Top
Image Alt

فلسفة التربية الإسلامية

  /  فلسفة التربية الإسلامية

فلسفة التربية الإسلامية

إن دراسة مفهوم النزعة العقلية في فلسفة التربية الإسلامية تعتبر من الدراسات المهمة, إذا أردنا أن نستلهم ما في تراثنا من أنماط فكرية، ونكتشف ما فيه من جذور من عمق وعقل، وإنتاج وإبداع؛ حتى يكون ذلك معينًا لنا على أن نواكب تيار الحضارة، وعلى دفع أمتنا إلى الأمام، فنحن بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن نرتضي السير قدمًا نحو الحضارة، وهذا سبيله التمسك بالعقل، وهنا تكون الحياة، وإما ألا نرتضي التقدم بتخلينا عن العقل، وفي ذلك الجمود والموت.

إن دراسة مفهوم النزعة العقلية في فلسفة التربية الإسلامية، وفهمه يوفر لنا أرضية واسعة لفهم الجوانب الكثيرة من جسد التربية الإسلامية في ماضيها, وحاضرها, ومستقبلها.

إن دراسة مفهوم النزعة العقلية في مفهوم التربية الإسلامية, وفي فلسفتها تكشف لنا النقاب عما تحمله أفكار الفلاسفة والمفكرين التربويين الإسلاميين من ثراء لا يمكن أن ينكر، والتي نحتاج إلى التعرف إليها, وإبرازها, وفهمها, ومحاولة الاستفادة منها ما أمكن ذلك.

ويتم مناقشة هذا المفهوم -وهو النزعة العقلية في الفلسفة الإسلامية أو في فلسفة التربية الإسلامية- من أجل الوصول إلى أهم الجوانب التربوية, التي يمكن الاستفادة منها في تعليمنا المعاصر، ونستخدم في ذلك منهج التحليل الفلسفي.

مفهوم النزعة العقلية:

يطلق لفظ العقل في اللغة ويراد به معانٍ متعددة، فقد ورد في المعجم أن العقل هو إدراك الأشياء على حقيقتها، ومنها العقل: التثبت في الأمور، وسمي عقلًا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، ويقال: عقل فلان, أي: عرف الخطأ الذي كان عليه، والعاقل هو المدرك الفاهم الحكيم.

فالعقل وفق مدلول لفظه العام قوةٌ يناط بها الوازع الأخلاقي، أو المنع عن المحظور والمنكر، ومن وظائفه أيضًا: الإدراك, الذي يناط به الفهم والتصور، ثم إنه يتأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه وأسراره، ويبني عليها نتائجه وأحكامه، وهذه الخصائص في جملتها تجمعها وظيفة الحكم, وهي أعلى خصائص العقل البشري -أي: الرشد- وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد، ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم؛ لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف، وعليها مزيد من النضج والتمام، والتميز بميزة الرشاد، حيث لا نقص ولا اختلال، وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك، وقد يؤتى العقل الوازع من نقص في الحكمة، ولكن العقل الرشيد ينجو به الرشاد من هذا وذاك.

وفي كتاب (الطب الروحاني) لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي, يتجلى مفهوم العقل ومقامه عند علماء العرب، وفلاسفتهم في الفصل الأول في فضل العقل ومدحه، قال الرازي: “إن غاية الباري -عزّ اسمه- إنما أعطانا العقل وحبانا به؛ لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه، وإنه أعظم نعم الله عندنا، وأنفع الأشياء لنا وأجداها علينا، فبالعقل أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا، المستورة عنا، وبه عرفنا شكل الأرض والفَلَك، وعظم الشمس والقمر، وسائر النجوم والكواكب، وأبعادها وحركاتها، وبه وصلنا إلى معرفة الباري عز وجل الذي هو أعظم ما استدركنا، وأنفع ما أصبنا، وبالتالي فإنه الشيء الذي لولاه لكانت حالتنا حالة البهائم والأطفال المجانين، والذي به نتصور أفعالنا العقلية قبل ظهور للحس، فنراها كأننا قد أحسسناها، ثم نتمثل بأفعالنا الحسية صورها؛ فتظهر مطابقة لما تمثلناه وتخيلناه منها”.

وإذا أردنا شيئًا من التوضيح الذي يفرق لنا بين نزعة عقلية، وأخرى عاطفية فحسبنا أن نرتكز على العلامة المميزة الآتية: فصاحب النزعة العقلية يشترط في خطوات سيره؛ أن تكون الخطوات التالية مكملة للتي سبقتها، وممهدة للتي تلحق بها، بحيث تجيء الخطوات معًا في تضامن يجعلها وسيلة مؤدية آخر الأمر إلى هدف مقصود، ولا فرق في ذلك بين أن يكون السير سيرًا بالقدمين على سطح الأرض؛ ليصل السائر إلى مكان يريد الوصول إليه، أو أن يكون السير سيرًا عقليًّا ينتقل به صاحبه من فكرة حتى ينتهي إلى حل لمشكلة أراد حلها؛ ذلك هو السير العقلي وعلامته المميزة، ولكن ليس كل سلوك إنساني على هذا النمط الهادف.

إن كثيرًا ما يريد الإنسان شيئًا ويعمل بما ليس يحقق له ما أراد، فإذا سألته كيف أو سأل نفسه كان جوابه أنه يحس ميلًا لا قِبل له برده، يميل به نحو جانب مضاد لما يظن بادئ الأمر أنه ما يريد.

النزعة العقلية هي بعبارة أخرى: نزعة تتقيد بالروابط السببية التي تجعل من العناصر المتباينة حلقات تؤدي في النهاية إلى نتيجة معينة، سواء كانت تلك الحلقات المؤدية محببة، أو غير ذلك عند من أراد الوصول إلى تلك النتيجة المطلوبة.

وأما النزعة العاطفية أو اللاعقلية, فهي التي يؤثر صاحبها اختيار الطريق المحبب إلى النفس، بغض النظر عن تحقق النتائج أو عدم تحققها.

وإذا كانت النزعة العقلية اتجاهًا فكريًّا يهدف إلى تفسير العالم وظواهره، والإنسان وأفعاله على أساس من النظر؛ إلا أن ذلك لا يعني الاعتراض على إمكان وجود نزعة عقلية في حدود فكر ديني، بدعوى التعارض بين الثقة المطلقة في العقل وفقًا للنزعة العقلية، وبين التصديق بقوة غير منظورة وفق الإيمان الديني؛ لأن الاتجاه العقلي ليس في إرجاع الأشياء إلى أنماط تصورية، وإنما في تفسير الظواهر -طبيعية أو إنسانية- وفقًا للقوانين العقلية، ومن ثَمّ أمكن قيام اتجاه عقلي في نطاق عقيدة ما، إذا استدل على النصوص الدينية بحجج عقلية، وهوجمت الآراء المخالفة على أساس عقلي.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن الإشارة إلى أهم الجوانب التي تؤكد النزعة العقلية في فلسفة التربية الإسلامية:

الثقة بالعقل، وتقدير العلم والعلماء:

لعل أول الجوانب التي تؤكد النزعة العقلية في فلسفة التربية, تلك المكانة الرفيعة التي يحتلها العقل في مصادر هذه الفلسفة الرئيسة -القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة- وما حظي به العلم والعلماء من آيات التقدير، ومظاهر الثقة والتبجيل؛ وما كان لأحد أن يعجب لو أن القرآن الكريم كله نزل نصحًا وتشريعًا، وقصصًا وتوجيهًا في صيغ من الأمر والنهي، ليست مقرونة بحض على تعقل، أو علم، أو فكر؛ لأنها تكليف من الخالق عز وجل، يلزم بالتصديق وبالطاعة والانقياد، ولكن القرآن الكريم جاء كذلك تارة، وتارة أخرى مصحوبًا بالدعوة إلى التعقل، والتنويه بالفكر، والإشادة بالتدبر، والتقدير للعلماء وللعلم، والتقريع للجهال والغافلين، والسخرية ممن لا يفكرون.

والذي ينبغي أن نؤكد عليه أن التنويه بالعقل على اختلاف خصائصه, لم يأتِ في القرآن عرضًا؛ بل كان هذا التنويه بالعقل نتيجة منتظرة يستلزمها لباب التربية الإسلامية وجوهرها، ويترقبها كل من عرف جوهر الدين الإسلامي، وعرف جوهر الإنسان في تقديره، فالدين الإسلامي دين لا يعرف بالكهانة، ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق والخالق، ولا يفرض على الإنسان قربانًا يسعى به إلى المحراب بشفاعة من ولي متسلط، أو صاحب قداسة مطاعة، فلا ترجمان فيه بين الله وعباده، الله هو يملك التحريم والتحليل، ويقضي بالحرمان أو بالنجاة، فليس في هذا الدين إذًا ما يتجه إلى الإنسان عن طريق الكهان، ولن يتجه الخطاب إذًا إلا إلى عقل إنسان, حر طليق من سلطان الهياكل والمحاريب، أو سلطان كهانها المحكمين فيها بأمر الإله, فيما يدين به أصحاب العبادات الأخرى.

ومن الآيات التي تبين إشادة القرآن بالعقل والثقة به قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} [لقمان: 12]، أي: آتيناه الفقه والعقل وإصابة القول. {فَاتّقُواْ اللّهَ يَأُوْلِي الألْبَابِ} [الطلاق: 10]. {كَذَلِكَ نُفَصّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم: 28]. {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. {هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9].

إن هذه الآيات الكريمة كلها تدلنا على أهمية العقل واللب والتفكير, والعلماء هم الذين يتفقهون في الدين، فيرشدون قومهم، ويبصرونهم بالحق ليتبعوه، ويحذرونهم من الشر ليجتنبوه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]؛ وذلك أنه بعد غزوة تبوك، وبعد أن أنزل الله تقريع المتخلفين جعل المسلمون يستبقون إلى الجهاد، وينقطعون عن التفقه في الدين، فنزلت الآية الكريمة تبين أنه ليس من الصواب أن يذهب المسلمون جميعًا إلى الجهاد؛ بل يذهب بعضهم، ويبقى آخرون ليتعلموا الدين، وليعلموا إخوانهم بعد عودتهم.

والعلماء هم الذين يخافون الله ويقدرونه حق قدره؛ لأنهم يوقنون بوحدانيته -سبحانه- وقدرته وعدله، وحكمته وكماله المطلق، وقد أثني على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: ((كيف عقله؟)) قالوا؟ يا رسول الله، إن من عبادته كذا وكذا، إن من خلقه، إن من فضله، إن من أدبه. فقال: ((كيف عقله؟)) قالوا: يا رسول الله، نثني عليه بالعبادة، وتسألنا عن عقله؟ فقال رسول الله: ((إن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر، وإنما الناس من ربهم على قدر عقولهم)).

وكان من الطبيعي أن تشيع هذه الروح في أرجاء العالم العربي والإسلامي، بحيث يحظى العلماء في كل ركن من أركانه بالتقدير والاحترام.

ونجد من الاتجاهات التي اهتمت بالفكر في الفلسفة الإسلامية، وفي التربية الإسلامية المعتزلة، ومن هؤلاء الذين اهتموا بالنزعة العقلية في الفكر الإسلامي، ليس لأنهم استدلوا على العقائد السمعية بأدلة عقلية فحسب، ولكن لأنهم وثقوا بالعقل إلى حد لو أنه تعارض النص مع العقل رجحوا دليل العقل، ولجئوا إلى تأويل النص، فقد أقاموا مذهبهم على النظر العقلي، وكان لهم الفضل في أن كانوا هم الأوائل في الإسلام, الذين رفعوا العقل إلى منزلة أن يكون مصدرًا للمعرفة الدينية، فإن الإنسان إذا كان مفكرًا أو عاقلًا، فقد وجب عليه تحصيل معرفة الباري بالنظر والاستدلال قبل ورود السمع.

وذهبت مذاهب إسلامية أخرى إلى أن هناك ملازمة تامة بين ما نصل إليه بالعقل، وما نتلقاه عن الشريعة، من ذلك: ما تذهب إليه بعض الفرق أنه كلما استقل العقل بدركه وحكمه بمدح فاعله أو ذمه، فلا بد من أن يكون حكم الشارع على طبقه، ولا يمكن أن يخالفه بأي حال من الأحوال.

وقد رأى كثير من العلماء أن الحسن والقبح أمران عقليان، فالحسن ما حسن في العقل، والقبيح ما قبح في العقل، وأن كلًّا من الوصفين أمر ثابت للعقل في نفسه، وليس متوقفًا على أمر الشارع به أو نهيه عنه، ولكن العقاب على القبيح لا يكون إلا بعد إقامة الحجة عليه بالرسالة.

ويلفت محمد عبده نظر المسلمين إلى أن الإسلام في دعوته إلى الإيمان بالله ووحدانيته, لا يعتمد على شيء قدر اعتماده على الدليل العقلي، وهو إذ يعدد الأصول التي يقوم عليها الإسلام، يضع في مقدمتها أصلين مهمين:

الأول: النظر العقلي لتحصيل الإيمان.

الثاني: تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض.

وقد بلغ الأصل الأول بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة: إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحق، ثم لم يصل إليه، ومات طالبًا غير واقف عند الظن، فهو ناجٍ.

أما بالنسبة إلى الأصل الثاني, فقد اتفق أهل الملة من المسلمين إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه, على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان:

الطريق الأول: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله عز وجل.

الطريق الثاني: تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة؛ حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل، وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة، وعمل النبيصلى الله عليه وسلم  نجد أن العقل له أهمية كبيرة، فإذا كان العقل هو أداة الإيمان بالله، فمن باب أولى هو أداة الإنسان فيما يخص تكوينه وتربيته، بمعنى تحصيل العلم دون حجر، يقلب المسائل على مختلف وجوهها، يعلل ويحلل، ويوازن ويقارن، ويعترض وينحي، ويجزئ ويضم، وغير ذلك من العمليات العقلية التي تحفظ للإنسان حياته، وكرامته، وبقاءه، واستمراره، وتطوره.

الشك المنهجي، والدعوة لتحرير العقل من التقليد والبدع:

وفي مواضع متعددة في فكرنا الإسلامي, نجد دعوة حارّة لأن نحرر عقولنا مما علق بها من تقاليد وعادات وأوهام انحدرت إلينا من موروث الآباء والأجداد، أو من البيئة التي تحيط بنا منذ الطفولة، وبهذا نستطيع أن نفكر ونبحث في حرية وإطلاق، وهذا يستدعي منا أن نشك في كل شيء ونضعه موضع التجربة والاختبار قبل أن نصل إلى مرتبة اليقين، وهذا ما نادى به “ديكارت” بعد نزول القرآن الكريم بعدة قرون، حيث نادى بأن الشك أول مراتب اليقين.

لقد كانت الدعوة الإسلامية تثير أهل الجاهلية ضد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وأشد ما كان يثيرهم من دعوته أنه يسفّه أحلام الأجداد والآباء، فقلما كانوا يقولون في مجال الغضب منه، والتحريض عليه: إنه يسفه أحلامنا، ويستخف بعقولنا، وإنما كان غضبهم كله منه وتحريضهم كله عليه؛ إذ يقولون عنه: إنه يسفه أحلام آبائنا، ويستخف بعقول أسلافنا، والإسلام حين يطلب من الإنسان أن يهتم بعقله، إنما يطلب هذا من منطق أن العقل إنما يمده بالحجة التي تعينه، وحين يقول الإسلام للإنسان: يجب عليك أن تفتح عينيك, كأنه يقول له: يحق لك أن تنظر في شأنك، بل في أكبر شأن من شئون حياتك، ولا يحق لآبائك أن يجعلوك ضحية مستسلمة للجهالة التي درجوا عليها, ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مّن نّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىَ أُمّةٍ وَإِنّا عَلَىَ آثَارِهِم مّقْتَدُونَ}(23) {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىَ مِمّا وَجَدتّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُوَاْ إِنّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}[الزخرف: 23، 24].

وليس الشك إثمًا ولا قبحًا، وإنما يقبح الشك لو ظل المتعلم على حالة من الشك، وهو يحسن في ابتداء حال المتعلم حتى يصل إلى العلم الذي عنده تسكن النفس، بل لم يكن يقين قط إلا وسبقه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى كان بينهما حالة شك، ومن ثم فقد وجب معرفة مواضع الشك وحالاته الموجبة له؛ لتعرف بها مواضع اليقين وحالاته الموجبة له.

ولا يلزم الشك لتعرف مواضع اليقين فحسب، بل للتوقف والتثبت فيما يصل الإنسان من أخبار، وما يرثه من اعتقادات، ولكن فيم ينبغي أن يكون الشك؟

ذهب “ديكارت” إلى وجوب التخلص من الآراء القديمة عدا الدين؛ لأن حقائقه موحى بها، والأخلاق؛ لدواعٍ عملية لا تجتمع مع الشك والتردد، أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى العكس، فإن هذه الدواعي العملية ذاتها هي التي تفرض على المتعلم الشك في أصول الاعتقادات والعادات الأخلاقية, من حيث إنها تتعلق بسلوك المتعلم في الدنيا ومصيره في الآخرة، إنه لا يلزم كل متعلم النظر في الجزء والمداخلة والكمون، وإنما يلزمه النظر في كل علم يخشى المضرة بتركه، فحال المتعلم كحال المسافر، عليه أن يسأل ويبحث قبل أن يقدم؛ حتى لا يضل أو يسلك طريقًا فيه هلاكه.

فالغرض من الشك أن يتحرز المتعلم من الضرر بما يتولد عن الشك, وعن التفكر في معرفة تمكنه من أداء الواجبات العقلية والشرعية، ويكون عندها أقرب إلى الفضائل والطاعات، وأبعد عن الرذائل والمعاصي، ولن يتسنى للمتعلم أداء ما افترض عليه إلا بعلم توصل إليه بالنظر.

ومن هنا جاءت أهمية كبيرة لتعليم المنطق والفلسفات والرياضيات، ونجد الكثير من علماء المسلمين الذين اهتموا بهذا الأمر، فنجد أن هناك من يهتم بالدعوة إلى البحث عن الحقيقة، بصرف النظر عن كونها إسلامية أو كونها غير إسلامية، أو كونها عربية أو غير عربية، كما يتضح أهمية هذا الشيء، أو هذه الأشياء حين ندرك أن من أسباب الهجوم على المنطق أنه أتى من اليونان، أو أن صاحبه كافر.

ولقد شارك ابن رشد في الدعوة إلى ضرورة تعليم وتعلم المنطق، فقال: إنه لما كانت العلوم النظرية -الطبيعية والرياضية والإلهية- إنما تقوم أصلًا على البراهين العقلية لا النقلية، فلا بد أن يدرس الطالب علم المنطق، وهو قواعد التفكير أو القواعد العقلية الصحيحة, الذي هو آلة الطالب الموصّلة إلى اليقين عن طريق أحكام القياس, ومعرفة المنطق الذي يقيه من السهو والغلط، ويرشده إلى الطريق الذي يجب أن يسلكه حتى يعرف حقيقة الحد الصحيح, والدليل الذي هو البرهان العقلي، وعليه يستطيع التفريق بين البرهان العقلي والبرهان الجدلي المقارب له, ومن هنا نجد أهمية العقل في الفكر الإسلامي.

أيضًا هناك نظرة مهمة جدًّا، وهي تعقيل طريقة التعليم، ونقصد بتعقيل عملية التعليم أو طريقة التعليم: أن يكون التعليم قائمًا على العقل، وقائمًا على الفكر، لا على الحفظ؛ لأنه من خلال هذا العقل نتوصل إلى أشياء جديدة، ونتوصل إلى أشياء مهمة، فقد أكد بعض المفكرين على هدف التدريب العقلي عند تعليم بعض المواد كالمنطق والرياضيات، بل نرى أنها داخلة في كل علم من العلوم، فتعليم المنطق يعني جملة القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل، وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب.

error: النص محمي !!