Top
Image Alt

فن المسرحية

  /  فن المسرحية

فن المسرحية

نتحدث -بمشيئة الله وتوفيقه- نقد المسرحية:

 المسرحية نسبة إلى المسرح، والمسرح هو المكان الذي يعد إعدادًا خاصًّا ليتم عليه تمثيل قصة صالحة للتمثيل، ولذلك وجدنا الأستاذ سيد قطب يختار عنوان التمثيلية ليتحدث عن المسرحية.

فالمسرحية إذًا هي قصة صالحة للتمثيل، والتمثيل فنٌّ حركي قائم بذاته، يختلف عن النص الأدبي، فالمسرحية إذًا لها وجهان: الوجه الأدبي المتمثل في النص الذي يكتبه الأديب بطريقة تجعله صالحًا لأن يمثل، والوجه الفني الذي يقدم بالفعل على المسرح بواسطة الممثلين.

 فليست كل قصة أو رواية صالحة لأن تمثل، وليس كل كاتب قصة يمكن أن يكون كاتبًا مسرحيًّا.

وطبيعة الفرق بين القصة والمسرحية تتمثل في أن القصة تصور الحياة في فترة من فتراتها بكل جزئياتها وملابساتها غير مقيدة بقيد ما إلا التعبير بلغة مناسبة للجو، والحادثة، والشخصية في كل موضع من مواضعها.

 أما التمثيلية أو المسرحية فإنها تتقيد بهذا القيد، قيد التعبير المناسب عن الجو، والحادثة، والشخصية. لكن المسرحية أو التمثيلية لا تتمتع بالحرية التي تتمتع بها القصة؛ لأن المسرحية تكون مقيدة بزمن محدود، هو زمن التمثيل، فلا تملك أن تتجاوز حدًّا معينًا من الطول؛ ليمكن تمثيلها في فترة معقولة، وهذا القيد الزمني الكمي يجعلها مقيدة بقيد آخر من حيث المجال، فهي لا تملك تناول الجزئيات وتسلسلها؛ لأن هذا يطيلها إطالة لا تملكها؛ لذلك تقتصر على تصوير أبرز المواقف في الحادثة، وتقع بين هذه المواقف فجوات صغيرة أو كبيرة. وقد تتسع هذه الفجوات إلى حد أن تسقط جيلًا كاملًا بين الفصل والفصل، لا تقول عنه إلا كلمة عابرة خلال السياق تشير إلى الوقائع وأحداث لو تناولتها القصة؛ لأفرغت فيها عشرات الصفحات.

وهي مقيدة ثانيًا بطريق تعبير معينة هي الحوار، في حين تملك القصة أن تكون حوارًا في بعض المواضع ووصفًا في بعضها، وتعليقًا على هذا الحوار يوضحه ويحلله، هذا طبعًا يوجد في القصة الشرح أو التعليق من جانب القاص أو الحاكي، ينقطع الحوار ويتدخل الحاكي بالتوضيح والشرح، لكن المسرح الحوار فيه لا بد أن يكون مطردًا على طريقة تناسب المسرحية.

والمسرحية مقيدة كذلك بقيود المسرح، والممثل، والنظارة، فالقصة حرة في أن تختار المجال الذي تقع فيه حوادثها، في الطبيعة، في البحار والصحاري والجبال والوهاد، وفي كل مكان يخطر لها أن تقع أحداثها فيه، أما التمثيلية أو المسرحية هي مقيدة من ناحية المسرح بمكان محدد لا تظهر فيه إلا مناظر محدودة، وقد يستعين المخرج بالحيلة لتمثل منظر في غابة أو صحراء أو جبل أو بحر، ولكنه مقيد على كل حال بسعة المسرح؛ لذلك تلجأ التمثيلية الحديثة -أي المسرحية- في الغالب إلى أن تجعل مجال حوادثها داخل البيوت، وما يقرب من البيوت؛ لأنها لا تستطيع أن تصور مجالها في الخيال كالقصة، ولا في الواقع كالفيلم السينمائي.

ومقيدة أيضًا من ناحية الممثل، وقدرته على الحركة المنظورة قدرة إنسانية. فيجب أن تكون المقدرة المنظورة لجميع أبطال التمثيلية قدرة إنسانية كذلك؛ ليستطيع الممثل أن يؤدي الأدوار في حدود الطاقة الإنسانية. أما قوى الطبيعة والقوى الخارقة على العموم فليست في متناول الممثل، ولا متناول المسرح؛ ولهذا تتجنبها التمثيلية الحديثة تجنبًا كليًّا أو جزئيًّا، بينما القصة طليقة في تصوير جميع القوى وعرضها للخيال.

 نريد أن نوضح هذا بشيء من الأمثلة مثلًا في القصة يمكن أن يصف القاص زلزالًا حدث في مكان ما، في وقت ما، ويصف ما ترتب على هذا الزلزال من الدمار والمآسي وصفًا تصويريًّا يجعل القارئ كأنه يشاهده، يمكن أيضًا للقاص في القصة أن يتحدث عن إعصار مدمر أو عن فيضان في مكان ما، وعن غرق وما إلى ذلك، يستطيع القاص أن يفعل ذلك، لكن هل تستطيع المسرحية أن تصور على المسرح هذه المشاهد؟ لا يمكن بحال من الأحوال أن تصور المسرحية حدثًا من هذه الأحداث، أو ظاهرة من هذه الظواهر الطبيعية التي لا يمكن للمسرح بإمكاناته وحدوده أن يستوعب شيئًا منها. فلا الزلازل، ولا البراكين، ولا العواصف، ولا الأمطار، ولا الرعد، والبرق، وغير ذلك من هذه الظواهر يمكن أن تمثل على المسرح، هذه قيود تجعل الكتابة للمسرح شيئًا مختلفًا عن كتابة القصة، وتجعل الفن المسرحي أو المسرحية أو التمثيلية فنًّا قائمًا بذاته.

وكما أن المسرحية مقيدة بقيود التعبير، وقيود المسرح، وقيود الممثل، فهي مقيدة أيضًا بالمشاهدين الذين يشاهدونها؛ لأنهم ينفعلون بالحركات التي تؤدى على المسرح، وهذه الحركات حركات منظورة، لا حركة نفسية، ولا حركة ذهنية تجريدية؛ لأن الحركة المحسوسة هي التي يستمتع بمشاهدتها جمع من الناس، بينما الحركة الشعورية أو الذهنية تحتاج إلى فرد في وحدة لديه فسحة للتأمل والتفكير ومتابعة للأحاسيس الفردية والأفكار التجريدية.

لا بد إذًا أن تكون التمثيلية أو المسرحية مبنية على الأفكار التي يمكن تمثيلها، أما الأفكار المجردة أو الحركة الذهنية أو الشعورية في داخل النفس فإن المشاهد لا يستطيع أن يشاهدها. ومجال هذا النوع من الكتابة هو مجال القراءة المتأملة، وليس رجال التمثيل المشاهد. ويبدو أن هذا هو الذي جعل المسرحيات الذهنية التي كتبها الأستاذ توفيق الحكيم في العصر الحديث لا تحقق نجاحًا كبيرًا في التمثيل؛ لأنها مسرحيات تقوم على الحركة الذهنية والشعورية في داخل النفس والعقل لا تصلح للمشاهدة. لذلك يقول الأستاذ سيد قطب -رحمه الله: يتبين من هذا كله أن التمثيلية في حاجة إلى موهبة أخرى غير الموهبة القصصية؛ فالموهبة في القصة تصوير، وتسلسل، واستطراد. والموهبة في التمثيلية تنسيق، وتقطيع، وحركة. وفي القصة تنسيق لا شك فيه في اختيار الحوادث وترتيبها؛ لتؤدي إلى نهاية معينة طبيعية في الوقت ذاته، ولكن المسرحية تزيد على هذا اختيارًا آخر، هو اختيار أبرز الحوادث المتقطعة؛ بحيث تغني عن الحوادث المتسلسلة الساقطة في الفجوات قبل الفصل الأول وبين الفصول، وهي في هذا أشبه بعمل المصور في اختيار منظر واحد من مناظر الموضوع يوحي بما سبق من مناظره، وبما لحق.

والمقدرة التي يحتاج إليها الكاتب ليخلق شخوصًا ناطقة متحركة هي مقدرة من نوع آخر غير التي يحتاج إليها ليخلق شخوصًا موصوفة مرسومة، والبراعة في الحوار تلك الجمل القصيرة التي تكون في بعض الأحيان لفظًا واحدًا غير البراعة في الوصف المتسلسل المطرد المطلق من جميع القيود.

والجملة الزائدة في القصة قد تستساغ لما فيها من فن لفظي وتصويري. ولكن الجملة الزائدة في الحوار في المسرح أو التمثيلية قد تطفئ الموقف وتمل النظارة؛ لأنها تبطئ الحركة عن موعدها المناسب. والحركة أهم من العبارة في المسرح، وكثير من الحوادث يستساغ حين يكون أوصافًا في عبارات، ولكنه يمل ويستسخف حين يكون حوادث وحركات.

هذه فروق واضحة بين القصة والمسرحية:

 ناقد المسرحية يتوجه بعمله إلى العناصر المختلفة التي يتكون منها هذا الفن، وهذه العناصر تتمثل فيما يلي: الأحداث التي تنبني عليها المسرحية، والشخصيات التي تقوم بهذه الأحداث، والصراع الدرامي الذي يعتبره النقاد من أهم العناصر التي تميز المسرحية عن غيرها من فنون الأدب.

 والعنصر الذي يأتي بعد ذلك هو عنصر البناء الدرامي؛ وضع الحوادث في مواضعها وتسلسلها ومنطقيتها وتلاحم الأجزاء والتناسق، والتناسب بين الحدث والشخصية والحوار. كل هذا من البناء الذي يجب أن يراعي كاتب المسرحية تماسكه وتناسبه.

 ويأتي بعد ذلك الحوار، وهو الذي يتكون منه نسيج المسرحية، وهو الذي يعطيها قيمتها الأدبية؛ لأن الحوار هو اللغة التي يتحدث بها الممثلون؛ ولا بد أن يكون هذا الحوار مناسبًا للأحداث، ومناسبًا للشخصيات التي يأتي هذا الحوار على ألسنتها.

والشخصيات بالتأكيد تختلف في الثقافة، وتختلف في الاستعداد النفسي، وتختلف في الوضع الاجتماعي، ولا بد أن يكون لكل دور من هذه الأدوار حوار يناسبه ولغة تناسبه.

فهذه الشخصيات التي تمثل الأحداث، وتجري الحركات على أيديها في النقد القديم، النقد اليوناني القديم، تحدثوا عن أبعاد الشخصية، وقالوا: إن الشخصية لها أبعاد ثلاثة، لا ينفصل بعضها عن بعض، بل هي متداخلة ومؤثرة. وهذه الأبعاد الثلاثة هي:

– البعد الجسمي، هيئة الشخص من حيث البنيان الجسدي، من حيث القوة، أو الضعف.

– والبعد النفسي، هل هو طبيعي أم مختل؟ صحيح أم مريض؟

– والبعد الاجتماعي، وذلك لما للأسرة والبيئة الاجتماعية والطبقة التي تنتمي إليها الشخصية، وكذلك المهنة التي تزاولها من أثر في السلوك البشري، وطريقة التصرف في المواقف والتعامل مع الغير.

فهذه الأبعاد الثلاثة مهمة جدًّا في تصور الشخصيات المسرحية ورسمها حتى تكون هذه الشخصيات مقنعة عندما يؤدي كل شخص دوره المرسوم له بعناية.

والتجارب التي تصورها المسرحية لا بد أن تشتمل على الصراع الدرامي، وهذا الصراع له أشكال مختلفة، فهناك الصراع الطبقي الاجتماعي، وهناك الصراع النفسي بين العواطف المتناقضة، والصراع بين العاطفة والواجب، وهناك أيضًا الصراع بين الإنسان والقدر.

 والذين يؤرخون للمسرح العربي خاصة يؤكدون على أن المسرح فن حديث عرفه العرب من خلال الأدب الأوربي، لكنه عند الأوربيين فن عريق ترجع أصوله إلى عصر الإغريق وفلاسفتهم الأقدمين، وأرسطو هو واضع الأصول الأولى والمقاييس النقدية لهذا الفن.

والذي جعل العرب يتأخرون في هذا الفن إلى العصر الحديث، ولا يعرفونه في العصور الماضية يعلله أو يعلل هذا التأخر بعض الدارسين؛ بأن الإسلام له دخل في ذلك؛ لأنه لا يليق -كما يقولون- أن يصور الأديب، أو أن يمثل الممثل قصة أو حادثة يتجلى فيها الصراع بين الإنسان والقدر؛ وذلك بناء على أن المسرحية التقليدية، أو المسرحية اليونانية قامت في أغلب الأحيان على هذا الصراع، الصراع بين الإنسان وقدره.

 والنموذج الواضح في هذا الأمر هو المسرحيات التي اعتمدت على ما يسمى بأسطورة “أوديب”. فهذه الأسطورة تقول: إن القدر المنحوس قد لاحق أوديب منذ مولده كميراث عن أجداده الآثمين؛ فقبل أن يولد تنبأت العرافة لأبيه لايوس ملك مدينة طيبة أنه سيولد له ولد يقتله ويتزوج من أمه؛ ولذلك لم يكد يولد أوديب حتى دفعه أبوه إلى أحد الرعاة ليلقيه في الجبل، ولكن الراعي لم يفعل، بل باعه لراع آخر حمله إلى ملك وملكة مدينة كورنثا، وربي أوديب هناك، وظن الملك والملكة أباه وأمه، ولكن عرافة هذه المدينة تنبئه هي الأخرى بأنه سيقتل أباه، ويتزوج من أمه، فيفزع من هذه النبوءة، ويقرر مغادرة المدينة؛ حتى لا يرتكب هذا الإثم الفظيع، ولكنه في طريق هجرته تزاحم عربته عربة فارس آخر، فيشتبك الرجلان في القتال؛ فيقتل أوديب الرجل الآخر الذي كان هو لايوس والده الحقيقي ملك طيبة، ثم يواصل السير بعد أن قتل أباه دون أن يعرفه حتى يلتقي على مشارف طيبة بوحش اسمه أبو الهول. كان يقتل كل من يلقاه من أهل طيبة؛ إذا عجز عن أن يجيب على أسئلته، وينجح أوديب في الإجابة على ألغاز هذا الوحش؛ فيفقد الوحش قوته، فيستطيع أوديب أن يقتله، ويخلص أهل طيبة من شره، فيحتفل هؤلاء الناس به، ويريدون أن يكافئوه على صنيعه بتنصيبه ملكًا على مدينتهم، وتزويجه من أرملة الملك السابق التي كانت هي جوكاستا أم أوديب الحقيقية، وينجب أوديب من أمه أطفالًا؛ غير أن الآلهة التي لا ترضى الدنس ترسل على المدينة وباء يفتك بأهلها فتكًا ذريعًا، فيفزعون ويستشيرون العرافة التي تجيبهم بأن الوباء لن يرتفع عن المدينة ما لم يكتشفوا رجلًا دنسًا يقيم فيها، ويطردوه. ويضرع أهل المدينة إلى أوديب الذي يحبونه؛ لكي يبحث عن هذا الرجل الدنس، فيأخذ أوديب في البحث، وتتراكب الشواهد والأدلة ضده هو نفسه، مشيرة إلى الحقيقة التي كان يصارعها أوديب بكل حيلته وقوته، ولكنها لا تزال تزداد وضوحًا وتأكيدًا حتى تدمغه في النهاية، فيستسلم ويفقأ عينيه؛ تكفيرًا عن إثمه الذي لا ذنب له فيه، وحتى لا يرى أولاده ثمرة هذا الإثم. أما أمه فتشنق نفسها، ثم يهيم على نفسه في الأرض تقوده إحدى بناته حتى يستقر في غابة كولونا عند ضواحي أثينا، ويموت في تلك الغابة فيحمل الأثينيون رفاته إلى مدينتهم، ويقيمون له فيها معبدًا.

هذه هي الأسطورة، وقد قامت عليها مسرحيات عديدة، لكنها تظهر أن أوديب كان ضحية قدره، وأنه كان في صراع مع هذا القدر، لكنه لم يستطع أن يفلت من قدره المحتوم، الواقع أن الذين يتحدثون عن أن الإسلام من هذه الوجهة حرم العرب من فن المسرح، يغفلون أن الحياة مليئة بألوان الصراع، كما قلت: الصراع بين عاطفة وعاطفة، وبين العاطفة والواجب، والصراع بين الحق والباطل الذي لا يخلو منه عصر، ولا تخلو منه بيئة. وهناك أيضًا، الصراع الطبقي الذي يقيم عليه الواقعيون أو أصحاب المذهب الواقعي أدبهم.

لكن بهذا الاستعراض يظهر لنا أن فن المسرح هو فن الدراما، وفن الحركة. ولا بد لازدهار هذا الأدب من إمكانات، وحضور، وفراغ، ونصوص أدبية، وممثلين يستطيعون أن يقوموا بتمثيل المواقف والحركات أمام الناس. كل هذا لم يعرفه العرب القدماء، وإنما انتقل إليهم -كما قلت- من الأدب الغربي الحديث، وبدأ الأدباء يستوحون أعمالًا مسرحية من تاريخهم العربي، ومن التاريخ القديم، ومن التراث اليوناني، ومن واقع الحياة. لكننا لا بد أن نقرر أن طبيعة العناصر التي تتكون منها المسرحية، والمقاييس الأدبية التي تنقد بها المسرحية لم تكن ثابتة ولا جامدة، بل تغيرت وتطورت حسب التطور الذي حدث للأدب جراء ظهور المذاهب الأدبية المختلفة.

 فالكلاسيكيون كانت لهم مقاييس مختلفة أو متطورة عن المقاييس التي وضعها أفلاطون، والرومانتيكيون الذين ثاروا على الكلاسيكية وأدبها كانت لهم مقاييس مختلفة، والرمزيون بالتأكيد اختلفوا عن الرومانتيكيين، وأصحاب الفن للفن وأصحاب الواقعية نظروا إلى الأدب كل فئة من منظور خاص.

 وكل هذا الاختلاف أثر بطبيعة الحال على الأهداف المبتغاة من المسرح، وعلى قيمة كل عنصر من العناصر التي تتكون منها المسرحية، وعلى المقاييس النقدية التي تنقد بها المسرحية، فمبدأ الوحدات الثلاث مثلًا الذي كان القدماء يقولون به، ومبدأ الفصل بين الأنواع، يعني: ألا تحتوي التراجيديا -وهي المسرحية الجادة- على شيء من المشاهد الكوميدية، أو الفكاهية المضحكة. هذان المبدآن كانا من المبادئ المهمة جدًّا، والمقدسة عند اليونانيين الأقدمين. هذان المبدآن تغيرا؛ فلم تعد المذاهب الجديدة تولي اهتمامًا كبيرًا لمسألة الوحدات الثلاث، أو مبدأ الفصل بين الأنواع.

عن تطور مقاييس النقد المسرحي، يقول الدكتور محمد مندور في كتابه (الأدب وفنونه): “ليس من السهل في وقتنا الحاضر، وبعد التطور الواسع الذي حدث في مقومات المسرحية، ومصادرها، وأهدافها أن يتفق النقاد اتفاقًا تامًّا على تلك الأسس على نحو ما، كانت عليه الحال في العصر الكلاسيكي، يوم اقتتل الأدباء والنقاد مثلًا، حول مسرحية “السيد لوكرني” لا من حيث نجاحها أو عدمه نجاحها في ذاته، بل من حيث احترامها أو خروجها على المبادئ شبه المقدسة التي حددها أرسطو”.

ثم يضيف: “ففي وقتنا الحاضر قد يفضل أديب أو ناقد مثلًا للأدب المسرحية نوعًا من التجارب البشرية على غيره من الأنواع، على نحو ما رأينا توفيق الحكيم يفضل في كتابه (أدب الحياة) ما يسميه بالأوراق الخضراء، أي: تجارب الحياة الواقعية الحية على الأوراق الصفراء، أي التجارب الأسطورية والتاريخية القديمة”.

ثم يضيف: “بينما يرى أدباء آخرون أن العبرة ليست بنوع التجربة البشرية ومصدرها، بل العبرة بطريقة معالجة الكاتب للتجربة، وبالمضمون الذي يصبه فيها، والهدف الذي يضعها في خدمته ويتخذها وسيلة لتحقيقه”.

ثم يقول: “ومع ذلك، فهناك منهج عام يمكن الاتفاق عليه، وهو أن ننظر في الهدف الذي قصد إليه المؤلف، وقيمة هذا الهدف في نظر الحياة من نواحيها المختلفة، ثم ننظر في الوسائل التي استخدمها الكاتب لتحقيق هذا الهدف، ومدى صلاحيتها، ونجاحها أو فشلها في ذلك، أي: أن ننظر فيما أراد الكاتب أن يقوله للقراء أو المشاهدين، أو يوحي به أو يستثيره فيهم من انفعالات، وكيف قال، أو أوحى، أو استثار؟ وهل وجد الوسائل الفنية المجدية في إبلاغ رسالته أم لم يجد؟”.

ويتحدث عن اختلاف النقاد في النظر إلى عناصر المسرحية، فيقول: “ومن النقاد من يعلق أهمية أكبر على عنصر من عناصر المسرحية بالنسبة للعناصر الأخرى، فبعض النقاد يولي الأهمية الأولى للشخصيات، وقد يولي بعضهم الأهمية الأولى لعنصر آخر، ويميل معظم النقاد إلى اعتبار عنصر القدرة على الإثارة شرطًا أساسيًّا لنجاح المسرحية، سواء أكانت تلك الإثارة للضحك في المسرحيات الفكاهية، وهي التي تسمى كوميديا، أو للانفعالات العاطفية في الدراما التي تسمى تراجيديا”.

وفي عالمنا العربي الحديث بدأ أحمد شوقي الكتابة المسرحية شعرًا، وكتب بعض المسرحيات المستوحاة من التاريخ الفرعوني، ومن التاريخ العربي، والمستوحاة أيضًا من واقع الحياة. وكان شوقي يكتب المسرحية بالشعر الغنائي. وفعل عزيز أباظة ذلك الفعل نفسه، وقد أخذ على مسرح شوقي وعزيز أباظة والمسرحيات التي سلكت سبيلهما أن المشاهد الغنائية الطويلة أو المقاطع الشعرية الطويلة تفقد المسرحية تدفقها وحيويتها؛ لأنها تقطع الحركة التي هي أهم عنصر من عناصر المسرحية، وتجعل المشاهد عرضة للملل والإحساس بالفتور.

وكتبت المسرحية أيضًا نثرًا بعد ذلك، ولكن التجربة التي حققت نجاحًا كبيرًا في الكتابة المسرحية في اللغة العربية الحديثة هي كتابة المسرحية بطريقة الشعر الحر.

error: النص محمي !!