Top
Image Alt

عموم المعاني

  /  عموم المعاني

عموم المعاني

قد سبق أن أشرنا إلى بعض منها، ولكن هنا نريد أن نبين أن العموم من عوارض صيغ الألفاظ حقيقةً، بدليل أن الأصولي إذا أطلق لفظ العام لم يُفهم منه إلا اللفظ.

قال ابن الساعاتي -رحمه الله- في كتابه (بديع النظام الجامع بين البزدوي والإحكام): إن العام هنا بمعنى وقوع الشركة في المفهوم لا بمعنى الشركة في اللفظ، يريد أن معنى كون اللفظ عامًّا حقيقةً أنه يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون في معناه، وليس معنى كون اللفظ عامًّا كونه مشتركًا بالاشتراك اللفظي، كالقرء بالنسبة إلى كونه حقيقة في الحيض والطهر، بل بالاشتراك المعنوي.

قال الإمام الأبياري: قول الغزالي: إن العموم والخصوص من عوارض الألفاظ، لا يظن به إنكار كلام النفس وإنما الظن به أنه أراد به الصيغ للاحتياج إلى معرفة وضع اللغة فيها.

وقال إلكيا أيضًا في تعليقه: الصحيح أنه لا يقع حقيقةً إلا على الألفاظ؛ لأن المعنى الواحد لا يشمل الكل، فإن اللذة التي حصلت لـ”زيد” غير التي حصلت لعمرو.

وقال القاضي عبد الوهاب في (الإفادة): الجمهور على أنه لا يوصف بالعموم إلا القول فقط، وذهب قوم من أهل العراق إلى أنه يصح ادعاؤه في المعاني والأحكام، ومرادهم بذلك حَمْل الكلام على عموم الخطاب وإن لم تكن هناك صيغة تعمها كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] أي: نفس الميتة وعينها، لَمَّا لم يصح تناول التحريم لها عم التحريم جمع التصرف من الأكل والبيع واللمس، وسائر أنواع الانتفاع، وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم بعموم ولا بخصوص.

وكذا قوله صلى الله عليه  وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات…)) عام في الإجزاء والكمال، والذي يقوله أكثر الفقهاء والأصوليين: إن العموم يختص بالقول، وإن وصفهم الجور والعدل بأنه عام مع أن الجور والعدل من المعاني، لكنهم يخرجونه على أنه مجاز وليس حقيقة.

قال القاضي أبو زيد الدبوسي في كتابه (تقويم الأدلة): العموم لا يدخل في المعاني على الصحيح؛ لأنه لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها، وإذا اختلفت تدافعت، وهذا كالمشترك فلا عموم له، بل هو بمنزلة المحل.

وذكر الإمام أبو بكر الجصاص -رحمه الله- في كتابه (الفصول): أن العموم ما ينتظم جمعًا من الأسامي والمعاني، وكأنه غلط منه في العبارة دون المذهب، فإنه ذكر من بعد أن المشترك لا عموم له، وإنما أراد بالمعاني معنًى واحدًا عامًّا كقولنا: خصب عام، ومطر عام.

قال شمس الأئمة السرخسي: ذكر أبو بكر الجصاص: أن العموم حقيقة في المعاني والأحكام كما هو في الأسماء والألفاظ، وهو غلط، فإن المذهب عندنا -أي: عند الحنفية- أنه لا يدخل المعاني حقيقة وإن كانت توصف به مجازًا، وهذا خلاف طريقة أبي بكر الرازي، فإنه حكى عن مذهبهم أنه حقيقة في المعاني أيضًا، واختاره ابن الحاجب وعمم الحقيقة في المعنى الذهني والخارجي، ولذلك مثل بعموم المطر والخصب، ثم قال: وكذلك المعنى الكلي.

وقال الإمام صفي الدين الهندي في كتابه (نهاية الوصول إلى علم الأصول): الحق هو التفصيل بين المعاني الموجودة في الخارج وبين المعاني الموجودة في الأذهان، فإن عنوا بقولهم: المعاني غير موصوفة بالعموم المعاني الموجودة في الخارج، فهو حق؛ لأن كل ما له وجود في الخارج فإنه لا بد وأن يكون متخصصًا بمحل دون محل، وحال مخصوص، ومتخصصًا أيضًا بعوارض لا توجد في غيره، وعند ذلك يستحيل أن يكون شاملًا لأمور عديدة، أما إن عنوا به مطلق المعاني سواء كانت ذهنية أو خارجية فهو باطل، فإن المعاني الكلية الذهنية عامة، بمعنى: أنها معنى واحد متناول لأمور كثيرة، وأما في المعاني ففيه وجهان عند الشافعية، حكاهما الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره، والأكثرون على أنه لا يسمى عامًّا حقيقة، وإذا أضيف العموم إلى المعنى كقولنا: هذا حكم عام، أو قضية عامة، أو حديث عام، فهو من قبيل الإطلاق المجازي، وليس من قبيل الإطلاق الحقيقي، أي: لا يستحق المعنى بحق الأصل أن يوصف بالعموم، وإنما هو بحسب الاستعارة، إما من اللفظ، أو نظر إلى شمول مجموع أفراد المعنى المذكور لجميع محال.

وكذا إطلاق العموم في العلة والمفهوم ونحوها، فَمَن أطلق عليها العموم لا يناقض اختياره هنا أن المعنى لا يسمى عامًّا؛ لأن ذلك إطلاق مجازي، قال الشيخ أبو إسحاق: ولا يجري هذا التفصيل في اللفظ؛ إذ اللفظ لا وجودَ له في الخارج، وأما تخصيص وجوده باللسان فلا يمنع من حمله ودلالته على كل مسمياته. انتهى كلام الشيرازي.

وقد قال القاضي عضد الدين الإيجي: إن كان الخلاف في الإطلاق اللغوي فأمره سهل، أي: عندئذ يصير الخلاف لفظيًّا، وإن كان في واحد متعلق بمتعدد فذلك لا يتصور في الأعيان الخارجية، وإنما يتصور في المعاني الذهنية، والأصوليون ينكرون وجودَ المعاني الذهنية، وفصل الإمام ابن برهان بين المعاني الكلية مثل: حكمة الردع في نصب القتل سببًا، فهي مثل الحكم يجري فيها العموم، وبين المعاني الجزئية فلا يجري فيها العموم، وقال الآمدي في كتابه (غاية الأمل): لعل مَن منع عروض العموم للمعاني لم يكن إلا لنظره إلى ما لا ينحصر منها، وغفلته عن تحقيق معنى كليتها.

وعلى ذلك فيتحصل عندنا ثمانية مذاهب:

المذهب الأول: أن العموم لا يعرض لهما مطلقًا.

المذهب الثاني -وهو قول الأكثريين-: أن العموم يعرض لهما مجازًا لا حقيقةً، أي: المعاني الذهنية والمعاني الخارجية.

المذهب الثالث: أنه يعرض لهما حقيقة بالاشتراك اللفظي.

المذهب الرابع: أنه يعرض لهما حقيقة بالتواطؤ، فتكون موضوعة للقدر المشترك بين اللفظ والمعنى، وهذا والذي قبله يخرجان من كلام القرافي في كتابه (العقد المنظوم في الخصوص والعموم).

المذهب الخامس: أنه حقيقة في المعاني مجاز في الألفاظ.

المذهب السادس: التفصيل بين المعنى الذهني والخارجي.

المذهب السابع: التفصيل بين المعنى الكلي والجزئي.

المذهب الثامن: الوقف، وهو قضية كلام الإمام الآمدي، فإنه أبطل أدلةَ القائلين بالحقيقة والقائلين بالمجاز، ولم يختر منها شيئًا فدل على أنه متوقف.

ويخرج على هذا الأصل مسائل:

منها: أن المفهوم لا عموم له على رأي الإمام الغزالي؛ لأنه ليس بلفظ.

ومنها أيضًا: دلالة الاقتضاء، هل هي عامة أو لا؟ ومعنى دلالة الاقتضاء أي: دلالة الطلب، أي أن الكلام يحتاج إلى لفظ مقدر حتى يصح الكلام، فالكلام على حقيقته وظاهره لا يصح، فيحتاج إلى أن نقدر لفظًا في الكلام حتى يصح، وذلك مثل قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] مثلًا، فاسأل القرية لو تركناها على ظاهرها يكون معناها: اسأل الجدرانَ، واسأل الشجر والنخل والجبال، وكذا إلى آخره. وهذا ليس مرادًا، وإنما المراد: اسأل أهل القرية التي كنا فيها، فاسأل القرية لا بد تقتضي إضمار كلام حتى يصح.

أيضًا: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، و((لا صيام لِمَن لم يبيت الصيام من الليل)) لا بد أن نقدر لا صلاة صحيحة أو لا صلاة كاملة، ولا بد أن نقدر: لا صيامَ كاملًا أو لا صيامَ صحيحًا، حتى يصح الكلام وكذلك: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] وكذلك: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] فالأم والميتة من الأعيان، والتحريم والتحليل من الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية لا تتعلق بالأعيان وإنما تتعلق بالأفعال؛ لقولهم في تعريف الحكم الشرعي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فحتى يصح الكلام هنا لا بد أن نقدر: حرم عليكم وطء أمهاتكم، ولا بد أن نقدر حرم عليكم أكل الميتة، حتى يصح الكلام.

فهذا هو الذي يُقصد بقولهم: دلالة الاقتضاء. فدلالة الاقتضاء هذه هل هي عامة أم لا؟ ومَن ثم ينبغي تأمل كلام ابن الحاجب في أن العموم من عوارض المعاني حقيقة، وأن المقتضي لا عموم له.

ومما يخرج أيضًا على هذا الأصل: أن الفعل هل يكون خاصًّا بشخص معين؟ ومنها سكوت النبي صلى الله عليه  وسلم وهل يكون للفعل دليل عام؟ فيه هذا الخلاف:

يقول الإمام ابن النجار -رحمه الله-: يقال للفظ: عام وخاص، وللمعنى: أعم وأخص، قال الكوراني في (شرح جمع الجوامع): هذا مجرد اصطلاح لا يدرك له وجه سوى التمييز بين صفة اللفظ وصفة المعنى. وقال الإمام القرافي -رحمه الله-: وجه المناسبة أن صيغة “أفعل” تدل على الزيادة والرجحان، والمعاني أعم من الألفاظ، فخصت بصيغة “أفعل” التفضيل، ومنهم من يقول فيها عام وخاص أيضًا.

والعموم بمعنى الشركة في المفهوم لا بمعنى الشركة في اللفظ من عوارض الألفاظ حقيقة إجماعًا، وكذا على خلاف يكون العموم من عوارض المعاني حقيقة في قول القاضي أبي يعلى، وابن الحاجب، وأبي بكر الرازي، ومَن وافقهم، فيكون العموم موضوعًا للقدر المشترك بينهما بالتواطؤ.

والقول الثاني وهو قول الموفق -يقصد ابن قدامة- وأبي محمد بن الجوزي، والأكثر: إنه من عوارض المعاني مجازًا لا حقيقةً.

القول الثالث: إن العموم لا يكون في المعاني لا حقيقةً ولا مجازًا.

وجه القول الأول: أن حقيقة العام لغةً: شمول أمر المتعدد، وهو في المعاني كعم المطر والخصب، وفي المعنى الكلي لشموله لمعاني الجزئيات، واعترض على ذلك: بأن المراد أمر واحد شامل، وعموم المطر شمول متعدد لمتعدد؛ لأن كل جزء من الأرض يختص بجزء من المطر، ورُد هذا بأن هذا ليس بشرط للعموم لغةً، ولو سُلم فعموم الصوت باعتبار واحد شامل الأصوات المتعددة الحاصلة لسامعيه، وعموم الأمر والنهي باعتبار واحد وهو الطلب الشامل لكل طلب متعلق بكل مكلف، وكذا المعنى الكلي الذهني، وقد فرق طائفة بين الذهني والخارجي فقالوا بعروض العموم للمعنى الذهني دون الخارجي؛ لأن العموم عبارة عن شمول أمر واحد لمتعدد، والخارجي لا يتصور فيه ذلك؛ لأن المطر الواقع في هذا المكان غير واقع في ذاك المكان، بل كل قطرة منه مخصوصة بمكان خاص، والمراد بالمعاني المستقلة أي: غير المرتبطة بغيرها كالمقتضي والمفهوم، أما المعاني التابعة للألفاظ، فلا خلافَ في عمومها؛ لأن لفظها عام، ومعلوم أن التابع يتبع المتبوعَ ويأخذ حكمه، فإذا كان اللفظ عامًّا والمعنى تابعًا للفظ، فتكون المعاني عامة أيضًا.

error: النص محمي !!