Top
Image Alt

غريب الحديث، ومصنف أبي عبيد نموذج منه

  /  غريب الحديث، ومصنف أبي عبيد نموذج منه

غريب الحديث، ومصنف أبي عبيد نموذج منه

وننتقل إلى فن آخر من الفنون التي ألفت منذ عصر تابعي التابعين إلى هذه الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي القرن الثالث والنصف الأول من القرن الرابع تقريبًا، وهـو: فن غريب الحديث:

والغريب في اللغة: يقال في اللغة غرُبت الكلمة غرابةً إذا كان فيها غموض، وخفي معناها، وعلى ذلك فإن الغريب من الكلام هو الغامض البعيد عن الفهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد البلغاء، وأستاذ الفصحاء، وهو الذي فضله الله تعالى على الأنبياء أنه أوتي جوامع الكلم، وجوامع الكلم هو الكلام القليل الذي يجمع في طياته معاني كثيرة، كما أن أسلوبه ومعانيه بالإضافة إلى ألفاظِهِ كلُّ ذلك كان واضحًا جليًّا يخاطب به الصحابة -رضي الله عنهم، فيفهمون عنه ويستوعبون مراميه؛ غير أنه قد جدت أحوال احتاج الناس من أجلها إلى توضيح بعض الكلمات التي وردت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لَمَّا بُعَدَ العهدُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل كثيرٌ من الأعاجم في الإسلام.

وفي ذلك يقول الإمام أبو سليمان الخطابي المتوفى سنة ثلاثمائة وثمانٍ وثمانين: ثم إن الحديث لما ذهبت أعلامه بانقراض القرون الثلاثة، واستأخَرَ به الزمانُ فتناقلته أيدي العجم، وكثرت الرواة، وقَلَّ منهم الرعاة، وفشا اللحن، ومَرُنَتْ عليه الألسنُ اللُّقُنُ؛ عندئذ رأى أولو البصائر والعقول والذابون عن حريم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن من الوثيقة في أمر الدين والنصيحة لجماعة المسلمين أن يُعْنَوْا بجميع الغريب من ألفاظه، وكشف المستور من قناعه، وتفسير المشكل من معانيه، وتقويم الأَوَدِ من زيغ ناقليه، وأن يدونوه في كتب تبقى على الأبد وتخلد على غير مسند ليكون لمن بعدهم قدوة وإمامًا، ومن الضلال عصمة وأمانًا؛ فبدأ العلماء في التأليف في هذا الفن منذ مرحلةٍ مبكرةٍ جدًّا.

ومنهم: النضر بن شميل المتوفى سنة مائتين وثلاث من الهجرة، وقطرب -واسمه محمد بن مستنير- المتوفى سنة مائتين وستٍّ من الهجرة. وأبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة مائتين وتسعٍ وعشرين، ثم جاء كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة مائتين وأربع وعشرين من الهجرة، وابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم المتوفى سنة ستمائة وستٍّ وسبعين، وأبو إسحاق إبراهيم الحربي المتوفى سنة مائتين وخمس وثمانين، والكتب الأربعة الأخيرة كلها مطبوعة، وتتابع التأليف في هذا الفن، وإن كان كتاب إبراهيم الحربي ليس مطبوعًا منه إلا القليل من الكتاب.

ونقف عند غريب الحديث كأبي عبيد القاسم بن سلام؛ إذ هو قد استوعب ما قبله ممن سبقوه في هذا الفن، وأبو عبيد الله القاسم بن سلام بن عبد الله وُلِدَ سنة مائة وسبع وخمسين بهراه، مات -رحمه الله- سنة مائتين وأربع وعشرين بمكة.

منهجه في كتاب (الغريب):

فهو ليس على ترتيبٍ معينٍ، وإذا كان الطبعة الهندية التي ظلت متداولة، ويرجع إليها الباحثون بدون أسانيد؛ فإنما هذا كان من اختصار بعض الرواة بعد أبي عبيد.

أما أصل الكتاب: فهو بإسناد، كما نشره الدكتور حسين شرف، وحققه أيضًا، وهو لا يتكلم عن صحة الحديث أو ضعفه، إنما يتكلم عما فيه من غريب ويوضحه.

ومثال ذلك: كلمة “زَوَى” في قوله صلى الله عليه وسلم: ((زويت لي الأرض؛ فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلْكُ أمتي ما زوي لي منها))، قال أبو عبيد: سمعت أبا عبيدة، ومعمر بن المثنى التيمي -من تيم قريش مولى لهم- يقول: “زُوِيَتْ”: جُمِعَتْ، يعني ((زويت لي الأرض)): جمعت لي الأرض. ويقال: انزوى القوم بعضهم إلى بعض: إذا تدانوا وتضاموا. وانزوت الجلدة من النار، أي: اجتمعت وانقبضت.

ونعطي مثالًا آخر: ففي كلمة “عسف”، قال أبو عبيد: العُسَفَاءُ: الأُجَرَاء، والواحد منهما عسيف، أي: أجير. ومنه الحديث الآخر: “أن رجلين اختصما إليه صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: إن ابني كان عسيفًا على هذا” أي: كان أجيرًا.

ومثال ثالث في كلمة “دجج”. قال أبو عبيد: الدَّاجُّ: الذين يكونون مع الحجاج مثل الأجراء والحمالين والخدم وأشباههم. وقد طبع كتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد في حيدر آباد بالهند سنة ألف وثلاثمائة وأربع وثمانين من الهجرة، وألف وتسعمائة وأربعٍ وستين من الميلاد في أربعة مجلدات، وكما قلت هذه الطبعة ليست فيها أسانيد، لكنَّ طبعة الدكتور حسين شرف -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- والتي تولَّى طبعها ونشرها مجمع اللغة العربية بالقاهرة مسندة، وعليها تعليقاتٌ كثيرة، وكان فيها تلافي عدم الترتيب؛ لأنه في نهاية المجلدات صنعت فهارس الكتاب تقرب متباعدَهُ، وتيسر الحصول على المادة المراد ما جاء فيها من أحاديث أو ما جاء تحتها من تفسير لها.

error: النص محمي !!