Top
Image Alt

فكرة التآمر على إسقاط الخلافة الإسلامية

  /  فكرة التآمر على إسقاط الخلافة الإسلامية

فكرة التآمر على إسقاط الخلافة الإسلامية

هكذا تبيّن لنا أنّ من آثار العلاقة المتبادلة بين نشاط المستشرقين والاستعمار العسكري: فكرة التآمر على إسقاط الخلافة العثمانية. وقد تعاون على إسقاط هذه الخلافة فكْرُ المستشرقين وسيفُ المستعمرين معًا. فكْر الاستشراق الذي خطّط ودبّر ووضع الكتب، وحاك المؤامرات ودسّ الدسائس، واستعان في تدبيره وكيده للخلافة العثمانية بكلِّ ما أوتي من علاقات اجتماعية وثقافية بالفكر الماسوني العالمي، وبالفكر الصهيوني العالمي، وأيضًا بالنشاط اليهودي الذي كان قد اشتدّ ونشط في نهاية القرن التاسع عشر.

أودّ أن أوضِّح لكم هنا: بعض النقاط التي هي على جانب كبير من الأهمية، لنتعرّف على العلاقة المتبادَلة بين مصلحة الاستعمار العسكري في تحقيق أهدافه، وبين النشاط الاستشراقي الذي اشتدّ عُوده في القرن التاسع عشر، واشتدّت هجماته، وظهرت آثاره واضحة في بعض البلاد العربية والإسلامية؛ لأن إسقاط الخلافة العثمانية لم تكن مصادفة، وإنما كانت نتيجة طبيعية لتخطيط طويل امتد ربما طيلة القرن التاسع عشر، واشتد عوده في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ حتى إننا وجدنا أنّ كثيرًا من مفكِّري أوربا اجتمعوا وخطّطوا، ووضعوا المؤلّفات والكتب، وبحثوا البحوث لكيفية إسقاط الخلافة العثمانية. وتعاونوا على ذلك بالمنهج الماسوني العالمي، وبالأيدي الصهيونية ونشاطها الشديد في أوربا، ونوادي أوربا بالذات؛ حتى إننا وجدنا أن هناك مائة مشروع أوربي تعاوَن في وضْعه المستشرقون في أوربا شرقًا وغربًا: مائة مشروع لإسقاط الخلافة العثمانية.

ولو تأمّلنا هذه المشاريع، نجدها تحاول أن تستعين في تنفيذ مخطّطاتها بكلّ ما تستطيع من وسائل أخلاقية، أو غير أخلاقية. وكان مِن أظهر وسائلِها: الاتّهامات الموجّهة اللاأخلاقية لبعض خلفاء الخلافة العثمانية، وإشاعة أكذوبة أنّ الخلافة العثمانية أصبحت كالرجل المريض. وشاع هذا الوصف القميء بين أقطار العالم العربي والعالم الإسلامي. ثم روّجوا لفكرة أنّ الخلافة العثمانية ما هي إلا استعمار تركي للعالم العربي والعالم الإسلامي، وإعمالًا لمبدإ الحرية ينبغي أن يتخلّص العالم العربي والعالم الإسلامي ممّا أطلقوا عليه اسم الاستعمار التركي، أو الاستعمار العثماني. وأظنّ أن هذه العدوى قد انتشرت وشاعت، بل دخلت بعض المناهج الدراسية في كثير من أقطار العالم العربي، وأصبح تاريخ المنطقة يُدرس لأبنائنا في مدارسنا الابتدائية والإعدادية والثانوية وربما في بعض الجامعات، على أنّ العلاقة المتبادَلة بين الخلافة العثمانية التي تمثِّل رمز وحدة المسلمين، وبين الأقطار العربية التي تنضمّ تحت لوائها، هي: علاقة استعمارية.

ودرس الشباب هذه الفكرة: فكرة أنّ العالم العربي مستعمَر استعمارًا عثمانيًّا، ولكي يكون حرًّا لا بد من التخلص من الاستعمار التركي والاستعمار العثماني.

وبدأت شعوب المنطقة تتأثّر بهذه الأكذوبة، واستغلّت فكرة القوميات التي أشاعها وعمل على إشاعتها يهود الدونمة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وتولّى إثمها أيضًا بعض نصارى لبنان وبيروت، وبعض العلمانيِّين في البلاد العربية والإسلامية، وبعد أن كان العالم العربي يَدين برمز الوحدة للدولة العثمانية والخلافة الإسلامية بدأت تظهر في الأقطار الإسلامية فكرة العصبية القومية؛ فنشأت فكرة القومية الآشورية، والبابلية، والفرعونية، والبربرية، وأصبح أبناء كل قومية يتعصّبون لقوميّتهم، ويتنادون فيما بينهم بضرورة التحرر من الاستعمار العثماني، متأثرين في ذلك بأن الخلافة العثمانية ما هي إلا استعمار ينبغي أن يتخلّصوا منه.

وفي هذه الفترة كان الاستعمار العسكري نشطًا نشاطًا كبيرًا، وبدأت فرنسا وبريطانيا بالذات تستغلان ضعف الخلافة العثمانية في أواخر أيامها، وتستغلان أيضًا الترويج للفكر القومي. وبدأت كلّ دولة منهما تضع يدَها على ما تستطيع من التّرِكة التي خلّفتها الخلافة العثمانية. فوجدنا بريطانيا وضعَتْ يدَها على الأردن، والعراق، ومصر، وفلسطين. وبدأت فرنسا تضع يدها على سوريا، ولبنان، ودول شمال أفريقيا: تونس والجزائر. وإيطاليا احتلّت ليبيا. وتواطئوا فيما بينهم على معاهدة لتقسيم هذه التركة أسموها في التاريخ المعاصر بمعاهدة “سايكس بيكو” التي تم بمقتضاها تقسيم هذه التركة العثمانية فيما بينهم، مستعينين في ذلك بنشر الأفكار التي روّجوا لها لكي تساعدهم الشعوب على ضرورة التخلص من الخلافة العثمانية تحت مسمّى التخلص من الاستعمار العثماني.

وفي هذه الأثناء، كانت الأفكار التي روّج لها المستشرقون تعمل عملها في المنطقة، الأفكار التي تنال من تاريخ المسلمين وحضارة المسلمين من جانب، والتي تدعو إلى وجوب التأسِّي والتأثر بوجوب الاقتداء بالحضارة الأوربية في جميع مناحيها من جانب آخَر.

إن هذه الفترة التي نحن بصددها الآن يمكن أن تُسمّى بمعنى من المعاني: الفترة التي جنَى الاستعمار العسكري فيها ثمرة جهود الغزو الفكري التي نهض بها الاستشراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ حيث بات العالم العربي ومعظم البلاد الإسلامية واقعة تحت الاستعمار العسكري قطرًا قطرًا.

انطلاقًا من هذا، بدأت كلّ دولة استعمارية تفرض على القطر الذي تحتلّه ما تشاء من مناهج تربوية، وإعلام، وثقافة، وعادات، وتقاليد، وفي نفس الوقت تحاول أن تخلِّص هذه الشعوب ممّا تسميه المواريث القديمة، وهي تعني بذلك: الإسلام، والفكر الإسلامي، والحضارة العربية، والحضارة الإسلامية -من جانب آخَر.

لقد ظلّت الخلافة الإسلامية رمزًا لوحدة المسلمين في جميع أقطار العالَم الإسلامي، وكانت تمثِّل هاجس خوف لكل بلاد أوربا، حتى إننا قرأنا على حضراتكم ما صرّح به وزير خارجية فرنسا في مطلع القرن العشرين (هانوتو) حين صرّح بأنّ فرنسا باتت في كبد الإسلام، وفي قلبه، وأنّ البحر الأبيض المتوسط أصبح “بحيرة إسلامية”. وأخذ يحفز دول أوربا لضرورة التخلّص من الخلافة العثمانية، حتى جاء عام 1924م. وفي أوائل شهر مارس بالذات، ألغى مصطفى كمال أتاتورك رسميًّا الخلافة العثمانية في تركيا، وكان ذلك كله قد تمّ في ظروف سياسية هيّأت لها المبررات والأوامر والخطط التي حاكها المستشرقون، وأعطوها ليد الاستعمار العسكري ليقوم بتنفيذها كورقة عمل واجبة التنفيذ.

وبدأ مصطفى كمال أتاتورك ينفِّذ المخطّط الذي يريده في تركيا: فألْغى اللغة العربية إلغاءً كاملًا، واستبدل بحروفها حروفًا لاتينية، وألغى المدارس الدينية، وألغى كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم، وحوّل بعض المساجد إلى مسارح ومؤسسات أخرى غير دور للعبادة، وأعلن أن تركيا قوميّتها طورانية، لا علاقة لها لا بالإسلام ولا بالعالم العربي. وظلت تركيا من هذا التاريخ تلهث وراء أوربا لتلحق بها، ولتنتظم في عقدها، ومازالت هذه القضية موضع خلاف بين تركيا المعاصرة، وبين دول أوربا إلى الآن، ولم تقبلها أوربا لكي تكون واحدة منها.

لعل العالم الإسلامي قد استقبل سقوط الخلافة بحزن شديد، وألَم ومرارة؛ لأنها كانت تمثِّل لهم رمز الوحدة، وكانت تمثِّل لهم التاج العظيم الذي توارثوه أكثر من ألْف عام. وكان وجود الخلافة في بلاد المسلمين يمثِّل بالنسبة لأوربا عوامل ينبغي أن يتخلّصوا منها. كانت تمثِّل لهم ما يمكن أن نسمِّيه: أمانة، علّة. كيف يبرءون منها؟ لماذا؟ لأن بقاء الخلافة العثمانية كانت تمثِّل في نظر أوربا أنّ هناك نظامًا سياسيًّا يعمل على جمْع شمل المسلمين في شرق العالم وغرْبه، مهما كان واقع حال هذا النظام ضعيفًا أو قويًّا، واحدًا أو ممزقًا؛ المهمّ: كان يمثِّل رمز الوحدة الإسلامية، وهذا في حدّ ذاته كان يمثّل هدفًا للاستعمار العسكري ينبغي أن يتخلّصوا منه، وقد فعلوا ذلك.

الأمر الثاني: أنّ بقاء الخلافة الإسلامية أمام مفكِّري ومستعمري أوربا كان يمثِّل لهم دليلًا قويًّا على استمرار أثَر الحضارة الإسلامية، واستمرار التاريخ الإسلامي في ظلّ شعار سياسي موحّد يجمع شمْل الأمّة الإسلامية شرقها وغربها، وهم يريدون أن يقطعوا مسيرة هذا التاريخ، ويريدون أن يستأصلوا شأفته؛ فكان لا بدّ مِن هدْم هذه الخلافة.

ثالثًا: أنّ بقاء الخلافة كان يعني بالنسبة لأوربا بقاء الرمز الذي هزَمهم في كثير من المعارك، بقاء الرمز الذي يَمْثُل أمامهم، ويبرِّر للمسلمين في نفس الوقت ضرورة الدفاع عن بلاد المسلمين شرقًا وغربًا، يُبرِّر في نظر المسلمين من جانب: أن المسلم في شرق الأرض يسأل عنه المسلم في غرب الأرض، ويُبرِّر في نظر أوربا في نفس الوقت: أن بقاء الخلافة التي هزمَتْهم في كثير من المعارك ينبغي أن يتخلّصوا منه.

محوران: محور يمثِّل قوّة المسلمين التي تنادي المسلمين فيما بينهم، لا بد مِن قطع همزة الوصل التي تربط بين المسلم في شرق الأرض والمسلم في غرب الأرض. وفي نفس الوقت، ضرورة التخلص من هذا الرمز الذي يمثِّل هزيمة أوربا في كثير من المعارك.

وهناك أمْر آخَر: أنّ بقاء الخلافة كان يُمثِّل في نظر أوربا: أنه يقضي في أدنى الحدود الرمزية بألا تقوم بين البلاد الأوربية حواجز مصطنعة، خاصة إذا كانت هذه الحواجز تمثِّل بلادًا يؤذَّن فيها بـ”لا إله إلا الله، محمد رسول الله”. فقد كانت البلاد التابعة للخلافة العثمانية تَقْسم أوربا شرقًا وغربًا، وكانت البلاد الأوربية الشرقية في معظمها خاضعة للخلافة العثمانية. ولعلّ المسلمين لم يتنبهوا إلى أهمية هذه القضية إلا بعد أن سمعوا عن حروب البوسنة والهرسك. والشيشان هذه البلاد التي كانت خاضعة للحُكم وللوحدة وللخلافة العثمانية، كانت تمثِّل في نظر أوربا أنها شرق أوربا الجغرافي، ولا بد أن تعود إلى أحضان أوربا الغربية.

كل هذه الهواجس كانت تعمل أوربا جاهدة على التخلص منها، إلى أن جاء مارس 1924م، وأُعلن رسميًّا إسقاط الخلافة العثمانية. وبمجرّد أن سقطت الخلافة رسميًّا، بدأ النشاط الثقافي الذي مهّد له الاستشراق يظهر على السطح. لماذا؟ لأنه أصبح في حماية الاستعمار العسكري.

فبريطانيا -كما قلنا- وضعَتْ يدها على مصر، والسودان، والعراق، والأردن. وبدأ النشاط الثقافي الذي بشّر به الاستشراق في هذه البلاد ينشط ويعمل عمَلَه تحت حماية الاستعمار العسكري في هذه البلاد. وفرنسا -كما قلنا- وضعَتْ يدها على لبنان، وسوريا، وتونس، والجزائر. وبدأ النشاط الثقافي الذي بشّر به المستشرقون في هذه البلاد ينشط ويعمل تحت حراسة النشاط العسكري؛ فكأن النشاط العسكري أو الاستعمار العسكري جاء ليحمي ما بشّر به المستشرقون في هذه البلاد من آثار، وأفكار، وعقائد، وحضارة، وعادات، وتقاليد أوربية أرادوا زرعها ونشرها في هذه البلاد. فبدأ الاستعمار العسكري يعمل على حراسة هذه الأنشطة الاستشراقية، وتبنّاها للأسف الشديد أقلام وأسماء تسمّت بأسماء المسلمين في هذه البلاد، وبدءوا يبشِّرون أو ينشرون هذه الأفكار في العالَم العربي شرْقه وغرْبه.

error: النص محمي !!