Top
Image Alt

غزوة حمراء الأسد

  /  غزوة حمراء الأسد

غزوة حمراء الأسد

أ. خروج المسلمين بجراحاتهم في اليوم التالي لأحد؛ إظهارًا لقوتهم:

خرج رسول الله صلى الله عليه  وسلم متعقبًا قريشًا في اليوم التالي لغزوة أُحد، وذلك يوم الأحد الموافق السادس عشر من شوال، فوصل إلى “حمراء الأسد” وهي على نحوٍ من ثمانية أميال من المدينة؛ وذلك كي يُشعر أهل المدينة ممن كان مشركًا أخفى شركه في قلبه، واليهود كذلك؛ حتى يعلمهم بأن المسلمين ما زالوا في ثبات وقوة.

وأمر ألا يخرج إلا من كان معهم بالأمس؛ حتى لا يعطي فرصة لمن عاد راجعًا مع عبد الله بن أبي بن سلول؛ حتى لا يكون الشرف إلا لمن ثبت بالأمس، فخرج النبي صلى الله عليه  وسلم بأولئك الأبطال من أصحابه على جراحاتهم ماضين يتعقبون العدو.

ولم يأذن النبي صلى الله عليه  وسلم لأحدٍ ممن تقاعس بالأمس، اللهم أنه حينما جاءه عبد الله بن جابر رضي الله  عنه وقال: يا رسول الله، والله ما منعني أن أخرج بالأمس إلا أن أبي أمرني أن أبقى مع أخواتي؛ لأنه قال: لا نخرج معًا، ونترك هؤلاء النسوة فآثرته بالخروج معك، وقد أكرمه الله بالشهادة، وهذا الرجل الوحيد الذي أذن له النبي صلى الله عليه  وسلم بالخروج في هذه الغزوة -غزوة حمراء الأسد.

ب. استعمال عبد الله بن أم مكتوم على المدينة، وملاقاة معبد بن أبي معبد:

استعمل النبي صلى الله عليه  وسلم على المدينة عبد الله بن أم مكتوم كما استعمله عند خروجه لأحد، وقد لقي النبي صلى الله عليه  وسلم معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة كلها مسلمهم ومشركهم عيبة نصحٍ رسول صلى الله عليه  وسلم -أي معه-، كانوا يخبرونه بأمر قريش ويفرحون لفرحه، ويحزنون لما ينزل به من أسى أو مصاب، فقال معبد للنبي صلى الله عليه  وسلم، وكان الرجل لا يزال مشركًا: “يا محمد، أما والله لقد عزَّ علينا ما أصابك، ولوددنا أن الله عافك فيهم”، ثم لما خرج النبي صلى الله عليه  وسلم تابع معبد المسير حتى لَقِيَ أَبا سفيان بن حَرْبٍ ومَنْ معه بِالرّوْحَاءِ وقد أجمعوا الرّجْعة إلَى رسولِ الله صلى الله عليه  وسلم، فوجدهم وقد أجمعوا أو لعلهم راجعوا أنفسهم أن يرجعوا، وقالوا: أَصَبْنَا حَدَّ أَصْحَابِهِ وَأَشْرَافَهُمْ وَقَادَتَهُمْ ثُمّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ لَنَكُرّنّ عَلَى بَقِيّتِهِمْ فَلْنَفْرُغَنّ مَعَهُمْ، فلما رأى أبو سفيان معبدًا، قال له: ما وراءك يا معبد؟ قال له: لقد خرج مُحَمَّدٌ في أصحابِهِ الذين لم يخرجوا معه بالأمس، خرجوا في جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطّ يَتَحَرّقُونَ عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تَخَلّفَ عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فقال أبو سفيان: ويحك ما تقول؟ قال: والله إني أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن هذا، وكان في هذا صنيع خير قام به معبد الخزاعي، وكان في كلامه ما حفز أبا سفيان ومن معه على أن يمضوا في طريقهم إلى مكة.

وقد مَرَّ بأبي سفيان والمشركين ركبٌ من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: هل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه  وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل))، وفي هذا نزل قوله عز وجل: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم} [آل عمران:173-174]. وهنا قال صفوان بن أمية بن خلف ناصحًا أبا سفيان ألا يعاود الكرة ويعود إلى المدينة، فقال صفوان: لا تفعلوا، فَإِن القَومَ قد حَرِبُوا، وقد خَشِينَا أَن يكونَ لهم قِتَالٌ غيرُ الذي كَانَ فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا. فقالَ النّبِيُّ صلى الله عليه  وسلم وهو بحَمْرَاءِ الْأَسَدِ حين بلغهُ أَنّهُمْ هَمّوا بِالرَّجْعَةِ: ((وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سُوّمَتْ لَهُمْ حِجَارَةٌ لَوْ صُبّحُوا بِهَا لَكَانُوا كَأَمْسِ الذّاهِب)). ثم إنه صلى الله عليه  وسلم أقام في حمراء الأسد يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم عاد صلى الله عليه  وسلم إلى المدينة التي وصلها يوم الجمعة.

ج. مواجهة الحرب النفسية في المدينة:

وفي المدينة كان على المسلمين أن يتصدوا لقالات السوء التي أشاعها اليهود والمنافقون الذين أرجفوا في المدينة بكل ما ينال المسلمين، حتى إن اليهود قالوا: إنما محمدٌ طالب مُلكٍ، ولو كان نبيًّا ما وقع له ما وقع.

كذلك المنافقين الذين أرجفوا في المدينة، وقالوا كلامًا كثيرًا مما يدل على ما كان يعتمل في قلوبهم من النفاق والكفر والعداء للإسلام.

وحكى القرآن العظيم كثيرًا مما قاله المنافقون، ورد عليهم الرد الذي يفحمهم، وتشهد لهذا كله آيات سورة آل عمران التي تناولت هذه الغزوة الهامة من غزوات النبي صلى الله عليه  وسلم.

error: النص محمي !!