Top
Image Alt

عموم القضاء

  /  عموم القضاء

عموم القضاء

يكاد يتفق الفقهاء على أن سلطة القاضي إذا كانت ولايته لهذه السلطة عامة؛ فإنها تشمل عندئذٍ أمورًا متعدِّدة، منها ما هو قضاء وفصل للخصومات، وإنهاء للنزاعات والخلافات، ومنها أعمال أشبه ما تكون بالإدارة، وأكثر اهتمامًا بالإدارة، لكن ما دامت ولاية القاضي عامة فمن الممكن أن تدخل هذه الأشياء في مهامّه واختصاصاته، وفي هذا يقول القاضي الماوردي: “ولا تخلو ولاية القاضي من عموم، أو خصوص” بمعنى: أن ولاية القضاء لا تخرج عن أحد هذين الأمرين، أو الاحتمالين: إما أن تكون ولاية عامة، وإما أن تكون ولاية خاصة.

أما إذا كانت ولاية عامة فإنها تشمل أمورًا كثيرة، ذكر منها الإمام الماوردي عشرة أشياء هي من سلطات هذا القاضي, باعتبار أنه تولى القضاء ولاية عامة:

أولًا: فصل المنازعات وقطع التشاجر والخصومات، إما صلحًا عن تراضٍ، وإما إجبارًا بحكم، وهذا الاختصاص في الواقع الذي ذكره الماوردي هو من أهم وأخص الأشياء التي تدخل، وتنضم، وتنضوي تحت مفهوم القضاء كما سبق.

ثانيًا: استيفاء الحقوق ممن مطل بها -أي: سَوَّف في أدائها- من قول النبيصلى الله عليه وسلم : ((مطل الغني ظلم))، فمن كان عليه حق ويسوّف ويُماطل في أدائه؛ وجب على القاضي استيفاء الحقوق منه، ثم إيصالها إلى مستحقيها بعد ثبوت استحقاقها.

فمن كان مماطلًا؛ فإن من مهام من تولى القضاء تولية عامة أن يستوفي منه الحقوق التي يُماطل في أدائها؛ كأداء مثلًا ديون، أو نفقة للزوجة، أو نفقة على الوالدين، أو ما إلى ذلك؛ فإنه يأخذها من المماطل، ويوصلها إلى مستحقّيها لكن بعد ثبوت هذا الاستحقاق عن طريق الإقرار، أو البينات، أو ما إلى ذلك من وسائل الإثبات.

ثالثًا: ثبوت الولاية على من كان ممنوع التصرف كالصبي الصغير مثلًا، كما أنه يقوم بالحجر على من يرى الحجر عليه لسفه، أو تبذير؛ حفاظًا على ماله حتى ينتفع به، فهذه الأشياء أيضًا تدخل ضمن الولاية العامة.

رابعًا: النظر في الأوقاف بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، والقبض عليها، وصرفها في مستحقيها, أي: ينظر في كل مصالح الأوقاف؛ يتسلمها إن لم يكن القاضي قبله تسلمها، وينظر في طريقة حفظها وتعيين ناظر عليها، وينظر كيف يستثمرها وينميها بالطرق المناسبة لعصره، وكيف يصرفها في مستحقيها حسب شرط الواقف, ما لم يتعارض مع الشرع.

خامسًا: من مهامه أيضًا تنفيذ الوصايا حسب شروط الموصي فيما أباحه الشرع، ولم يحظره, فهذه مهمة جدًّا ومن أهم ما يقوم به القاضي؛ أن ينظر في الوصايا -جمع وصية- التي كتبها أحد الملاك، واشترط فيها أن تُصرف في جهة من الجهات، فما دامت هذه الجهة مباحة شرعًا، فهو يقوم بتنفيذها على النحو الذي اشترطه الموصي.

سادسًا: تزويج الأيامى للأكفاء إذا عُدم الأولياء، أو تشاجروا؛ خلافًا للإمام أبي حنيفة، فمن مهام القاضي الذي تولى هذا المنصب ولاية عامة أن يقوم بتزويج الأيامى -والأيامى جمع أيم، وهو غير المتزوج، رجلًا كان أو امرأة، لكن ينصرف إلى النساء في هذا الموقف- فالمرأة التي ليس لها زوج وتقدم لها الكُفء المناسب، وغاب أو عُدم أحد من أوليائها، أو كانوا موجودين ولكنهم تشاجروا وتنازعوا، إذًا ينتقل الأمر إلى القاضي فيقوم بتزويجها بدلًا من وليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فإذا اشتجروا -أي: اختلفوا- فالسلطان ولي من لا ولي له))، والقاضي هو الذي ينوب عن السلطان في هذه الحالة خلافًا للإمام أبي حنيفة؛ لأنه من المعروف أن الإمام أبا حنيفة أجاز للمرأة البالغة العاقلة الرشيدة أن تزوّج نفسها، وتكون ولية أمرها، ولها أن توكّل في هذا من تشاء ممن تتوافر فيه شروط الوكالة.

سابعًا: أيضًا من وظيفة القاضي الذي تولَّى هذا المنصب تولية عامة: أن يُقيم الحدود على مستحقيها، لكن هذه الحقوق إذا كانت من حقوق الله، أي: من حقوق المجتمع كحدّ الزنى مثلًا؛ استوفاها بلا طلب، أي: بلا خصومة؛ لأن حقوق الله، أو حقوق المجتمع لا تحتاج إلى أن يتقدم شخص ويطالب بتنفيذها، فالمجتمع كله مطالب بتنفيذها، وإلا أثم الجميع؛ خلافًا للإمام أبي حنيفة, فعنده حتى تقام الحدود على مستحقيها لا بد من مطالِب لها.

وإقامة الحدود على مستحقيها عند الإمام أبي حنيفة لا يستوفيها القاضي إلا بطلب من صاحب الحق، أو من ينوب عنه؛ فالذي يرى ألا يستوفيها جميعًا إلا بخصم هو الإمام أبو حنيفة، أما جمهور الفقهاء فيقسمون هذه الحقوق إلى حقوق لله وحقوق للشخص؛ أي: يغلب عليه؛ لأن من المعروف أن لكل حق من الحقوق جانبًا لله، وجانبًا للشخص؛ لأن الشخص هو الذي يستفيد من إقامة هذه الحدود، لكن أيضًا فيها حق لله وهو طاعته وتنفيذ أوامره، فإذا غلب حق الله أطلقنا عليها أنها حق الله، أو حق المجتمع كالزنى مثلًا، وإذا غلب عليها حق الشخص نقول: إنها حق شخصي، كالقصاص، أو فيه خلاف بالنسبة لحدّ القذف؛ هل هو شخصي، أو حق للمجتمع؟

على أي حال؛ جمهور الفقهاء يرون أنه إذا كان هذا الحق لله سبحانه وتعالى ؛ فلا يتطلب الأمر خصمًا يقوم بطلبه، أما الإمام أبو حنيفة فيرى أنه حتى تقام الحدود -أيًّا كان نوعها- لا بد من شخص يتقدم بطلب تنفيذ هذه الحقوق.

ثامنًا: النظر في مصالح عمله, أي: القاضي من مهامه أن ينظر في مصالح عمل القضاء نفسه؛ كأن يبحث مثلًا في أمور التعدِّي على الطرقات، ومحاولة خروج بعض الناس للأبنية عن حقِّه، فعليه أن يتدخل ويوقف كل شخص عند حده.

تاسعًا: من الحقوق التي يقوم بها أن ينظر في الشهود، والمزكين الذين يكونون دائمًا موجودين في المحكمة، ويعرفون الناس ويشهدون عليهم، ويزكون من يحتاج إلى تزكية؛ فهؤلاء القاضي ينظر في أمرهم، فإذا كانوا يستحقون العزل عزلهم، كذلك ينظر في نُوَّابه -نواب القاضي- ومراقبة ومراجعة أعمالهم، وتثبيت الأمناء، وتغيير من يثبت عليه شيء من الخيانة أو المخالفة أو تعطيل سير القضاء فيُغيره، ويأتي بشخص آخر جديد.

عاشرًا: التسوية في الحكم بين المتخاصمين, من حيث الوقت.

ويُلاحظ أن القضاء كان يتَّسع ويضيق حسب الأزمنة، والأمكنة، والعادات، والأعراف؛ فما ذكره القاضي الماوردي ولخصناه فيما سبق من عشرة أمور، إنما كان هذا بالنسبة لزمنه هو، وقد ذكر غيره بعض الأمور الأخرى؛ فمن المؤلفين ومن القضاة من ذكروا في مؤلفاتهم أن القاضي في بعض الأزمنة كان يُوكل إليه أيضًا القيام بخطبة الجمعة، أو يختار لها من ينوب عنه في أدائها، كذلك خطبة العيدين، وكان يقوم بقبض الخراج, أي: يقبض الخراج من بعض الولايات أو بعض الأماكن، ويقبض الزكاة من المزكين, هذه أمور كثيرة جدًّا، لكنها في بعض الأزمنة كانت من العمومات التي تُضاف إلى اختصاص القاضي، ما دام قد وُلِّي تولية عامة.

ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن القضاء في البداية كان مقيدًا بالنظر في القضايا المدنية، أي: في أمور الأسرة, التجارة، النواحي المالية؛ لكن الأمور الجنائية كالقتل، أو القصاص بسبب الاعتداء على النفس، أو الأطراف، أو الجراحات والشجاج، وما إلى ذلك -لم يكونوا ينظرون فيها، بل كان ينظر فيها الإمام أو السلطان نفسه.

لكن في الواقع أن هذه نقطة لا دليل عليها، فلا يوجد نصّ يمنع القاضي من النظر في كل القضايا, ما دام هذا هو الذي يسير عليه العرف، أو هو الذي نُصَّ عليه في عقد الولاية، ولكن ثبت أن بعض القضاة مثل سيدنا أبي موسى الأشعري الذي ولَّاه النبي صلى الله عليه وسلم القضاء فترة في اليمن، وولَّاه سيدنا عمر بن الخطاب أيضًا، هذا الصحابي الجليل والقاضي الماهر العادل سيدنا أبو موسى الأشعري, ثبت أنه في بعض القضايا المتعلقة بالجنايات رجع إلى سيدنا عمر بن الخطاب يستفتيه، ويعرض عليه الأمر؛ ففُهِم من هذا أن سلطة القاضي كانت مقيدة بالأمور المدنية، ولا يدخل فيها الأمور الجنائية، لكن هذا الفهم بعيد عن الصواب؛ لأن سيدنا أبا موسى الأشعري إنما راسل سيدنا عمر بن الخطاب في إحدى الجنايات، لا لأنه ليس من حقه القضاء فيها والحسم والبت، ولكن لأنها كانت قضية غامضة، فأراد أن يتقوَّى باستشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه , لكن ما دام عقد التولية للقاضي كان عقدًا عامًّا، فمن حقِّه أن يقضي في جميع أنواع وأشكال القضايا المدنية والجنائية, صغيرها وكبيرها؛ لأن هذه الأمور في الواقع إنما هي من سلطة الإمام أو السلطان، وله أن يُوكّل في ذلك من يقوم بها مراعيًا المصلحة في ذلك.

error: النص محمي !!