Top
Image Alt

عموم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعالمية دعوته

  /  عموم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعالمية دعوته

عموم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعالمية دعوته

فمن الأمور المعلومة من دين الإسلام بالضرورة عموم رسالة خاتم النبيّين محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله مبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وقد شملت بعثته أهل الكتاب: اليهود والنصارى، وغيرهم من أهل الملل، وسائر الأمم من العرب والعجم جميعًا من الفرس والروم، والترك والهند والصين، والبربر، والحبشة والناس أجمعين، بل كل الثقلين من الجنِّ والإنس.

وهذا من الأمور الظاهرة في الشريعة الإسلامية، وقد تواترت بها نصوص الكتاب والسنة، واتفقت عليها كلمة هذه الأمة.

قال محمد الطاهر بن عاشور في (مقاصد الشريعة الإسلامية): “معلوم بالضرورة من الدين أن شريعة الإسلام جاءت شريعةً عامةً داعيةً جميع البشر إلى اتباعها؛ لأنها لما كانت خاتمة الشرائع، استلزم ذلك عمومها لا محالة سائر أقطار المعمورة، وفي سائر أزمنة هذا العالم. والأدلة على ذلك كثيرة من نصوص القرآن والسنة الصحيحة؛ بحيث بلغت مبلغ التواتر المعنوي”. انتهى كلامه.

ومن النصوص الدالة على ذلك قول الله تعالى: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].

قال ابن جرير في (تفسيره): “يقول تعالى ذكرُه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس كلهم: {رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل مرسلًا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم. وقال سبحانه وتعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28].

قال ابن عطية في (التحرير والتنوير): هذا إعلامٌ من الله -تعالى- بأنه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى جميع العالم، والكافَّة: الجمع الأكمل من الناس، وكافة: نصب على الحال، وقدمها للاهتمام، وهذه إحدى الخصال التي خُصَّ بها محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء”.

وقال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. قال ابن كثير في (تفسيره): يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمةً لهم كلهم، فمن قَبِلَ الرحمة وشكر هذه النعمة سُعِدَ في الدنيا والآخرة، ومن ردَّها وجحدها خسر الدنيا والآخرة. وقال سبحانه: {تَبَارَكَ الّذِي نَزّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىَ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1].

قال ابن عطية في (التحرير والتنوير) قوله: {لِلْعَالَمِينَ} عام في كل إنسيّ وجنيّ، عاصره أو جاء بعده، وهو متأيِّد من غير ما موضع من الحديث المتواتر، وظاهر الآيات.

ومن الأحاديث الواردة في هذا المعنى ما رواه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرعب مسيرةَ شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فلْيُصَلِّ، وأحلت لي المغانم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعَة، وكان النبي يبعث إلى قومِهِ خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)). وفي رواية لمسلم: ((وأرسلت إلى الخَلْقِ كَافَّة)). قال ابن رجب في (فتح الباري): وقوله: ((إلَى الخَلْقِ كَافَّة)) يدخل فيه الجنّ بلا ريب.

ويؤيد ما قاله قول الله عز وجل: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيّ أَنّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ الْجِنّ فَقَالُوَاْ إِنّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِيَ إِلَى الرّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَن نّشرِكَ بِرَبّنَآ أَحَداً} [الجن: 1، 2] وقوله سبحانه: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الْجِنّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قَالُوَاْ أَنصِتُواْ فَلَمّا قُضِيَ وَلّوْاْ إِلَىَ قَوْمِهِم مّنذِرِينَ (29) قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىَ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيَ إِلَى الْحَقّ وَإِلَىَ طَرِيقٍ مّسْتَقِيمٍ (30) يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ} [الأحقاف: 29 – 31] وظاهر هذه النصوص صريح في كون النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الجن والإنس معًا.

قال ابن القيم في (طريق الهجرتين): “فأما شريعتُنَا فأجمع المسلمون على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن طاعته، كما يجب على الإنس”.

والجنُّ ليس فيهم أنبياء ولا رسل كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وأما قوله سبحانه وتعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـَذَا} [الأنعام: 130] فالمراد من مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإنس، كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] أي: أحدهما.

قال ابن القيم في (طريق الهجرتين): “وذهب شُذّاذٌ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياء. وهذا قولٌ شاذٌّ لا يلتفتُ إليه، ولا يعرف بِهِ سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام”.

وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمدٍ بيدِهِ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحابِ النَّارِ)).

ومصداقه في كتاب الله -تعالى- وهو قوله عز وجل: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] وقوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىَ إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ إِنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [هود: 17].

قال ابن كثير في (تفسيره): “قد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكررت ههنا للتأكيد والحثّ على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم، ونعته، واسمه وأمره، وأمته فحذرهم من كتمان هذا وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرَهُم أن يذكروا نعمةَ اللهِ عليهم من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عمّهِم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحمِلُهُم ذلك الحسد على مخالفتِهِ، وتكذيبِهِ والحيد عن موافقته -صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين”.

قال النووي في (شرح صحيح مسلم): “وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يسمع بي أحد من هذه الأمة)) أي: ممن هو موجودٌ في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعتِهِ، وإنما ذكر اليهودي والنصراني؛ تنبيهًا على من سواهما؛ وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب؛ فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا، فغيرهُم ممن لا كتاب لهم أولى. والله أعلم”.

ومن قال بخروج نوح عن هذا العموم لا يقوم ما استدل به بمعارضة هذا النصّ الصريح، الدالّ على اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور المذكورة؛ لاحتمال أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوحٍ صلى الله عليه وسلم إلَّا قومُهُ، فبعثته خاصة لكونها إلى قومِهِ فقط، وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم، ويؤيّد هذا قول الله تعالى: {إِنّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح: 1] وقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14] فدلَّت الآيات المذكورة: أن رسالته كانت إلى قومه، وليس لغيرهم.

ومن زعم من اليهود والنصارى أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاصةٌ بالعرب فقط، أو بمن ليس له كتابٌ، فحجتهم باطلة، ودعواهم داحضة عاطلة. والنصوص السالفة الذكر واضحة صريحة لا تقبل التأويل، وغيرها كثير مما ورد في دعوة أهل الكتاب خاصة إلى الإسلام، والدخول في عموم طاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لا يكاد يحصى كقوله تعالى: {يَا أَيّهَآ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدّهَا عَلَىَ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنّآ أَصْحَابَ السّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً} [النساء: 47].

وقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ} [المائدة: 15] وقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ عَلَىَ فَتْرَةٍ مّنَ الرّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19]، وقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لّهُمْ مّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، وقوله: {وَإِنّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِنّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 199]، وقوله: {فَإِن لّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنّمَا يَتّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلّ مِمّنْ اتّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ} [القصص: 50]. ورسائله ووفوده صلى الله عليه وسلم إلى ملوكهم، ودعوتهم إلى الإسلام متواترة معلومة.

وقد حكم الله في القرآن بكفر من لم يسلم منهم، وأوجب علينا جهادهم؛ حتى يسلموا، أو يعطوا الجزيةَ عن يدٍ وهو صاغرونَ؛ فإن هم أقروا بجزء البعثة، وأنه نبي كيفما كان لزمهم الإقرارُ بكلها، وأن ما أخبر عن الله حق؛ لأن إقرارهم الجزئي متضمن للإقرار بصدقها، وأنها من عند الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الجواب الصحيح) في جواب من قال من أهل الكتاب: “إن محمدًا رسول أرسل إلى عرب الجاهلية دون أهل الكتاب، قال: إنه من المعلوم بالضرورة لكل من علم أحواله، وبالنقل المتواتر الذي هو أعظم تواترًا مما ينقل عن موسى وعيسى وغيرهما، وبالقرآن المتواتر عنه، وسنته المتواترة عنه، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنه أرسل إلى أهل الكتاب اليهود والنصارى، كما ذكر أنه أرسل إلى الأميين رسولًا، بعد ذكر أنه أُرسل إلى جميع بني آدم: عربهم وعجمهم من الروم، والفرس، والترك، والهند، والبربر، والحبشة، وسائر الأمم، بل إنه أرسل إلى الثَّقلين الجن والإنس، وهذا كله من الأمور الظاهرة المتواترة عنه، التي اتفق على نقلها عنه أصحابه -مع كثرتهم وتفرق ديارهم وأحوالهم.

وقد صحبه عشرات ألوف لا يحصي عددهم على الحقيقة إلا الله -تعالى- ونقل ذلك عنهم التابعون، وهم أضعاف الصحابة عددًا، ثم ذلك منقول قرنًا بعد قرن إلى زمانِنَا مع كثرة المسلمين، وانتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها، كما أخبر بذلك قبل أن يكون، فقال في الحديث الصحيح: ((زُوِيَتْ إِلَيّ الأرضُ، فرأيتُ مشارِقَهَا ومَغَارِبِهَا، وسيبلغ مُلك أمتي مَا زُوِيَ لي منها))، وكان كما أخبر، فبلغ ملك أمته طرفي العمارة شرقًا وغربًا”.

والمقصود: أن محمدًا دَعَا أهلَ الكتاب من اليهود والنصارى إلى الإيمان به وبمَا جاء به، كما دعا من لا كتاب له من العرب وسائر الأمم، وهو أخبر عن الله -تبارك وتعالى- بكُفْرِ من لم يؤمن به من أهل الكتاب وغيرهم، وبأنهم يصلون جهنم وساءت مصيرًا، وهو الذي أمر بجهادِهِم، ودعاهُم بنفسه ونوابه، وحينئذٍ فقولهم في الكتاب لم يأت إلينا، بل إلى الجاهلية من العرب، سواء أرادوا به أن الله بعثه إلى العرب، ولم يبعثه إلينا، أو أرادوا أنه ادَّعَى أنه أرسل إلى العرب لا إلينا، فإنه قد علم جميع الطوائف أن محمدًا دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان به، وذكر أن الله أرسله إليهم، وأمرهُ بجهاد من لم يؤمن به منهم، فإذا قيل مع هذا: إنه قال: لم أبعث إلا إلى العرب، كان كذبًا ظاهرًا عليه، سواءٌ صدَّقَهُ الإنسان أو كذَّبه؛ فإن المقصود هنا أنه نفسه دعا جميع أهل الأرض إلى الإيمان به. انتهى كلامه.

هذا بالنسبة لمن بلغته الرسالة كما في الحديث السابق: ((لا يسمع بي أحدٌ من هذه الملة))، مفهومه أن من لم يسمع به لا يشمله ذلك الحكم.

ولهذا قال القرطبي في (المفهم): “وفيه دليلٌ على أن من لم تبلغه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمره لا عقاب عليه، ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: {وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] ومن لم تبلغه دعوة الرسول، ولا معجزته؛ فكأنه لم يُبعث إليهِ رسول.

وحكمهم في الآخرة: أنهم يمتحنون في عرصات القيامة، ويرسَلُ إليهم هناك رسول، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، كما في حديث الأسود بن سَريع عند أحمد في (المسند) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربعة يوم القيامة: رجل أصمّ لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة؛ فأما الأصم فيقول: ربِّ قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهَرِم فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: ربِّ ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار. قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها؛ لكانت عليهم بردًا وسلامًا)).

وقال ابن القيم في كتاب (الروح): “هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رَوَوه في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلًا من أصول الدين، في عذاب القبر ونعيمه، ومساءلة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر”. انتهى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا؛ فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة. وقد زعم بعضهم: أن هذا يخالف دينَ المسلمين؛ فإن الآخرة لا تكليف فيها، وليس كما قال: إنما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار الجزاء الجنة أو النار، وإلا فهم في قبورهم ممتحنون ومفتونون، يقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وذلك في عرصات القيامة يقال: ليتبعْ كلُّ قومٍ ما كانوا يعبدون؛ فدلَّ ذلك على أن المحنة إنما تنقطع إذا دخلوا دار الجزاء، وأما قبل دار الجزاء فامتحان وابتلاء”.

error: النص محمي !!