Top
Image Alt

فعلي “نعم وبئس”

  /  فعلي “نعم وبئس”

فعلي “نعم وبئس”

إن في اللغة ألفاظًا وأساليب كثيرة تدل على المدح أو الذم، بعضها يؤدي هذه الدلالة بصورة صريحة؛ لأنه وضع لها من أول الأمر نصًّا، وبعضها لا يؤديها إلا بقرينة، ونعم وبئس من هذا النوع الصريح، وبجانبهما أفعالًا أخرى تؤدي دلالة المدح أو الذم أيضًا، مثل: “أمدح” “أثني” “أستحسن” “أذم” “أهجو” “أستقبح”… إلخ.

ومن أمثلة الذي يحتاج لقرينة: أساليب: النفي، والاستفهام، والتعجب، والتفضيل… ونحوها، فإنها أساليب، قد تضم إلى معناها الخاص دلالتها على المدح أو الذم بقرينة، كقولك في إنسان يتحدث الناس بفضائله ومزاياه: ما هذا بشرًا، أو بنقائصه وعيوبه، تقول أيضًا: ما هذا بشرًا، تريد في الحالة الأولى أنه ملك أو كالملك وتريد في الحالة الثانية أنه شيطان، ومن أساليب ذلك ما قاله شوقي:

وَما المُلكُ إِلّا الجَيشُ شَأنًا وَمَظهَرًا

*وَلا الجَيشُ إِلّا رَبُّهُ حينَ يُنسَبُ

وقوله:

إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما

*وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما

وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ

*وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما

وقول المتنبي في ذم قائد الجيش الرومي:

فَأَخبِث بِهِ طالِبًا قَهرَهُم

*وَأَخيب بِهِ تارِكًا ما طَلَب

إن نعم وبئس وما جرى مجراهما من الألفاظ التي تدل نصًّا على المدح العام، أو الذم العام هي من النوع الصريح، تؤدي دلالة الذم أو المدح دلالة صريحة؛ لأنه وضع لها من أول الأمر نصًّا.

لقد نظر العلماء في هذين الفعلين، واختلفوا في فعليتهما، كعلماء البصرة وشيخ الكوفة الكسائي ارتأوا أن نعم وبئس فعلان، واستدلوا على ذلك بالحديث الشريف: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)) استدلوا برواية هذا الحديث، مع ملاحظة أن هناك رواية أخرى، وهي: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة)) لكن الرواية التي استندوا إليها هي ما قلت: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت)) حيث اتصلت تاء التأنيث بالفعل نعم؛ فاتصال تاء التأنيث بنعم، دل على أنه فعل، وكذلك الحال بالنسبة لبئس.

ومن الأدلة: بناء كل من الفعلين على الفتح، كسائر الأفعال الماضية. ومن الأدلة: اتصال ضمير الرفع البارز بهما، في لغة من لغات العرب؛ هذه الأدلة الثلاثة؛ اتصال تاء التأنيث بالفعلين، أو بنعم وبئس، وبناؤهما على الفتح، كسائر الأفعال الماضية، واتصال ضمير الرفع البارز بهما، هذه الأمور دفعت البصريين والكسائي إلى القول بأن نعم وبئس فعلان، وأما باقي الكوفيين فرأوا أنهما اسمان ودللوا على ذلك بقول الأعرابي حين أخبر بأن امرأته ولدت له بنتًا قال: “والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء وبرها سرقة”.

ومن الأمثلة أيضًا التي استندوا إليها على اسمية نعم وبئس؛ قولهم: “نعم السير على بئس العِير” العير هو الحمار، حيث دخل حرف الجر على نعم في قول الأعرابي: “ما هي بنعم الولد” ودخل حرف الجر أيضًا على بئس في قولهم: “نعم السير على بئس العير”، وحرف الجرف لا يدخل إلا على الأسماء.

وقد تأول البصريون المثالين السابقين حيث رأوا أن حرف الجر لم يدخل على نعم أو بئس، وإنما دخل على محذوف تقديره: والله ما هي بمقول فيها نعم كذا، ونعم السير على مقول فيه بئس العير. وهكذا، وعلى أية حال؛ فإن الكوفيين حين ارتأوا أن كلًّا من نعم وبئس اسمان رأوا أن نعم ركبت مع ما بعدها وصارت اسمًا واحدًا بمعنى الممدوح؛ فتقول في “نعم الرجل زيد”: نعم الرجل مبتدأ حيث رُكب نعم مع الرجل وصارا اسمًا واحدًا تأويله الممدوح، الممدوح زيد، نعم الرجل زيد، فـ”نعم الرجل” بمعنى الممدوح مبتدأ وزيد خبر، والأمر نفسه بالنسبة لبئس حين تقول: بئس الرجل عمرو. كأنك قلت: المذموم عمرو. فبئس الرجل، هذان اللفظان حين ركبا صارا اسمًا واحدًا بمعنى المذموم وقع مبتدأ وعمرو خبره، وقد أضاف الأشموني في شرحه ألفية ابن مالك رجزًا تضمن دخول حرف الجر على نعم، وهو:

صبّحك الله بخير باكر

*بنعم طير وشباب فاخر

الشاهد فيه: “بنعم طير” حيث دخل حرف الجر على نعم، والتأويل في رأي علماء البصرة: صبحك الله بخير باكرًا بكلمة نعم, منسوبة إلى الطائر الميمون، وإن كان الأولى من التقدير أن يقال: إن هذا شاذٌّ. على أية حال إن علماء النحو أو معظمهم قد ساروا وفق ما ارتآه البصريين والكسائي، حيث إن نعم وبئس فعلان. فهما فعلان لازمان غير متعديين وجامدان غير مشتقين، فقد انصرفا إلى إنشاء المدح والذم؛ فكانا فعلين لازمين لإنشاء المدح والذم، يرفعان فاعلًا ولا ينصبان مفعولًا به.

وقد تعددت لغات العرب في النطق بهذين الفعلين؛ فالمشهور: “نِعْم” بكسر النون وسكون العين، وهو تخفيف من لغة أخرى نِعِم، بإتباع العين النون “نِعِم”، ومع ذلك فإن اللغة الأولى المشهورة هي “نِعْم” المخففة بعد الإتباع من نِعِم، ثم الأصل نَعِم؛ فهذه لغة ثالثة مع أنها الأصل، لكن ترتيبها في المرتبة الثالثة، ثم تأتي لغة في المرتبة الرابعة مخففة من هذا الأصل بتسكين عينه، وهو: نَعْم.

وأما بالنسبة لبئس؛ ففيها أيضًا اللغات الأربع السالفة الذكر لنعم، وقيل: المسموع منها لغتان: بِئْس وبَئِس، وقيل: بِيْس بإبدال الهمزة ياء، وسمع أيضًا: بَيْسَ إذًا هما فعلان ماضيان لازمان لإنشاء المدح والذم؛ متجردان من دلالة الزمن، بعد أن تكونت من نعم وبئس وفاعل كل منهما جملة إنشائية غير طلبية، يقصد منها إنشاء المدح العام أو الذم العام، من غير إرادة زمن ماض أو غير ماض؛ فكلاهما انتقل إلى نوع خاص من الإنشاء المحض غير الطلبي لا دلالة فيه على زمن مطلقًا. فتقول مثلًا: نعم أجر المخلصين. وبئس مصير المتجبرين.

ولجمودهما لا يكون لهما مضارع ولا أمر ولا شيء من المشتقات، وتلحقهما تاء التأنيث جوازًا، إذا كان فاعلهما اسمًا ظاهرًا مؤنثًا، وكذلك إذا كان المخصوص مؤنثًا؛ فإنه يجوز تذكير الفعل وتأنيثه، وإن كان الفاعل مذكرًا، ويصح حذف تاء التأنيث بكثرة، ولو كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًّا نحو: نعمت فتاة العمل والنشاط. تقول: نعم فتاة العمل والنشاط، وتقول: بئس فتاة البطالة والخمول، وبئست فتاة البطالة والخمول.

أما في غير هذا الأسلوب إذا لم يقصد الإنشاء غير الطلبي؛ فهما فعلان ماضيان متصرفان دالان على زمن مضى، نحو: نَعِمَ العيشُ؛ فتقول: يَنْعَم فهو ناعم، أي: لان واتسع، وبئس المريض، يبأس فهو بائس؛ لأنهما قد خرجا من إنشاء المدح العام، أو الذم العام، أما حينما يراد منهما إنشاء المدح العام أو الذم العام، في هذه الحالة فلا يراد زمن ماض أو غير ماض؛ فينتقل الفعل إلى نوع خاص من الإنشاء المحض غير الطلبي لا دلالة فيه على زمن.

error: النص محمي !!