Top
Image Alt

فن القصة

  /  فن القصة

فن القصة

نتحدث بعد ذلك عن فن آخر من فنون النثر، وهو: فن القصة:

وفن القصة يقوم على تصوير الحياة، أو التعبير عن الحياة، إذا كانت القصيدة تعبر عن لحظة خاصة، فالقصة تعبر عن زمن معين، عن حقبة من الزمن.

تأتي القصة بتفاصيل، وجزئيات، وأحداث، وشخصيات؛ لتصور الحياة في بيئة ما في حقبة زمنية معينة؛ ولأن العمل الأدبي -أي: عمل أدبي- هو تعبير فني عن تجربة. فإننا نجد القصة تعبر عن مضمون. هناك أفكار في عقل كاتب القصة يريد أن يوصلها من خلال الأحداث، والشخصيات، والبطل، والحوار. هذه هي العناصر التي تتكون منها القصة، واللغة هي الأداة التي يعبر بها الكاتب، ويضعها على ألسن شخصياته، ويحرك الأحداث ويصورها من خلال هذه اللغة الفنية.

ونقد القصة يتمثل أيضًا في نقد مضمونها ونقد شكلها، يتحدث ناقد القصة عن فكرتها من جهة المضمون، ويتحدث عن موقف الكاتب من هذه الفكرة وتحمسه لها، وإلى أي قدر أقنعنا بهذه الصورة الحياتية التي قدمها لنا في هذه القصة، ثم يتحدث الناقد عن الحوادث التي جرت في القصة، هل كانت منطقية؟ هل كانت مقنعة؟ كما يتحدث عن الشخصيات، وكيف رسمها القاص؟ وهل استطاع أن يجعل شخصيته مقنعة وأن نراها في القصة كما نراها في الحياة الحقيقية؟ وعنصر الحوار الذي يجري على ألسن الشخصيات، هل كان الحوار مناسبًا لكل شخصية من الشخصيات بحيث يتحدث الفيلسوف بما يناسبه، ويتحدث الرجل العادي بما يناسبه، والحبكة القصصية، أو الحبكة الفنية، والتشويق الذي يحس به القارئ عندما يقرأ هذه القصة. كل هذه عناصر يتعرض لها الناقد لهذا الفن، والقصة أو فن القصة ليس فنًّا واحدًا؛ فنحن الآن نعرف القصة القصيرة، ونعرف القصة والرواية.

وبعض النقاد يجعل هذه الأنواع: أقصوصة، ورواية، وقصة، والتفريق بين هذه الأنماط لا ينظر فيه إلى الحجم فحسب؛ ولذلك يقول الأستاذ سيد قطب: “ليست الأقصوصة قصة قصيرة، وحجم الأقصوصة ليس هو السمة التي تعين طبيعتها، فالاختلاف بينها وبين القصة لا يقف عند حجمها، إنما يتعداه إلى طبيعتها ومجالها”.

ثم يقول: “تعالج القصة فترة من الحياة لكل ملابساتها وجزئياتها، واستطراداتها، وتشابكها، وتصور شخصية واحدة أو عدة شخصيات في محيط واسع في الحياة. ويجوز أن تصف مولد هذه الشخصية، وكل ما أحاط به، وتتدرج معها. فتصف كل ما وقع لها، وتستطرد إلى الشخصيات والأحداث التي اعترضت طريقها، فتصفها وتحللها، وتدخل في السياق المرة بعد المرة شخصيات جديدة، ومعالم طبيعية، وحوادث تعترض مجرى القصة الأولى، وتتفرع إلى جداول ومنعرجات تؤثر في اتجاهها، وتشمل على وجه العموم كل شخص، أو حادث، أو مناسبة، أو منظر له علاقة بمجرى الرواية من قريب أو من بعيد، ما دام اشتمالها عليه ليس متكلفًا ولا مفتعلًا.

أما الأقصوصة فتدور على محور واحد في خط سير واحد، ولا تشمل من حياة أشخاصها إلا فترة محدودة أو حادثة خاصة، أو حالة شعورية معينة، ولا تقبل التشعب والاستطراد إلى ملابسات كل حادث، وظروف كل شخصية إذا كان ذلك يوجه النظر بعيدًا عن الشخصية الأساسية أو الحالة الأساسية”.

إذًا الأقصوصة تدور على محور واحد في خط سير واحد، لا تشمل من حياة أشخاصها إلا فترة محدودة أو حادثة خاصة، أو حالة شعورية معينة.

 هذا هو المراد بالقصة القصيرة أو الأقصوصة، ولا بد في القصة الطويلة من بدء ونهاية للحوادث؛ لتصل إلى غاية مرسومة. أما الأقصوصة فلا يشترط لها بدء ولا نهاية من هذا الطراز؛ فقد تصف حالة نفسية اعترت شخصًا ما، في لحظة ما، فإذا صورتها صورة مؤثرة موحية فقد انتهت مهمتها، ولقد تعالج الأقصوصة حادثة ذات أثر معين في حياة معينة، فيكون لها بدء ونهاية، ولكن هذا ليس شرطًا فيها، ولا يخل عدم وجوده بوجودها، والحادثة على العموم في الأقصوصة هي آخر مقوماتها وأقل قيمها.

ولأن الأقصوصة تعتمد على قوة الإيحاء والتصوير قبل أن تعتمد على الحادثة ولا على الشخصية كان من الضروري أن تتبع طريقة أداء قوية موحية منذ اللحظات الأولى، وأن تعتمد على تعبير لفظي حافل بالصور والظلال والإيقاع؛ لأن الفرصة التي أمامها للإيحاء محدودة، وحبكة الحوادث التي قد تغني في القصة ليست ميسرة لها، ومجالها المحدود يحتم عليها التركيز والاندفاع؛ لذلك تسقط الأقصوصة أو القصة القصيرة البطيئة الحركة الباردة العبارة؛ لأن الأقصوصة كلها تتركز في الحركة السريعة والعبارة المشعة.

 ومن أفضل القصص القصيرة التي يمثلون بها، وأنها تستوفي هذه الشروط: قصة “نظرة” للأديب يوسف إدريس، وبالتأكيد هناك قصص أخرى كثيرة مثلها.

الرواية قصة طويلة، وإذا كانت القصة تمثل واقع الحياة في بيئة معينة وفي حقبة محددة، فإن الرواية تكون تمثيلًا لواقع الحياة عند فئات كثيرة من الناس، وفي فترات ممتدة، ويمكن أن تتعدد بيئاتها، والقصص التي كتبها الراحل نجيب محفوظ على هيئة أجزاء مثل “ثلاثيته” المعروفة خير مثال على هذا النمط من الكتابة كتابة الرواية.

إذًا ناقد هذا الفن يتعامل مع العناصر المختلفة التي يتكون منها فن القص مع مراعاة الاختلاف الحادث بين القصة القصيرة، والقصة الطويلة، والرواية.

 ولا بد أن نقرر أيضًا أن مقاييس النقد تختلف حسب اختلاف المذهب الأدبي الذي تنتمي إليه القصة، فالقصة الرومانسية تختلف عن القصة الرمزية، وهاتان تختلفان عن القصة الواقعية، وعن القصة الفلسفية كذلك؛ وهكذا؛ فالمقاييس دائمًا تخضع لطبيعة العمل، وللمذهب الذي ينتمي إليه.

error: النص محمي !!