Top
Image Alt

عنصر العاطفة

  /  عنصر العاطفة

عنصر العاطفة

أما العاطفة فلا بد أنها وليدة انفعال بسبب دافع أو مثير، هذا الانفعال يكثر ويتدافع ويتعاظم حتى يصبح عاطفة، فالعاطفة تمتاز بأنها استعداد ثابت الأثر نسبيًّا وأن لها موضوعًا تدور عليه، أما الانفعال فإنه حالة نفسية طارئة هي التي تدفع العاطفة، وهي التي تنميها بسبب الدافع أو المثير. العاطفة هي روح النص الأدبي، تهبه الحياة، وإذا قلّت العاطفة أو خمدت أو بردت فإن العمل الأدبي يكاد يفقد حياته وأثره.

والنقد القديم عرف العاطفة من خلال أثرها وبواعثها، وإن لم يذكرها النقاد العرب القدماء بالاسم، فابن قتيبة مثلًا يتحدث في كتابه (الشعر والشعراء) عن بواعث الشعر ودوافعه، والمثيرات -مثيرات العواطف- فيقول: “وللشعر دواعٍ تحث البطيء وتبعث المتكلف؛ منها الطمع ومنها الشوق، ومنها الشراب ومنها الطرب، ومنها الغضب”.

ثم يذكر راويًا عن بعض الشعراء ما يعزّز هذه الدواعي، وما يضيف إليها داعيًا آخر هو الوفاء، إذ يقول: “إن الحطيئة قيل له: أي الناس أشعر؟ فأخرج لسانًا دقيقًا كأنه لسان حية فقال: هذا إذا طمع. وقال أحمد بن يوسف الكاتب لأبي يعقوب الخريمي: مدائحك لمحمد بن منصور بن زياد أشعر من مراثيك فيه وأجود؟ فقال: كنا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد… وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهية: هل تقول الآن شعرًا؟ فقال: كيف أقول وأنا ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب؟ وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه”.

ففي هذا الكلام إشارة إلى البواعث والدوافع التي تحرّك الانفعالات، وتجعل هذه الانفعالات تمور في الوجدان وتثور، حتى تصبح عاطفة. والعاطفة في الشعر تتنوع بتنوع أغراضه، فعاطفة الحزن هي الكامنة في غرض الرثاء، وعاطفة الكراهية هي الكامنة في غرض الهجاء، وعاطفة الإعجاب بالنفس وحبّ الذات هي الكامنة في غرض الفخر، وعاطفة الإعجاب بالغير كنموذج أو مثل أعلى مثلًا أو عاطفة الرغبة في نيل ما عند الممدوح هي الكامنة في غرض المدح، وعاطفة الحب هي الكامنة في غرض الغزل.

ووضع النقاد مقاييس للحكم على العاطفة؛ من هذه المقاييس:

المقياس الأول: صدق العاطفة أو صحتها، وذكروا في شرح هذا المقياس أن العاطفة ينبغي أن تنبعث من أسباب صحيحة غير زائفة، فإذا أردنا أن نقوّم عاطفة في نص أدبي فإن أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو: هل العاطفة التي يثيرها هذا النص أصيلة طبيعية؟ وهل نجمت عن أسباب صحيحة؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب كانت العاطفة صادقة، وكانت كفيلة أن تولد انفعالات أصيلة صحيحة، تجعل النص الأدبي مؤثرًا وباعثًا في نفوس القراء عواطف كالتي قامت في نفس صاحبه، أما إذا كان الجواب بالنفي فإن العاطفة تكون زائفة، مهما حاول الأديب أن يظهرها في ثوب جميل من صنعته الشعرية.

إذًا: الشاعر الجيد هو الذي يثير العواطف بقدر ويبنيها على أساس عميق، أما إذا غالى في ذلك وأثار عواطف حادة لأسباب واهية، فإن شعره يكون ضئيل القيمة مهما استحسنه الناس. والشعراء يتفاوتون في صدورهم عن العاطفة الصادقة، بل إن الشاعر الواحد يتفاوت في أعماله المختلفة في صدورها عن عواطف مختلفة في درجة الصدق كذلك.

وعندما نوازن بين شاعر وشاعر في مجال العاطفة؛ لنرى مقياس الصدق، نأخذ مثلًا قول أبي فراس الحمداني، فعندما بلغه نبأ وفاة أمه حسرة عليه وهو أسير في بلاد الروم، قال يرثيها بقصيدة جاء منها يخاطب أمه فيقول:

أيا أم الأسير سقاك غيث

*بكره منكِ، ما لقي الأسير

إذا ابنك سار في بر وبحر

*فمن يدعو له، أو يستجير؟


حرام أن يبيت قَرِير عين
 
*ولوم أن يلم به السرور

إلى من أشتكي، ولمن أناجي

*إذا ضاقت بما فيها الصدور؟

بأي دعاء داعية أُوقَّى؟

*بأي ضياء وجه أستنير؟

بمن يستدفع القدر الموفى؟

*بمن يستفتح الأمر العسير؟

فهذا شاعر أسير، جاءه خبر وفاة أمه حزنًا عليه فرثاها، وعاطفة الحزن واضحة، وهو في حزنه صادق أشد الصدق؛ لأنه يرثي أمه التي ماتت حزنًا عليه، فبدأ الكلام بالدعاء لها بالسقيا:

أيا أم الأسير سقاك غيث

*بكره منك ما لقي الأسير

أي: أنت كنت تكرهين ما حدث لابنك الأسير. ثم يتساءل الشاعر في حزن عميق عمن يدعو له بعد أمه، ويذهب إلى أنه لن ينام قرير العين ولن يلم به السرور بعد ذلك، ويتساءل لمن يشتكي ومن يناجي إذا ضاق صدره بما فيه:

بأي دعاء داعية أوقى

*…. …. …. …. …. …..

أي: بأي دعاء داعية سيقيه الله سبحانه وتعالى المخاطر؟ وبأي ضياء وجه يستنير بعد أن فقد أمه؟ وبمن يستفتح الأمر العسير بعد موت أمه؟

ونلاحظ أن الرثاء يكون أصدق وأجود كلما كان المرثيّ قريبًا من الشاعر؛ أي: عندما يرثي الشاعر أمه أو ولده أو أباه أو نفسه يكون في درجة من الصدق، وصدق العاطفة في أعلى الدرجات.

والأمر يختلف عندما يرثي الشاعر واحدًا غير هؤلاء، لا تربطه به هذه الصلة القوية؛ فعندما نقرأ رثاء المتنبي لأم سيف الدولة نجد فرقًا، فهذا شاعر يرثي أمه وهذا شاعر يرثي أم مليكه أو صديقه، حيث يقول المتنبي في رثاء أم سيف الدولة:

مشى الأمراء حوليها حفاة

*كأن المرو من زف الرِّئال

وأبرزت الخدور مخبآت
 
*يضعن النِّقْس أمكنة الغوالي

أتتهن المصيبة غافلات
   
*فدمع الحزن في دمع الدلال

ولو كان النساء كمن فقدنا
 
*لفُضلت النساء على الرجال

وما التأنيث لاسم الشمس عيب
 
*ولا التذكير فخر للهلال

أين العاطفة الصادقة في هذه الأبيات؟! نحن لا نحس بحزن هنا، فالكلام يجري مجرى المجاملة لمليك الشاعر أو صديقه، ولا يحمل عاطفة صادقة كالتي لمسنا أثرها في أبيات أبي فراس الحمداني.

المقياس الثاني الذي ذكروه في حكمهم على العاطفة هو: قوة العاطفة وحيويتها، ويذكرون أن هذا المقياس يأتي في المرتبة الثانية بعد المقياس الأول، وهو مقياس الصدق. ويقول النقد: إذا استوثقنا من صدق العاطفة، سألنا أنفسنا: هل حرك هذا النص عواطفنا وأثار مشاعرنا؟ هل وسّع نظرنا وأحيا قلوبنا؟ هل استمدت عاطفتنا قوة جديدة من العاطفة التي حملها النص؟ إن كان الجواب بالإيجاب كان النص حاملًا لعاطفة قوية.

إذًا: تجود العاطفة إذا كانت صادقة وقوية في الوقت ذاته، فمثلًا إذا قرأنا قول المتنبي:

إذا غامرت في شرف مروم
 
*فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر صغير

* كطعم الموت في أمر عظيم

وجدنا أحد أساتذة النقد يعلق على هذا القول، فيقول: نسمع صوت عاطفة الشاعر قويًّا مدويًا، يهيب بنا صعدًا إلى عظائم الأمور، فهذه العاطفة القوية الدافقة المتوهجة تهزّنا وتقوّي من عاطفة الشجاعة والإقدام فينا وتجرئها -أي: تجرئ عاطفة الإقدام فينا- على الاستماتة في سبيل أسمى الغايات وأشرفها، وما دام الإنسان غير مخلد وأنه ميت لا محالة، فخير له إذًا أن يموت شريفًا على أن يحيا ذليلًا.

ومثل هذه العاطفة القوية ما نجده في شعر الحماسة والأناشيد التي نسمعها في أوقات الحرب في العصر الحديث، مثلًا: نشيد “الله أكبر فوق كيد المعتدي” هذا نشيد فيه عاطفة قوية، وكذلك الشعر الذي قاله عنترة بن شداد في وصف الحرب فيه عاطفة قوية، وشعر المتنبي في وصف الحرب. فهذه العواطف القوية التي ينتقل أثرها فينا وتجعلنا نتحمّّس لعاطفة الشاعر أو لفكرته أو تنقل إلينا إحساسه، هذا مقياس من المقاييس التي تقاس بها العاطفة في الأدب.

وليس شرطًا أن تكون العاطفة القوية في إطار اللغة الصاخبة أو الصوت العالي، بل يمكن أن تكون العاطفة قوية في سياق هادئ، المهم أثرها، فالمتنبي عندما يقول:

سُبقنا إلى الدنيا، فلو عاش أهلها
 
*مُنعنا بها من جَيْئة وذهوب

تملكها الآتي تملك سالب

* وفارقها الماضي فراق سليب

نجد في هذا الشعر أيضًا عاطفة قوية، لكنها هادئة ليست صاخبة؛ لأن هذا المعنى معنى متعلق بالموت وذهاب الناس عن الدنيا، وهذا المعنى أثّر في نفس المتنبي وأوحى إليه بهذا التعبير، وعندما نقرأ نحن هذين البيتين فإن هذه العاطفة تنتقل إلينا، ونشعر كما شعر المتنبي أننا سُبقنا إلى الدنيا وأن أهل الدنيا لو خلدوا فيها لما جاء أحد بعد أحد، ولما تملكها جيل بعد أن يفارقها جيل.

والعاطفة في قول المتنبي هذا في وصف حال الدنيا والناس أبقى أثرًا في النفس من قوله مثلًا:

ملث القطر أعطشها ربوعًا

*وإلا فاسقها السم النقيعا

أسائلها عن المتديريها
 
*فلا تدري، ولا تذري دموعا

فالمتنبي في البيتين الأخيرين يخاطب القطر الملس -وهو المطر الدائم- ويدعوه أن يمتنع عن البلاد وأن يعطشها؛ لأنه يسائلها عن أهلها الذين كانوا فيها فلم تجب، فإذا لم يكن إمساك ولا عطش، فإنه يريد من هذا القطر أو المطر إذا نزل على هذه الديار أن يسقيها السم النقيع بدل أن يسقيها الماء النافع، فنحن نتأثر بما ورد في النص الأول أكثر من تأثرنا بما ورد في البيتين الأخيرين، وبسبب هذا التأثر نحكم على العاطفة في النص الأول بأنها أقوى منها في النص الثاني.

ولا شك أن الحكم على العاطفة أمرٌ صعب، يحتاج إلى مزيد من التأمل ومعايشة للعمل الأدبي، وإعادة قراءة له وتعاطف مع الشاعر؛ حتى نستطيع أن نتعرف على عاطفته أو أن نحكم عليها.

وتعتمد قوة العاطفة على طبيعة الأديب، ورهافة حسه وتجاربه الشخصية، والمبادئ والقيم التي يؤمن بها؛ لأن هذه الأمور جميعًا لها أثر في توجه الأديب وفي صدق أدبه وصدق عاطفته التي يحملها هذا الأدب.

المقياس الثالث من مقاييس العاطفة هو: ثبات العاطفة واستمرارها، فالنقد ينظر إلى العاطفة في النص الأدبي، فإذا وجد هذه العاطفة مطردة وثابتة ومستمرة كان ذلك دليلًا على جودة هذه العاطفة، وجودة النص الذي حملها، أما إذا عبر الأديب عن عاطفة غير ثابتة أو غير مستمرة أو متناقضة، كأن يعبر في أول النص عن عاطفة حزينة وجياشة، ثم نجد في وسط النص أو آخره هذه العاطفة الحزينة الصادقة الجياشة فترت أو ضعفت، أو نجد عاطفة أخرى تحل محلها؛ عندئذ تكون هذه العاطفة غير ثابتة وغير مستمرة، ويحكم على هذه العاطفة بأنها غير جيدة، وهذا يجعلنا نحكم على النص الأدبي بأنه ضعيف.

المقياس الرابع من المقاييس التي يحكم بها على العاطفة هو: مقياس التنوع، ومقياس التنوع يستخدم في الحكم على الأعمال الأدبية المختلفة، وعلى قصائد الشاعر في ديوانه؛ فعندما ندرس شاعرًا من الشعراء في أعماله كلها، يأتي مقياس تنوع العاطفة، فتنوع العاطفة هو الذي يجعل الشاعر يكون غازلًا ويكون راثيًا ويكون مادحًا ويكون هاجيًا، وإذا تنوعت عواطفه تنوعت أغراضه.

من هنا وجدنا النقد القديم مثلًا يحكم على ذي الرمة -وهو شاعر من شعراء العصر الأموي- بأن منزلته ليست كمنزلة الفحول مثل جرير والفرزدق؛ لأنه لم يكن متنوع الأغراض، وإنما كان أكثر شعره في وصف الصحراء والغزل في محبوبته مية، ولم يكن هاجيًا ولا مادحًا، فعواطفه لم تكن متنوعة.

فمقياس التنوع إذًا -تنوع العاطفة- يستخدم في الحكم على مجموعة من القصائد أو الأعمال الأدبية؛ لأنه لا يستخدم في الحكم على العمل الواحد؛ لأنه يتناقض مع المقياس الثالث وهو: ثبات العاطفة واستمرارها.

المقياس الخامس من المقاييس التي يحكم بها على العاطفة هو: سموّ العاطفة، وفي مقابل السمو يأتي الدنوّ؛ دنو العاطفة، هذا المقياس يعني نوع العاطفة ودرجتها من حيث رفعتها أو ضعتها، فهناك عواطف سامية وهناك عواطف وضيعة أو دنيئة، والعواطف السامية نجدها في الأغراض الشريفة: الحب الصادق، الرثاء، المديح الصادق، هذا أيضًا له علاقة بالهدف والغاية من الشعر أو الغاية من الأدب، فمثلًا غزل عنترة بن شداد فيه عاطفة سامية، أما ما نجده مثلًا في الغزل بالمذكر عند أبي نواس أو عند بشار مثلًا فهذا من العاطفة الدنيئة أو الوضيعة.

وكل أدب يدعو إلى الرذيلة أو يصورها مغريًا بها، فإنه يندرج تحت العاطفة الوضيعة، ويحكم عليه من الناحية الأخلاقية بأنه أدب رديء، وهذا لا يعني أن الأدب يجب أن يتحول إلى وعظ، وإنما هذا الكلام معناه أن الأدب إذا توافر فيه الجمال، وكان هدفه الخير والحق فإنه يكون مستوفيًا شروط الجودة جميعًا، أما إذا توافر في الأدب عنصر الجمال والتعبير الجيد والتصوير الجميل، وتخلى عن الحق والخير فإن ذلك ينقص منه، وإذا توافر فيه الغاية النبيلة والحق والخير وفقد جمال التعبير والتصوير فإنه أيضًا يكون قد فقد قيمة كبيرة من القيم، التي على أساسها يقدر الأدب.بهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن العاطفة، وهي أحد العنصرين اللذين يتكون منهما المضمون.

error: النص محمي !!