Top
Image Alt

عملُ أفعالِ المقاربةِ

  /  عملُ أفعالِ المقاربةِ

عملُ أفعالِ المقاربةِ

جميع أفعال هذا الباب تعمل عمل “كان”، فتَرفع المبتدأ اسمًًا لها، وتنصب الخبر خبرًا لها، إلا أنّ الخبر يجب أن يكون جملة؛ ليتوجّه الحُكم إلى مضمونها. وشَذَّ مجيئه مفردًًا بعد “كاد”، و”عسى”، و”أوشك”.

كقول الشاعر:

فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آيبًا

*وكم مِثْلِها فارقتُها وهْي تَصْفِرُ

أتى بخبر “كاد” مفردًًا، وهو: “آيبًًا”: اسم فاعل من “آب” إذا رجع.

وقولهم في المثَل: “عَسَى الغُوَيْرُ أبْؤسًًا”، فـ”أبؤسًًا” جمع بُؤْس، ومعناه: العذاب، أو الشدة، وهو: خبر “عسى” أتى به مفردًًا؛ هذا قول سيبويه، وأبي علي من البصريِّين.

وقال الكوفيّون: خبر “يكون” محذوفة، والتقدير: أن يكونَ أبْؤسًًا. وكقول حَسّان>:

مِنْ خَمْرِ نَيْسَانَ تَخَيَّرْتُهَا

*تِرْيَاقَةٌ تُوشِكُ فَقْرَ العِظَامِ

والتقدير: توشك أن تكون فقر العظام.

فأمّا قوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحاً} [ص: 33]، فالخبر: فعل محذوف لدلالة مَصدره عليه. و{مَسْحاً} : مفعول مطلَق لا خبر، أي: فَطَفِقَ يَمْسَحُ مسحًًا.

شرطُ جملة الخبر:

أن تكون فعلية، لتدل على الحديث. وشذَّ مجيء الجملة الاسمية خبرًًا بعد “جَعَلَ” في قول الشاعر:

وقدْ جَعَلَتْ قَلُوصُ بني سُهَيْلٍ

*مِنَ الأكْوَارِ مَرْتَعُهَا قَرِيبُ

أتى بالجملة الاسمية: “مَرتعها قريب”: خبرًًا لـ”جَعَلَ”؛ وهذا شاذ.

وشرْط الفعل المشتمل عليه الجملة: ثلاثة أمور:

الأول: أن يكون رافعًًا لضمير الاسم الذي لهذه الأفعال، نحو قوله تعالى : {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } [البقرة: 71]، فـ”الواو” في: {يَفْعَلُونَ} تعود على اسم “كاد”.

وأمّا قول الشاعر:

وقد جَعَلْتُ إذا ما قمتُ يُثقِلني

*ثوبي فأنهضُ نَهْضَ الشَّارِبِ الثَّمِلِ

وقول الشاعر:

وأسْقِيه حتى كَادَ مِمَّا أبُثُّهُ

*تُكَلِّمُنِي أحجارُهُ ومَلاَعِبُهْ

فـ”ثوبي” في البيت الأوّل، و”أحجاره” في البيت الثاني: بدلان من اسمَي “جعل” في الأوّل، و”كاد” في الثاني، بدل اشتمال، لا فاعلان لِـ”يُثقلني” و”تكلِّمُني”؛ بل فاعلهما: ضمير مستتر فيهما.

والتقدير: جعل ثوبي يُثقلني، وكادت أحجاره تكلِّمني؛ فعاد الضمير على البدل دون المبدَل منه؛ لأنه المقصود بالحُكم. ويجوز في “عسى” خاصة أن يُرفع خبرها السَّببيّ، وهو: الاسم الظاهر، كقول الفرزدق:

وماذَا عسى الحجاجُ يَبْلُغُ جُهْدُهُ

*إذا نحنُ جاوَزْنَا حَفِيرَ زِيَادِ

يُروى بنصب “جهدَه” على المفعولية لـ”يَبلغ”، ورفعه على الفاعلية به.

الثاني: أن يكون الفعل مضارعًًا، وشذّ في “جعل” قولُ ابن عباس {: “فجعَل الرجلُ إذا لم يستطع أن يخرجَ أرْسَلَ رسولًًا”. فـ”أرسل رسولًا”: خبر “جعل”، والفعل فيها ماض: “أرسل”.

الثالثُ: أن يكون المضارع مقرونًًا بـ”أنْ” المصدرية وجوبًًا، نحو: “حَرَى زيد أن يأتي”، أومجرَّدًًا منها وجوبًًا، نحو قوله تعالى: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنّةِ} [الأعراف: 22]، أو غالبًًا ما يقترن الخبر بـ”أنْ”، نحو قوله تعالى: {عَسَىَ رَبّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} [الإسراء: 8]، أو قليلًًا ما يقترن الخبر بـ”أنْ”، نحو: “كادت السماء أن تمطر”.

error: النص محمي !!