Top
Image Alt

عناية التابعين ومَن بَعدهم بحفظ السُّنَّة ومدارستها، ووقوفهم في وجْه حركة وضْع الحديث

  /  عناية التابعين ومَن بَعدهم بحفظ السُّنَّة ومدارستها، ووقوفهم في وجْه حركة وضْع الحديث

عناية التابعين ومَن بَعدهم بحفظ السُّنَّة ومدارستها، ووقوفهم في وجْه حركة وضْع الحديث

سار التابعون وأتباعهم على نهج الصحابة، فكانوا يُوصون أولادهم وتلاميذهم بحِفظ السُّنّة وحضور مجالس العلْم؛ فقد أوصى عروة بَنيه بهذا كما أوصى طُلاّبه. وكان علقمة يُشجِّع طلاّبه على مذاكرة الحديث ودراسته. كما كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: إحياء الحديث: مذاكرته؛ فتذاكروه!. واشتهرت بين العلماء عبارة: “تذاكروا الحديث! فإنّ الحديث يُهيج الحديث” وأكثر مِن هذا، كان بعض الآباء يُشجِّعون أبناءهم على حفْظ الحديث، ويقدِّمون إليهم جوائز كلّما حفظوا شيئًا منه. من هذا: ما رواه النضر بن الحارث، قال: سمعت إبراهيم بن أدهم، يقول: قال لي أبي: يا بنيّ، اطلب الحديث! فكلما سمعتَ حديثًا، وحفظتَه فلك درهم! فطلبتُ الحديث على هذا.

مذاكرة الحديث:

وكان التابعون وأتباعهم يُذاكرون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعات وأفرادًا. عن أبي صالح السمان، قال: حدّثنا ابن عباس يومًا بحديث فلم نحفظْه، فتذاكرناه بيننا حتى حفظناه. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، قال: “كنّا نكون عند جابر بن عبد الله فيحدِّثنا، فإذا خرجنا مِن عنده تذاكرنا حديثه”…. وعن مسلم البطين، قال: “رأيت أبا يحيى الأعرج -وكان عالِمًا بحديث ابن عباس- اجتمع هو وسعيد بن جبير في مسجد الكوفة، فتذاكرا حديث ابن عباس”.

وقال مرة عبد الرحمن بن أبي ليلى: “إحياء الحديث: مذاكرتُه، فتذاكَروه! فقال عبد الله بن شداد: يرحمك الله! كم مِن حديث أحييتَه مِن صدري قد كان مات”.

وقد تطول مجالس المذاكرة مِن أوّل الليل حتى نداء الفجر. وكان مِن طُلاّب العلْم مَن ينتظر انصرام الليل ليلْقَى إخوانه فيذاكرهم. وكان إبراهيم النّخعي يقول: إنه ليطول عليَّ الليل حتى ألقَى أصحابي فأذاكرهم. وممّا يُروى عن شعبة بن الحجاج: أنه خرج مِن عند عبد الله بن عون، وقد عقد بيديْه جميعًا، فكلّمه بعض إخوانه، فقال: “لا تُكلِّمْني، فإني قد حفظت عن ابن عون عشرة أحاديث أخاف أنْ أنساها”.

هكذا كان يُذاكر أصحاب الحديث حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَثْبت في صدورهم ولا ينسَوْه.

وكان بعضهم يتّخذ التحديث بما سمع وسيلة إلى حفْظه، فإذا لم يجد مَن يُحدِّثه حدّث خادمه أو بنيه. وفي هذا: يُروى عن الإمام الزهري أنه كان يبتغي العلْم من عروة وغيره، فيأتي جارية له نائمة فيوقظها، فيقول لها: حدَّثني فلان بكذا، وفلان بكذا، فتقول: ما لي ولهذا؟ فيقول: قد علمت أنكِ لا تنتفعين به، ولكن سمعت الآن، فأردت أن أستذكره. ولا يجد إسماعيل بن رجاء مَن يذاكر الحديث معه، فيجمع غلمان المكاتب ويُحدِّثهم كي لا ينسى حديثه.

وكثيرًا ما كانت تُعقد مجالسُ المذاكرة، وتقام المناظرات بين أصحاب الحديث لتُعرف طُرقه، ويُكشف عن القويّ والضعيف منها؛ وفي هذا يقول يزيد بن هارون: أدركت الناس يكتبون عن كلّ -من المشايخ الأقوياء والضعفاء- فإذا وقعت المناظرة حصلوا.

وقوف التابعين فمَن بَعدهم في وجْه حركة وضْع الحديث:

مقاومة الكذابين:

إلى جانب احتياط التابعين فمَن بَعدَهم، وتثبُّتهم في قبول الأخبار، كان بعضهم يحاربون الكذّابِين علانية ويمنعونهم مِن التحديث، ويستَعْدون عليهم السلطان. قال الشافعي: “لولا شعبةُ، ما عُرف الحديث بالعراق؛ كان يجيء إلى الرجل فيقول: لاَ تُحدِّثْ وإلاّ استعْديْتُ عليك بالسلطان”. وكان شعبة شديدًا على الكذَّابين؛ قال عبد الملك بن إبراهيم الجدي الثقة المأمون: “رأيت شعبة مُغضبًا مُبادرًا، فقلت: مَهْ يا أبا بسطام! فأراني طينة في يده، وقال: أَستعْدي على جعفر بن الزبير، يَكذِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم” وفي رواية: “على هذا -يعني: جعفر بن الزبير- وضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديثًا كذِب!”.

وعن حماد بن زيد قال: كلّمَنا شعبة أنا، وعبّاد بن عبّاد، وجرير بن حازم في رجل، فقلنا: لو كففْت عنه؟ قال: فكأنه لان وأجابنا. قال: فذهبت يومًا أريد الجمعة، فإذا شعبة ينادي مِن خلفي، فقال: “ذاك الذي قُلتم لي فيه، لا أراه يسعني”. وكان شعبة يفعل هذا كلَّه حِسبة لله.

وعن أحمد بن سنان، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: استعْديْت على عيسى بن ميمون في هذه الأحاديث التي يُحدِّثها عن القسم، فقال: لا أعود.

وكان الإمام سفيان الثوري شديدًا على الكذّابين، لا يتوانى عن إظهار عيوبهم؛ وفي هذا يقول ابن أبي غنية: “ما رأينا رجلًا أصفق وجهًا في ذات الله، مِن سفيان الثوري -رحمه الله-” وحدّث حماد المالكي -وكان كذّابًا- حديثًا، فجاءه عمرو الأنماطي، وقال له: “والله لا تفارقني حتى أستعْدي عليك! فأقر أنّه لم يسمعه مِن الحسَن، وحلف لا يحدّث به. قال: فكتبت عليه كتابًا، وأشهدتُ عليه شهودًا”.

وكان بعض المحدِّثين لا يتحمّلون كذِب هؤلاء، فيضربونهم ويهدِّدونهم بالقتل؛ روى الإمام مسلم بإسناده المتصل، عن حمزة الزيات، قال: “سمع مرة الهمداني من الحارث (الأعور) شيئًا، فقال له: اقعد بالباب. قال: فدخل مرة وأخذ سيْفه. قال: وأحس الحارث بالشّرّ، فذهب”.

وكان نتيجة هذا أنْ توارى كثير مِن الكذّابين، وكفّوا عن كذِبهم، كما أصبح عند العامة وعْيٌ جيّد يميِّزون به بين المتطفِّلين على الحديث وأهله ورجاله الثقات. ويدلّ على هذا: ما رواه ابن حجر، عن يزيد بن هارون، قال: “كان جعفر بن الزبير, وعمران بن حدير في مسجد واحد مُصلاّهما، وكان الزحام على جعفر بن الزبير، وليس عند عمران أحَد, وكان شعبة يمرّ بهما، فيقول: يا عجبًا للناس! اجتمعوا على أكذب الناس، وتركوا أصدق الناس. قال يزيد: فما أتى عليه قليل حتى رأيت ذلك الزحام على عمران، وتركوا جعفرًا، وليس عنده أحد”. وكان الناس لا يجرُؤون على الكذب في زمن سفيان الثوري؛ لأنه كان شديدًا على الكذّابين: يكشف عنهم، ويُبيِّن عُوارهم؛ وفيه قال قتيبة بن سعيد: “لولا سفيان الثوري، لمات الورع”.

مقاومة القصاصين:

أمّا القصاصون: فقد ظهرت حلَقاتهم في أواخر عهد الخلافة الراشدة، وكثرت هذه الحلقات فيما بعْد في مختلَف مساجد الأقطار الإسلامية. وكان بعض القصاص لا يهمّه إلاّ أن يجتمع الناس عليه، فيضع لهم ما يُرضيهم من الأحاديث التي تستثير نفوسهم، وتحرّك عواطفهم. وقد كان معظم البلاء مِن هذا الصنف الذي يَكذِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرى في ذلك إثمًا ولا بهتانًا.

وممّا يُؤسف له: أنّ هؤلاء القصاص -على تعالمهم وكذِبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجدوا آذانًا تسمع لهم، وتُصدِّقهم وتُدافع عنهم، وكان هؤلاء مِن جهَلة العامة التي لا يَهمّها البحث والتقصّي.

وممّا وضعه القصّاص: حديث: “إنّ في الجنة شجرة يخرج من أعلاها الحُلل، ومِن أسفلِها خيْل بُلْق مِن ذهب مسرَّجة ملجمة بالدّرّ والياقوت، لا تروث ولا تبول، ذوات أجنحة، فيجلس عليها أولياء الله فتطير بهم حيث شاءوا…”.

وقد قاوم رجال الحديث القُصّاصَ، وبيَّنوا كذِبهم، فلقُوا مِن أتباعهم الإنكار والأذى؛ وفي ذلك حوادث طريفة، منها: أنّ الشعبي أنكر على أحَد القصّاص في بلاد الشام، فقامت عليه العامّة تضربه، ولم يدعْه أتباع القصّاص حتى قال الشعبي برأي شيخِهم، نجاةً بنفسه.

وكان رجال الحديث ينهَوْن طُلاّبهم وإخوانهم عن مجالسة القصّاص؛ من ذلك: ما رواه عاصم، قال: “كنّا نأتي أبا عبد الرحمن السلمي ونحن غلمة أيفاع، فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصّاص غير أبي الأحوص! وإيّاكم وشقيقًا! قال: وكان شقيق هذا يرى رأي الخوارج، وليس بأبي وائل”.

وكان مِن هؤلاء القصّاص المتكسّبين مَن يحفظون أسانيد مشهورة، ويُلصقون بها ما يضعون مِن الأحاديث العجيبة بكلّ وقاحة وصفاقة وجْه، كما فعل القاصّ المذكور مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وكما فعل قاصّ آخر حكى عنه أبو حاتم البستي جهله وكذبه. قال أبو حاتم: دخلت مسجدًا، فقام بعد الصلاة شابّ فقال: “حدثنا أبو خليفة، حدثنا أبو الوليد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، وذكر حديثًا. قال أبو حاتم: “فلما فرغ دعوته، قلت: رأيت أبا خليفة؟ قال: لا. قلت: كيف تروي عنه ولمْ ترَه؟ فقال: إنّ المناقشة معنا مِن قلة المروءة! أنا أحفظ هذا الإسناد، فكلما سمعت حديثًا ضممْتُه إلى هذا الإسناد”.

وقد بيّن أيوب السختياني أثّر القصاص في إفساد الحديث، فقال: ما أفسد على الناس حديثَهم إلاّ القصّاص. وقال أيضًا: ما أمات العلْم إلاّ القصّاص.

والأحاديث التي وضَعَها القصاص في القرن الأوّل قليلة، ازدادت فيما بعد؛ وقد كشف عنها رجال هذا العلْم، وبيّنوا واضِعيها وتتبّعوهم، حتى تميّز الصحيح مِن الباطل.

error: النص محمي !!