وعرضت نفسك عليها؛ لأسرعت إليك، وفضلتك على غيرك؛ لما يبلغها عنك من طهارتك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم يا عمي فلعلها ترسل إليَّ في ذلك.

وكانت خديجة رضي الله عنها قرشيةً كثيرة المال، عريقة الأصل، تتجر بمالها، وترسل عيرانها مع القوافل برجالٍ تستأجرهم، وتشاركهم في هذه التجارة بجزءٍ من الربح، ومكة كانت مشتهرة بالتجارة؛ حيث لا زرعَ فيها، ولا صناعة، وما يدخلها من بضاعةٍ فهو مستورد من الشام أو اليمن، وعادة التجار أن يبحثوا على الرجل الأمين الصادق، يتعاملون معه؛ لأنه يصون أموالهم ويحفظها من الضياع.

وقد رغب أبو طالب من نبينا صلى الله عليه وسلم أن يتجر في مال خديجة لشدة ثقته في ابن أخيه، ولما اشتهر به في مكة من الأمانة، ثم إن الأمر جرى على هذا؛ فإن نبينا صلى الله عليه وسلم عمل مع خديجة في مالها، فرأت من الأمانةِ والبركةِ ما لم ترَ قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى في النبي صلى الله عليه وسلم من خِلالٍ طيبةٍ، ومن صدقٍ وأمانة، ومن شمائلَ كريمةٍ، وفكر راجح، ومنطقٍ صادق، ونهجٍ أمين، فوجدت ضالتها المنشودة.

النبي صلى الله عليه وسلم يتزوج السيدة خديجة:

وكان السادات من قومها والرؤساء يحرصون على زواجها، فَتَأْبَى عليهم ذلك، فتحدثت فيما تريد، وكلمت صديقتها في ذلك، وهذه المرأة ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتفَاتحه في أن يتزوج خديجة، فرضي نبينا بذلك، وكلَّم أعمامه فذهبوا إلى عم خديجة، فخطبوها إليه على إثر ذلك تم الزواج.

وحضر العقدَ بنو هاشم ورؤساء مُضَر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها نبينا صلى الله عليه وسلم عشرين بكْرةً، وكان سنها رضي الله عنها؛ إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذٍ أفضل نساء قومها نسبًا، وحسبًا، وغنًى، وثروةً، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج غيرها حتى ماتت رضي الله عنها وكانت قد تزوجت قبل نبينا صلى الله عليه وسلم برجلين مخزوميين هما عتيق بن عبد الله بن عامر بن مخزوم، وولدت له عبد مناف وهند، والثاني هو أبو هالة، وهو زرارة بن النباش من بني عدي، وولدت له هالة وهندًا والطاهر، ثم إنها ترملت رضي الله عنها بوفاة زوجها الثاني، ورفضت الزواج، فلها أولادها. فلما بلغت الأربعين رأت في نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الطيب الطاهر النقي الذي يعرف بالصدق والأمانة، فلا هو في مطمعٍ من مالها، ولا هو في رغبةٍ من شيءٍ فيما بين يديها؛ عند ذلك رغبت هي في زواجه صلى الله عليه وسلم فرزق منها الولد، رزق منها صلى الله عليه وسلم جميع أولاده إلا إبراهيم، فولدت له القاسم، وبه كان يكنى، ثم زينب ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله، وكان عبد الله يلقب بالطيب والطاهر.

ومات بنوه صلى الله عليه وسلم كلهم في صغرهم، أما البنات: فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن، وهاجرن إلا أنهن أدركهن الوفاة في حياته صلى الله عليه وسلم ما عدا فاطمة رضي الله عنها فقد تأخَّرَ موتها بعد نبينا صلى الله عليه وسلم فلحقت به بعد ستة أشهر.

بناء الكعبة:

وبعد خمسٍ وثلاثين سنة من مولد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مرور عشر سنين بعد زواجه قامت قريش ببناء الكعبة. كانت الكعبة مبنيةً ببناءٍ قصيرٍ فوقَ القامةِ ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل، ولم يكن لها سقف فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت للعوادي التي أدهت بنيانها، وصدعت أركانها وجدرانها، وكان هذا كما قلنا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين. 

ثم إن الأمر ازداد بسيلٍ جرفَ مكةَ، وكان سيلًا شديدًا انحدر إلى البيت الحرام، أوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها؛ حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طَيبًا، فلا يدخلوا فيها مهر بغيٍ، ولا يدخلوا فيها ربًا، ولا مظلمة لأحدٍ من الناس، وكانوا يهابون أن يهدموها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي، وتبعه الناس، لما رأوا أنه لم يصبه شيء، ولما شرعوا في هذا الهدم جعلوا يتابعون الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم عليه السلام ثم أرادوا أخذ الهدم في البناء، فجزءوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولَّى البناءَ بَنَّاءٌ رومي اسمه “باقوم”.

فلما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود، اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع بينهم لعدة ليالٍ، واشتد الأمر حتى كاد يتحول إلى حربٍ ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أولَ داخلٍ عليهم من باب المسجد، فارتضوا ذلك الرأي، وشاء الله عز وجل أن يكون ذلك الداخل هو نبينا صلى الله عليه وسلم فلما رأوه هتفوا مرحبين هذا الأمين: رضيناه؛ هذا محمد. فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر، فطلب صلى الله عليه وسلم رداءً، فوضع الحجر وسط ذلك الرداء، وطلبَ من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا بجميع أطرافه، أو أن يمسكوا جميعًا بأطراف ذلك الرداء، وأمرهم أن يرفعوه؛ حتى إذا أوصلوه إلى موضعه، أخذه بيده فوضعه في مكان وهذا حلٌّ حصيف طيب مبارك رضي به القوم.

ثم إن النفقة قصرت بهم، فلم يتمكنوا من بنائها على قواعد إبراهيم، فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوًا من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الأرض؛ لئلا يدخلها إلا من أرادوا.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها بأن قومها لم يقيموا الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام فعن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألم تري إلى قومك حين بنو الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام قلت: يا رسول، الله أفلا تردها إلى قواعد إبراهيم)). وفي روايةٍ أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: ((لولا أن قومك حديث عهدٍ بشرك أو بجاهلية؛ لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين؛ بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها من الحجر ستة أذرع، فإن قريشًا اقتصروا عليها حين بنت الكعبة)).

error: النص محمي !!