Top
Image Alt

فوائد النقد الأدبي

  /  فوائد النقد الأدبي

فوائد النقد الأدبي

فوائد النقد الأدبي بالنسبة للأديب وبالنسبة للناقد وبالنسبة إلى القراء:

نتحدث -بمشيئة الله وتوفيقه- عن فوائد النقد الأدبي بالنسبة للأديب وبالنسبة للناقد وبالنسبة إلى القراء؛ كما نتحدث عن ثقافة الناقد الأدبي التي ينبغي أن تتوافر له، وعن الشروط التي يجب أن تتوافر في الناقد الأدبي حتى تتم عملية النقد على الوجه المطلوب:

النقد الأدبي: عملية تفسير وشرح وبيان لما في العمل الأدبي من المزايا والعيوب، وهو بهذه المثابة يضيء الطريق أمام الأدباء ويبين لهم المنهج الأقوم في الإبداع، فإذا قام الناقد الأدبي بشرح العمل الأدبي لأديب معين وتفسيره وبيانه المزايا والعيوب الموجودة في هذا العمل؛ فإن الأديب صاحب هذا العمل يمكن أن يستفيد من المواطن التي أشار إليها الناقد بوصفها عيوبًا؛ فيعمل على تجنبها في العمل القادم، ويستفيد كذلك من المواطن التي أشار إليها الناقد بوصفها مزايا فيعمل على أن يزيد منها في أعماله التي يكتبها فيما بعد، وبهذا يقدم النقد الأدبي للأديب خدمة كبرى ويفيده فائدة عظيمة؛ لأنه يبصره بالنهج الأمثل في العمل الأدبي.

وأحيانًا يكتب الأديب عمله ويرى أنه على النحو الممتاز الذي لا يتطرق إليه عيب؛ لكن الناقد يرى أشياء يمكن ألا يراها الأديب في عمله؛ ومن هنا كان النقد الأدبي ضروريًّا لتقويم الأدب وتفسيره وشرحه وتوجيهه.

الأمر الثاني الذي يستفيده الأديب من النقد الأدبي: أن الناقد الأدبي عندما يتعرض لعمل أدبي معين بالشرح والتفسير والتوجيه والتقويم ويبين المزايا والعيوب؛ فإنه يقيم جسرًا من التواصل بين الأديب وجمهور القراء والمتذوقين، وكثير من الأدباء كانوا مجهولين ولم يعرفوا إلا بعد أن تعرض النقد لأعمالهم؛ فإذا ما تعرض النقد الأدبي لعمل معين بالإشادة والثناء عليه؛ فان الجمهور يلتف حول الأديب صاحب هذا العمل ويقبل على قراءة نتاجه؛ ومن هنا تكون شهرة الأديب، ويشعر بالتواصل بينه وبين القراء، ويكون في ذلك أكبر دافع له على أن يزيد من إبداعه وأن يكون مجودًا؛ لأنه يعمل حسابًا لهذا الجمهور الذي يتواصل معه.

وهذا -في الحقيقة- معروف في كل العصور وفي عصرنا الحديث مثلًا؛ كان هناك شعراء كثيرون مغمورون لا يسمع عنهم أحد، فلما تعرض النقاد لهم ولأعمالهم الأدبية وعرفوا بنتاجهم؛ عرفهم القراء من خلال الصحف والمجلات التي كان يكتب فيها هؤلاء النقاد، وبعد أن قدمهم النقد للجمهور أصبحوا من الشعراء المعروفين والمشهورين.

 كيف يفيد الناقد من النقد؟:

الناقد عندما يتعرض للأعمال الأدبية بالشرح والتفسير بالتأكيد يثري معلوماته ويثري وجدانه ويكثر من خبراته؛ لأن الأدب يحمل خبرات ويحمل عواطف ويحمل مواقف، والناقد الأدبي عندما يقرأ هذا الأدب فإنه يستفيد ويضيف إلى نفسه هذه الخبرات وهذه العواطف والأحاسيس والمشاعر والمواقف، ويجدد معلوماته، ويتأثر الناقد بالأدب الذي يقرؤه لينقده، ولو أن الناقد هجر النقد وترك قراءة الأدب فإنه بعد فترة يشعر بنفسه وكأنها قد صدئت، وبعقله وكأنه قد خمر، وبنفسه وكأنها قد ضعفت ولم تعد قادرة على الاستجابة والتأثر بالجمال الذي يكون في العمل الأدبي؛ فالناقد الأدبي يستفيد بممارسة النقد؛ يستفيد ثقافةً وسعة في الاطلاع وتواصلًا مع الأدب ومعرفة بالأدباء، ويضيف إلى نفسه خبرات الأدباء الذين ينقدهم ويزود معلوماته ويجددها.

وكذلك يستفيد الناقد الأدبي من نقده أنه أيضًا يتواصل مع جمهور القراء والقراء إذا أحسوا في هذا الناقد التزامًا وإنصافًا وجدًّا وعلمًا وثقافةً وقدرةً على الشرح والتفسير والتوجيه؛ فإنهم يلتفون حوله وينتظرون كتاباته النقدية ويتابعون النقد الذي يكتبه في تقويم الأدب وتوجيهه وشرحه وتفسيره.

والنقد الأدبي يفيد القراء أيضًا؛ لأنه يقرب إليهم الآثار الأدبية، ويساعدهم على فهمها، ويعرفهم بمواطن الجمال فيها، ويدلهم على المزايا المستكنة في العمل الأدبي التي ربما لا يستطيع القارئ العادي أن يصل إليها بنفسه.

والناقد الأدبي عندما يشرح العمل الأدبي ويفسره ويقربه للقراء فإنه يضيف إلى هؤلاء القراء أو يمكنهم من أن يضيفوا إلى أنفسهم تجارب الأدباء وثقافة الأدباء والمواقف التي مر بها هذا الأديب أو ذاك، وبهذا العمل تزداد ثقافة القراء ويزداد عمق تفكيرهم وعمق إحساسهم وينمو تذوقهم للأدب، وربما كان من هؤلاء القراء من يجد في نفسه بعد ذلك قدرة على ممارسة هذا الأدب مستضيئًا ومستفيدًا من قراءته السابقة للنقد، وربما خرج من هؤلاء القراء من يمارسون النقد ذاته بعد ذلك؛ إذن هناك فوائد كثيرة جدًّا يقدمها النقد الأدبي للأديب وللناقد وللقراء أيضًا.

ومن هنا كان النقد ضروريًّا؛ ليس النقد الأدبي وحده وإنما كل أنواع النقد؛ لأن النقد عملية بناء، توجيه، طموح إلى الأفضل؛ ولن يتحقق هذا الطموح إلا بالمدارسة والشرح والتفسير والبيان ومحاولة الاهتداء إلى مواطن الجمال والجودة، والتنبه إلى مواطن الرداءة والقصور؛ ولذلك ينبغي على الأدباء والفنانين وعلى جميع الناس الذين يمكن أن يوجه إليهم نقد بهدف توجيههم والارتقاء بمستواهم يجب ألا يغضبوا من النقد؛ بل يجب عليهم أن يسعدوا بهذا النقد وأن يرحبوا به … هناك النقد الأدبي، هناك النقد الفني عمومًا الذي يشمل جميع الفنون فيوجهها ويفسرها ويقيم جسرًا بين الفنان رسامًا كان أو مصورًا أو غير ذلك وبين جمهوره؛ بل أن النقد الاجتماعي أيضًا ضروري لتنمو الحياة وتستقيم على الجادة.

ولذلك كان من غير المقبول من الشعراء أو من بعضهم مثلًا أن يعبر عن ضيقه بالنقد وهجومه على النقاد واعتقاده أن النقد الأدبي يعوق مسيرة الإبداع ولا ينميها؛ من ذلك مثلًا ما ذكره الأستاذ الدكتور أحمد الشايب في كتابه (أصول النقد الأدبي) عن الشاعر الإنجليزي الكبير وليم ورزورف؛ فهذا الشاعر يحمل على النقد الأدبي حمل شعواء ويعده عبثًا باطلًا لا غناءَ فيه ولا فائدةَ منه، ويرى أن النقاد لو أنفقوا أوقاتهم في كتابة أي شيء آخر في أي موضوع غير النقد الأدبي لكان ذلك أجدى عليهم، وكان ذلك أكثر فائدة لهم وأكثر تهذيبًا لنفوسهم، وعليهم -أي النقاد- في رأيه أن يتركوا الأدباء وشأنهم؛ لأن عملهم ليس منه فائدة … هكذا يتصور هذا الشاعر وكأنه ضاق ذرعًا بالنقد والنقاد.

وليس هذا الشاعر وحده هو الذي عبر عن ضيقه بالنقد والنقاد؛ فذلك أمر متكرر، وعندنا في الأدب العربي القديم في العصر العباسي كان هناك ما يشبه هذه الخصومة بين بعض الشعراء وبعض النقاد، وكان كثير من الشعراء يتعالون على النقد ويعتقدون أن بعض النقاد -خاصة العلماء والرواة- لا يحسنون نقد شعرهم وكان بعضهم يقول: عليَّ أن أقول وعليكم أن تعربوا.

وفي العصر الحديث نجد أيضًا كثيرًا ما يحدث الخلاف بين الناقد والشاعر الذي يُنقد؛ حدث هذا مثلًا بين طه حسين وإبراهيم ناجي؛ ولكن الذي لا شك فيه أنه لا يصح إلا الصحيح، وأن النقد ضرورة لا يستغني عنها الأدب في أي عصر من العصور، وليس هناك شاعر ولا كاتب ولا أديب فوق النقد، وليس هناك عمل أدبي -أيًّا كان هذا العمل- يمكن أن تدعى له العصمة.

وإذا كانت كل ألوان النقد مطلوبة -كما قدمت؛ فإن النقد الأدبي -كما يقول الدكتور أحمد الشايب- أحق من سواه بالعناية؛ لأن الأدب شديد التعلق والاتصال بالحياة الاجتماعية؛ ولذلك كان الأدب بعيد الأثر في حياة الناس؛ لأن الأدب يؤثر في المشاعر ويؤثر في الأخلاق ويوجه الناس في المواقف المختلفة… الأدب هو الذي يدفع الناس إلى الثورة على الظلم… الأدب هو الذي يفتح أعين الناس على التمتع بالجمال… الأدب هو الذي يثري العواطف والمشاعر؛ لذلك كان هذا الأدب جديرًا بالنقد والتعقيب وبيان حقائقه وما ينطوي عليه من أفكار، وما يهدف إليه من غايات وأهداف، وما يتوقعه من المثل العليا.

وكان أيضًا هذا الأدب جديرًا بالنقد ليبين ما يمكن أن يكون في هذا الأدب من خلل في التفكير أو الرؤية أو مبالغة في الوصف أو مجانبة للأخلاق والقيم؛ فهناك أدب يهدم ويدمر ولا يبني ولا ينمي، وينطوي على أفكار رديئة، ومن واجب النقد أن يبين ذلك؛ لكي ينبه الناس وينبه المجتمع ويخفف من ضرر هذه الأفكار التي يمكن أن يحملها الأدب في بعض الأحيان.

والتعرف على الحياة الاجتماعية في عصر من العصور لا يمكن أن يكتفى فيه بالأدب؛ بل لا بد أن يضم النقد إلى الأدب لنعرف الحكم الصحيح على الحياة الاجتماعية في عصر من العصور أو بيئة من البيئات؛ فهذا المثل الذي يذكره لنا الدكتور أحمد الشايب مثلًا عن عصر هارون الرشيد…

يقول الدكتور الشايب: قد يجد الإنسان أفكارًا متناقضة مختلفة في عصر واحد؛ لأن كل إنسان له رأي؛ فإن لم يكن هناك تمييز بين هذه الأفكار فبأيها يحكم القارئ؟ وعلى أي اجتماع يكون حكمه صحيحًا؟ وماذا تكون الحال إذا حكمنا على زمن الرشيد بشعر أبي نواس وأمثاله؛ وحكمنا على الشعراء بمثل هذه الأخلاق؟ وأبو نواس يكاد يكون وحيدًا في بابه مع أصحابه، كما قال حمزة بن حسن الأصهباني جامع (ديوانِ أبي نواس) قال: وقد خص شعر أبي نواس مما نهج بإضافة المنقول إليه بما ليس في غيره من الأشعار، وذلك أن تعاطيه لقول الشعر كان على غير طريقهم؛ لأن جل أشعاره في اللهو والغزل والهجوم والعبث؛ كأشعاره في وصف الخمرة والغزل بالنساء والغلمان، وأقل أشعاره مدائحه، وليس هذا طريق الشعراء الذين كانوا في زمانه وكانوا من بعده؛ فأبو نواس في توفره على الهزل بإزاء عمران بن حطان وصالح بن عبد القدوس في توفرهما على الجد الصرف.

إذن لو لم يكن هناك نقد لكان من الممكن أن يحكم الناس على عصر الرشيد أو زمن الرشيد بشعر أبي نواس؛ لكن النقد هو الذي يبين أن شعر أبي نواس لم يكن هو الغالب على هذا العصر؛ وإنما كان إلى جانب أبي نواس، الذي أكثر من الغزل في الغلمان والخمريات، هناك شعراء أكثروا، بل التزموا بالجد في الشعر كعمران بن حطان وصالح بن عبد القدوس وغيرهما، وهنا يكون الاهتداء إلى الحكم الصحيح المتوازن في النظر إلى الأشياء والظواهر الأدبية المختلفة، والنقد هو الذي يساعد على تحقيق ذلك.

من هنا نتبين أن النقد الأدبي ضروري للأدب، وأنه مفيد جدًّا للأدباء، وضروري كذلك للناقد نفسه، وضروري جدًّا للقراء، وضروري جدًّا للحياة والمجتمعات.

ومن الخير أن نذكر لك ما قاله الدكتور طه حسين في فائدة النقد الأدبي؛ إذ يقول: والمهم أن الأديب -مهما يكن أمره- كائن اجتماعي لا يستطيع أن ينفرد ولا أن يستقل بحياته الأدبية، ولا يستقيم له أمر إلا إذا اشتدت الصلة بينه وبين الناس فكان صدًى لحياتهم وكانوا صدًى لإنتاجه، وكان مرآة لما يجدون من لذة وألم ومن نعيم وبؤس وكانوا مرآة لما يذيع فيهم من رأي وخاطر وما يغذونهم به من هذه الآثار الأدبية على اختلاف ألوانها، وهو في حاجة إلى أن يشعر بهذه الصلة وإلى أن يراها هوية متينة مترددة بينه وبينهم كما يتردد الرسول بين المحبيْن، وذلك يدفعه إلى العمل وينشطه للإنتاج، ويغذو نفسه بالمعاني ويثير فيها الخواطر والآراء، ويشيع في النقد القوة والجدة والنشاط، ويلائم بين هذه اللغة وبين قلوب الذين يقرءون الأدب ويسيغونه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم في جمهور الناس.

ومن هنا ينشأ لون من الأدب هو الذي يحقق الصلة بين المنتج والمستهلك ويحفظها على أتم وجه وأقواه وأنفعه؛ لأنه يقوم مقام الرسول بين هذيْن العاشقيْن الذين يختصمان حينًا ويأتلفان حينًا آخر: وهما الأديب، والجمهور، وهذا اللون الجديد من الأدب هو النقد الذي يبلغ الناس رسالة الأديب فيدعوهم إليها ويرغبهم فيها، أو يصرفهم عنها ويزهدهم فيها، والذي يبلغ الأديب صدى رسالته في نفوس الناس وحسن استعدادهم لها أو شدة ازورارهم عنها أو فتورهم بالقياس إليها، ولعله أن يبين للأديب أسباب إقبال الناس عليه وإعراضهم عنه، ولعله أن ينصح للأديب بما يزيد إقبال الناس عليه أن كانوا مقبلين، ويخفف إعراضهم عنه إن كانوا معرضين؛ فهو الرسول الحكيم الذي نصح القدماء باتخاذه لذوي الحاجات، وهو حكيم -بالقياس إلى الجمهور- لأنه يدل الناس على ما يحسن أن يقرءوا وعلى ما يحسن أن يفهموا مما يقرءون، وهو رسول حكيم -بالقياس إلى الأديب- لأنه يبين مواقع فنه من الناس، وقد يدله على الخطأ إن وقع فيه ليتجنبه وعلى الصواب إن وفق إليه ليزيد منه، وقد يدله على التقصير الفني ليتقيه وعلى الإجادة الفنية ليبتغيها فيما يستأنف من الآثار… هذه إذن هي فوائد النقد الأدبي.

error: النص محمي !!